الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

نحو تغيير جنس العرب

 

د. عصام نعمان 

صحيفة الخليج الإماراتية 23/10/2004

 

لن يمضي وقت طويل قبل أن يطلع علينا الكونجرس الأمريكي بتشريع جديد يرمي إلى تغيير جنس العرب أو تصنيفهم الانثروبولوجي. فالعرب بالأصل وبحسب علم التاريخ ساميون. لكن الكونجرس الأمريكي لا يعترف بهذه الحقيقة التاريخية لأنها تساوي  بين العرب واليهود، وهو أمر يستثير، على ما يبدو، غضب المسؤولين الأمريكيين، جمهوريين كانوا أم ديمقراطيين، الذين يعتبرون  الساميين هم اليهود وحدهم وربما اليهود "الإسرائيليين" تحديداً.

 

مهّد أساطين التمييز العنصري و"اختصاصيو" تاريخ الجنس البشري في الكونجرس لمشروع تغيير جنس العرب بتشريع جديد سمّوه "قانون الوعي العالمي لمعاداة السامية" يُلزم وزارة الخارجية إقامة مكتب لمراقبة الانتهاكات المشكو منها، وإصدار تقرير رسمي لترتيب الدول حسب سلوكها في هذا المجال بغية اتخاذ الموقف المناسب منها وفي التعامل معها.

وزارة الخارجية كانت حذرت الكونجرس من أن إصراره على إقرار هذا التشريع إنما يميّز اليهود رسمياً عن فئات دينية وإثنية أخرى. بل هي نبّهت الجميع إلى واقعة قيامها رسمياً بالعمل الذي يبتغيه الكونجرس من دون المكتب المطلوب إنشاؤه نظراً لما يمكن أن يرافق عمله من ضجة لا لزوم لها.

 

لكن على من تقرأ مزاميرك يا داود ؟ فالسنة سنة انتخابات، وجورج دبليو بوش يريد اجتذاب أصوات اليهود الأمريكيين فكان أن سارع  إلى توقيع التشريع الجديد وسط ضجيج إعلامي لافت مقرون بوعد صارم بالرد على "شرور العداء للسامية".

 

الحقيقة أن القانون الجديد يتعدى مسألة انتخابات الرئاسة إلى مسألتين أخريين هما التستر على "إسرائيل"، وصعود المسيحية التوراتية في أمريكا. ففي فلسطين المحتلة، لا سيما في قطاع غزة، تثابر حكومة أرييل شارون على ارتكاب جرائم التقتيل والتدمير والتجريف والتشريد على نطاق واسع لا يحتمل التبرير أو التغطية. من هنا تنبع الحاجة إلى تعمية الرأي العام الأمريكي والأوروبي بإثارة مسألة معاداة السامية وتضخيم مظاهرها وتسليط الأضواء على ما يتوجب عمله من أجل محاربتها والسيطرة على مفاعيلها. والغرض المتوخى من وراء هذه الحملة المفتعلة صرف النظر عمّا يحدث في فلسطين والعراق وإشغال الرأي العام العالمي بحوادث محدودة تجري في أماكن متباعدة تحت لافتة معاداة السامية.

 

على صعيد آخر، تتزايد في الولايات المتحدة أنشطة الكنائس المسيحية الإنجيلية التي تعتبر العهد القديم من التوراة مرجعها الأساسي. وهي بسلوكها هذا تمحي حدود التمايز بين المسيحيين واليهود إذْ تدّعي أن السيد المسيح سيأتي في يوم من الأيام - وهو أمر يتقبله اليهود كونهم يعتقدون أن المسيح لم يأتِ أصلاً - فتعلو في نظر جميع المؤمنين بهذا الادعاء قيمة "إسرائيل" من حيث هي المكان التاريخي الذي سيحتشد فيه اليهود من أجل "تمسيحهم"، أي جعلهم مسيحيين، على يدي المسيح القادم بنعمة الرب.

 

من الطبيعي، والحالة هذه، أن يلقى اليهود ومسألة معاداة السامية الاهتمام الشديد من قبل منتسبي الكنائس الإنجيلية التوراتية، لا سيما في سنة الانتخابات الرئاسية  كون بوش أحد أبرز أعضائها وأكثرهم جهراً بطروحاتها المتطرفة.

غير أن مسألة معاداة السامية ووسائل محاربتها لا تقتصر على أمريكا، إذ تحظى هذه الأيام باهتمام ملحوظ في دول أوروبية عدة أبرزها فرنسا. ففي فرنسا توجد أكبر جالية إسلامية في أوروبا - نحو ستة ملايين - لا تخفي جهات حكومية إزاءها اعتراضاتها على سلوك بعض أبنائها، فضلاً عن رواسب مسألة الحجاب التي أثارت، وما زالت، جدلاً واسعاً.

