الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

غزة الذبيحة

 

باتريك سيل

 

صحيفة الحياة 21/5/2004

 

قامت "إسرائيل" بأكبر عملية عسكرية في غزة منذ احتلالها للقطاع عام 1967... أفواج من سلاحي المشاة والمدرعات تدعمها المروحيات الحربية حاصرت مخيم رفح جنوب القطاع، حيث يعيش نحو مئة ألف لاجئ، واقتحمته مستخدمة البولدوزرات المصفحة لتدمر البيوت وتقتل العشرات من عناصر المقاومة والمدنيين الأبرياء.

 

وقد ضاقت ثلاجات الموتى عن استيعاب المزيد من الجثث كما غص المستشفى الوحيد في المدينة بالجرحى بما يزيد كثيراً عن طاقته، إذ أخذ هؤلاء يتمددون في الأروقة دونما علاج.

 

وأما السكان الذين دب الذعر والهلع في قلوبهم فمنهم من استطاع مغادرة المدينة حاملاً ما لديه من حوائج متواضعة، إما على ظهره وإما على عربة بدائية يجرها حمار. وأما الآخرون فقد هرعوا الى الأدوار الأرضية أو تحت الأرضية أملاً في أن تمضي العاصفة من دون أن يصيبهم رذاذها. وفي هذه الأثناء تطوف العربات الإسرائيلية وتطلب بمكبرات الصوت من المقاتلين أن يستسلموا وألا يعرضوا بيوتهم للهدم فوق رؤوسهم.

 

وقد وصف وزير الدفاع الإسرائيلي العملية بأنها مفتوحة، بمعنى أنها ستستمر حتى تكف المقاومة نهائياً، ويوم الأربعاء أطلقت المروحيات الإسرائيلية صواريخ على تظاهرة سلمية في رفح أدت إلى قتل أكثر من عشرة أشخاص وجرح خمسين، وهذه طبعاً ليست الأخيرة في قائمة الجرائم الإسرائيلية.

 

وقالت وكالة غوث اللاجئين (اونروا) بأن هدم 191 منزلاً أدى إلى حرمان 2197 فلسطينياً من مأواهم. وأما منظمة العفو الدولية فقالت في تقريرها إن "إسرائيل" هدمت منذ بدء الانتفاضة 3 آلاف منزل وألقت بـ18 ألف فلسطيني في الشوارع، كما ألحقت أضراراً بالغة بـ15 ألف منزل إضافة إلى هدم المئات من المصانع والورشات والبيوت الزجاجية الخاصة بالزراعة والآبار والمضخات وقنوات الري والبساتين. واقتلعت 226 ألف شجرة كما خربت 10 في المئة من أراضي غزة الزراعية.

 

كذلك وصفت منظمة العفو الدولية هذه الأعمال بأنها «جرائم حرب» بموجب القانون الدولي واتفاق جنيف. والواقع أن هذه العملية الأخيرة ذروة سلسلة أعمال الهدم الوحشية الجارية منذ ثلاث سنوات والتي أدت إلى جعل 60 في المئة من سكان غزة يعيشون تحت حزام الفقر وخمسين في المئة عاطلين عن العمل.

 

أما سبب هذا الهجوم الوحشي الأخير فيعود إلى ذعر الجيش الإسرائيلي، وهلع الرأي العام من سقوط 13 قتيلاً في صفوف الجيش في الأسبوع الماضي، بينما كانوا في عرباتهم المصفحة التي كانت إحداها محملة بالمتفجرات التي كانت ستستخدم لتفجير المنازل الفلسطينية.

 

وعليه، فإن السبب الفوري للهجمة الإسرائيلية الحالية إنما هو محاولة تأكيد قوة الجيش الرادعة، وذلك عن طريق استئصال وقتل عناصر المقاومة المحلية بالبحث عنهم بيتاً بعد بيت إذا اقتضى الأمر.

وأما السبب الآخر فهو الرغبة في توسيع المنطقة المجردة بين غزة ومصر والتي تسمى - ممر فيلادلفيا - وذلك بهدم المئات من المنازل وربما حفر خندق مائي عريض يحول دون تهريب السلاح من مصر. وربما كان هنالك سبب آخر وهو إلحاق عقوبة جماعية ماحقة باللاجئين لكسر كل إرادة مقاومة لديهم.

 

شارون وثقافة الموت

على أن السبب الحقيقي لهذه العملية العسكرية ضد مخيم رفح الآهل باللاجئين والمغرق في الفقر والبؤس إنما يكمن في شخصية رئيس الحكومة النزاعة إلى القتال الوحشي. فأرييل شارون هو أكبر سفاح في تاريخ "إسرائيل". وقد أظهر لامبالاة استثنائية بحياة العرب ومارس طيلة حياته سياسة القبضة الحديدية التي سماها الناشط من أجل السلام أوري أفنيري بـ«صهيونية البندقية».

 

وحين كان شارون منذ ثلاثين سنة، في عامي 1971 - 1972 قائداً لجبهة "إسرائيل" الجنوبية، استخدم الأساليب ذاتها ليقضي على حركة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وقد نجح فعلاً في مهمته هذه، ولكن بثمن باهظ جداً. إذ سقط أكثر من ألف قتيل واعتقل آلاف، كما هدمت آلاف المنازل، واستخدم مئات المخبرين وتم طرد عشرات الألوف من الفلسطينيين من منازلهم من أجل إنشاء حقول تدريب للقوات الإسرائيلية وتقسيم مخيمات اللاجئين إلى كتل متفرقة بحيث يبقى الجوار معزولاً عند إجراء عمليات التفتيش.

