أوروبا تعتذر لـ"إسرائيل"
بقلم: أحمد منصور*
صحيفة
البيان الإماراتية 23/2/2004
يعتبر
المؤتمر الأوروبي - اليهودي الذي عقد في مقر الاتحاد الأوروبي في
بروكسل يوم الخميس الماضي 19 فبراير، والذي لم يحظ إلا باهتمام
إعلامي ضئيل من وسائل الإعلام العربية من أخطر المؤتمرات التي عقدت
خلال السنوات الأخيرة. فمجرد عقد المؤتمر الذي عقده الاتحاد الأوروبي
مع المؤتمر اليهودي العالمي في مباني الاتحاد الأوروبي وتحت رعايته
أعطى مصداقية للمزاعم اليهودية حول نمو وزيادة العداء للسامية في
أوروبا، كما أنه جاء وكأنه اعتذار عن التصويت الذي قام به الاتحاد
الأوروبي في العام الماضي وأظهر أن ما يقرب من 60% من الأوروبيين
يكرهون "إسرائيل"، ويرون أن ظاهرة العداء للسامي.
وقد أدى هذا
الاستطلاع إلى مشادات واتهامات بين المؤتمر اليهودي العالمي والاتحاد
الأوروبي دامت طوال الأشهر الماضية، انتهت بمصالحة بين رئيس المفوضية
الأوروبية رومانو برودي ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي (إسرائيل
سينغر)، الذي طلب أن يعقد الاتحاد الأوروبي ذلك المؤتمر الذي دعي له
كثير من المسئولين الأوروبيين ليقدموا اعتذاريات لليهود و"إسرائيل"
ويحملوا العرب والمسلمين مسئولية زيادة العداء لليهود في أوروبا رغم
أن تقارير معظم الصحف الأوروبية تشير إلى أن جماعات النازيين الجدد.
وجماعات أخرى معادية للصهيونية ولما تقوم به "إسرائيل" هي وراء ذلك
حتى أن هناك بعض الفرق الموسيقية تبث أغنيات معادية لإسرائيل في
أوروبا وكذلك تقام بعض المعارض تنظمها تجمعات غربية من أجل ذلك، ومع
ذلك فقد وجهت الاتهامات للجالية العربية والمسلمة في أوروبا فقط،
ووقف كوبي بن عطوف رئيس المؤتمر اليهودي الأوروبي يخاطب الحضور
مستنجداً بهم من المسلمين الأشرار قائلاً:
«إننا نطلق
اليوم صرخة تحذير لأوروبا: نحن اليهود الأوروبيون لم يعد بإمكاننا أن
نعيش حياتنا اليومية مثل باقي المواطنين الأوروبيين لقد عاد وحش
اللاسامية إلى أوروبا من جديد وسط لا مبالاة كاملة» ولنا أن نتخيل
وقع هذه الكلمات التي أطلقت في قلب مبنى الاتحاد الأوروبي وبحضور
كثير من المسئولين الأوروبيين رغم الهيمنة الكاملة لليهود هناك على
معظم مقدرات الحياة وصناعة القرار السياسي، ومع ذلك فقد وقف رومانو
برودي رئيس المفوضية الأوروبية ليلقي بالمسئولية على الفلسطينيين
الذين تهدم بيوتهم ويقتلون ويموتون على المعابر أنهم السبب هم ومن
يتعاطف معهم في أوروبا قائلاً:
«الصراع في
الشرق الأوسط يغذي غضب المهاجرين في الدول الأوروبية، والغضب يتحول
إلى أعمال معادية للسامية، هذا الشكل الجديد من اللاسامية يمثل
تحدياً للاتحاد الأوروبي يجب مواجهته بحزم وبكل الوسائل، بالشرطة
والقمع والقضاء وكل الوسائل»، هكذا ينتظر المسلمون في أوروبا بعد
التحريض اليهودي عليهم أيام سوداء قاتمة حسب تهديدات رومانو برودي،
أما يوشكا فيشر المناضل القديم ووزير الخارجية الألماني الذي يحاول
التبرؤ من ماضية النضالي كلما سنحت له الفرصة فلم يكتف بأن بلاده
تكفر عما قيل أن هتلر قد فعله بدعم "إسرائيل" بعشرات المليارات من
الدولارات، ولكنه وقف يحض الأوروبيين على مزيد من الدعم لإسرائيل
التي تقتل الفلسطينيين وتهدم بيوتهم كل يوم وتقتل نساءهم وأطفالهم
وتصادر أراضيهم وتحرق أشجار زيتونهم قائلاً: «لا يكفي أن نقول إننا
مع حق "إسرائيل" بالوجود، يجب أن نجسد أقوالنا، ونقوم بخطوات عملية
لتقوية العلاقة بين "إسرائيل" والاتحاد الأوروبي».
وقد اتصلت
بالزميل أحمد كامل مدير مكتب قناة «الجزيرة» في بروكسل والذي حضر
المؤتمر لأسأله عن بعض التفصيلات فقال لي: «إن أخطر ما ناقشه المؤتمر
هو استخدام تعبير اللاسامية السياسية وهو تعبير جديد يعني أن نقد
سياسات "إسرائيل" مجرد النقد، هو نوع من أنواع الخطيئة الكبرى
المسماة بالعداء للسامية يجب أن يكفر عنها بمواقف مؤيدة لإسرائيل
ومعادية للعرب».
وإذا كانت
المحاكم في باريس قد شهدت في العام قبل الماضي دعوات لمحاكمة صحفيين
وكتاب عرب نشروا في صحفهم بعض الموضوعات التي اعتبرها اليهود مساساً
بهم كان على رأسهم نقيب الصحفيين العرب إبراهيم نافع، فربما نشهد
قريباً ادعاءات على أي صحفي يمكن أن يتناول جرائم "إسرائيل" باعتباره
يمارس «اللاسامية السياسية» التي منحتها أوروبا كحق جديد
للإسرائيليين.
إن ما تم في
المؤتمر الأوروبي اليهودي في بروكسل، والذي لم يلتفت الكثيرون إلى ما
دار فيه يعتبر كارثة لا تقل عن وعد بلفور، وخطورته الأكبر لا تأتي من
كونه صدر من دولة واحدة وإنما من كل دول الاتحاد وزعمائه، وأنه يبشر
العرب بالويل والثبور وعظائم الأمور، فيا ترى ما الذي سوف يفعله
العرب؟
*كاتب وإعلامي مصري
|