تزعم "إسرائيل" أن موقف فرنسا المساير للفلسطينيين وللقضايا العربية عموما إنما مرده إلى حرص الحكومة الفرنسية على عدم إغضاب الجالية الإسلامية من جهة وحرص الأحزاب الفرنسية المتنافسة على الفوز بأصوات أفراد الجالية من حَمَلة الجنسية الفرنسية من جهة أخرى.

 

غير أن فرنسا بدت، بشخص وزير خارجيتها ميشال بارنييه، اعتذارية للغاية خلال زيارته الأخيرة للكيان الصهيوني. فقد تجاهل ارتكابات "إسرائيل" الوحشية في غزة وجنين ورفح وسواها وطفق يتحدث عن موقف بلاده التي لن تساوم أبداً في شأن مسألة مكافحة العداء للسامية.

 

ترافقت زيارة بارنييه ل "إسرائيل" مع الحملة اليهودية التي أطاحت آلان مينارغ، مدير الأخبار في "إذاعة فرنسا الدولية". وكانت صدرت عن مينارغ تصريحات لافتة في عدّة أقنية تلفزيونية وإذاعات فرنسية وأوروبية اعتبرها اليهود مؤذية للغاية. ففي مقابلة مع قناة "ال.سي.أي" التلفزيونية لمناسبة صدور كتابه الجديد "جدار شارون" قال مينارغ، رداً على سؤال، إن "إسرائيل" دولة عنصرية. ثم تصاعدت الضجة ضده إثر مقابلة مع إذاعة "كورتوازي" اليمينية المتطرفة قال فيها إن اليهود كانوا حريصين تاريخياً على عزل أنفسهم  لضمان طهارتهم، وأن أول "غيتو" (معزل) في التاريخ أنشأوه بأنفسهم في مدينة البندقية الإيطالية لهذا الغرض. وبلغ من حدة الحملة على مينارغ أنه لم يستقل من "إذاعة فرنسا الدولية" فحسب بل أبلغ إلى الصحافيين أيضاً أنه "قرر الصمت"!

 

ومن المفارقات اللافتة أن الحملة اليهودية على مينارغ ترافقت مع تصاعد العداء للعرب والمسلمين في فرنسا وأوروبا عموماً. فقد أظهرت الإحصاءات في فرنسا للعام 2004 أن الانتهاكات المرتكبة بحق العرب والمسلمين تضاعفت مثلما تصاعد العداء لليهود في فرنسا خصوصا وأوروبا عموماً.

 

وفيما يقع الكثير من الصحافيين في خطأ التبسيط، فيعزو  ظاهرة العداء للسامية إلى ردود فعل العرب والمسلمين حيال تصعيد الارتكابات الإسرائيلية في فلسطين، نشرت صحيفة "الفيجارو" الفرنسية مقتطفات من تقرير أعده جان كريستوف روفين، رئيس منظمة "التحرك ضد الجوع" الإنسانية، كان أمر بإعداده وزير الداخلية الفرنسي دومينيك دوفيلبان، مفاده أن أعمال معاداة السامية يقوم بها عدد متنوع من المواطنين، وليس فقط متطرفين من اليمين أو مهاجرين شباناً عرباً من شمال إفريقيا. وقد أجمل روفين تقريره بأربع كلمات: "العنف يغذيه الإحباط الاجتماعي".

 

لعل الطريقة الأفعل لمواجهة حملة اليهود (وأمريكا) على العرب والمسلمين الناشطة تحت عنوان مكافحة معاداة السامية هي إبراز سامية العرب من جهة والعداء العنصري الذي يلحق بهم في أوروبا وأمريكا لمجرد أنهم مسلمون من جهة أخرى. هذا فضلاً عن ضرورة إبراز الحقيقة التي توصل إليها روفين في تقريره المهم بأن أعمال معاداة السامية يقوم بها أشخاص متنوعو الأديان والمشارب والآراء بسبب الفقر والإحباط الاجتماعي.

 

أما احتمال قيام الكونجرس الأمريكي بتغيير جنس العرب ليحتكر اليهود وحدهم شرف الانتساب إلى السامية، فإن أثره ومصيره لن يكونا أفضل من إعلان أمريكا عدم اعترافها بالصين في الخمسينيات إلى أن اكتشفت سخفها المتمثل بتجاهل شعب تعداده مليار إنسان وأن سوقه هي الأوسع والأعظم في العالم المعاصر، فعادت عن قرارها الأخرق، متعجّلة الدخول إلى تلك السوق القارية طمعاً بحصة لمنتوجاتها فيها.

العرب بالمقارنة مع "إسرائيل" سكانياً هم الصين بالمقارنة مع الولايات المتحدة. ولا يهم بعد ذلك أن يكون جنس العرب سامياً أو لا يكون.