 

وها هو شارون يعيد اليوم سيرته الأولى، فيما يبدو المجتمع الدولي عاجزاً عن وقف حملاته. فقد دان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان والمستشار الألماني غيرهارد شرودر والجامعة العربية التي دعت إلى توفير حماية دولية للفلسطينيين، دانوا جميعاً عملية "إسرائيل"، لكن دونما جدوى. ذلك أن الإدانات اللفظية لم تقترن بأي عمل أو تدبير آخر لا من الغرب ولا من العرب. فالفلسطينيون يقاتلون ويعانون وحدهم.

 

ولعل الصوت الوحيد الجدير بالاهتمام هو ذلك الذي يصدر عن واشنطن، غير أن الإدارة الأميركية الحالية تعتبر «أن من حق "إسرائيل" أن تدافع عن نفسها»، وهو حق تنكره على الفلسطينيين المعذبين بل وعلى العرب جميعاً في الواقع.

ويبدو أن الوصفة الأميركية بخصوص الشرق الأوسط، سواء بالنسبة الى فلسطين أو العراق، هي أن على العرب أن يتخلوا عن العنف وينزعوا سلاحهم ويستسلموا ويعترفوا بالهيمنة الأميركية والأخرى الإسرائيلية!!

 

وفيما كان القتل والدمار مستمراً هذا الأسبوع في غزة، أكد الرئيس جورج بوش أمام جمهور من اليهود المبتهجين أن "إسرائيل" هي حليف أميركا الرئيسي في الشرق الأوسط في «الحرب ضد الإرهاب». الحق أن من النادر أن تبلغ الوقاحة والإجرام بالإدارة الأميركية مثل هذه الحدود. فأمام منظمة «إيباك» الصهيونية صرح بوش قائلاً: «إنكم في دفاعكم عن حرية وازدهار وسلامة "إسرائيل"، إنما تخدمون أميركا»، وقوبل ذلك بالتصفيق الحاد.

 

وأما كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس للأمن القومي فقد كانت أكثر جرأة حين قالت بعد لقائها رئيس الحكومة الفلسطينية أحمد قريع مدة ساعتين «إن أعمال "إسرائيل" في غزة لا تخلق الجو الأفضل»... فهل يستغرب بعد ذلك مضي شارون في غيه دونما وازع أو رادع؟

 

هل ستترك "إسرائيل" غزة؟

لقد عقد شارون صفقة مع جورج بوش... وهي تقضي بأن يزيل المستوطنات من غزة حيث يعيش 7500 يهودي متمتعين بكل أسباب الراحة على خمسين في المئة من أفضل الأراضي الى جانب مليون و300 ألف فلسطيني مسلوبي الحقوق، مقابل موافقة واشنطن على حق "إسرائيل" بالاحتفاظ بمساحات واسعة من الضفة الغربية تحتوي على كتل من المستوطنات وبالاستمرار في بناء «الجدار الأمني»... وحين يكتمل ذلك فلن يبقى للفلسطينيين أكثر من 10 في المئة من وطنهم التاريخي.

 

وكما فعل مناحيم بيغن حين أعاد صحراء سيناء لمصر بموجب معاهدة السلام العام 1979، لكي يحتفظ بالضفة الغربية، نجد شارون اليوم مستعداً للتخلي عن غزة كي يحتفظ بأقصى ما يمكن الاحتفاظ به من الضفة الغربية. ولقد وصف بوش ذلك بأنه «فرصة تاريخية» للفلسطينيين.

 

غير أن المشكلة هي أنه على رغم موافقة 70 في المئة من الإسرائيليين على الانسحاب من غزة التي يعتبرونها عبئاً ثقيلاً، فإن أعضاء حزب شارون اليميني رفضوا خطة الانسحاب هذه. وأصبح شارون لا يملك الأكثرية اللازمة ضمن حكومته للموافقة على الخطة، وربما لن يحصل على الأكثرية المطلوبة في الكنيست نفسه.

 

ويهدد أعضاء اليمين المتطرف، بضغط من المستوطنين، بالانسحاب من الحكومة الائتلافية إذا ما أصر شارون على خطة غزة، الأمر الذي جعله يدخل تعديلات على الخطة لجعلها مقبولة من المتطرفين وجعله يبحث في الوقت نفسه عن حلفاء. وربما كان هجومه الأخير على غزة محاولة لإظهار مدى قوته وبطشه قبل الانسحاب منها. فهو حريص جداً على أن لا يبدو انسحابه من غزة مثل الانسحاب من جنوب لبنان العام 2000، الذي اعتبر يومذاك انتصاراً لـ«حزب الله».

 

ومهما يكن من أمر فلا ينتظر أن يتم الانسحاب من غزة قبل بداية العام المقبل، في أقرب تقدير، وربما لن يتم أبداً. ولكن أميركا دفعت الثمن مقدماً حين أقرت بحق "إسرائيل" بالاحتفاظ بالمستوطنات في الضفة الغربية.

على أن ما لا جدال فيه هو أن وحشية "إسرائيل" في غزة أثارت المزيد من الحقد في العالم العربي، وغذت النعرات اللاسامية في أوروبا وغيرها، وقضت على الأمل في اندماج "إسرائيل" في المنطقة، ولم تفعل أي شيء من شأنه دعم الأمن الإسرائيلي...

 

تلك هي تركة شارون.

 

*كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط.