الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

سياسة الغموض النووي الإسرائيلي

بقلم‏ :‏ د‏.‏ أميرة الشنواني*

صحيفة الأهرام 7/10/2004

 

منذ أيام قلية وعلى وجه التحديد يوم ‏24‏ سبتمبر الماضي تبنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالإجماع قراراً قدمته مصر يدعو إلى إقامة منطقة خالية من السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط وهذا القرار يستهدف "إسرائيل" بوضوح حيث إنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي يعتقد في امتلاكها للأسلحة النووية ولم توقع على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي‏.‏

 

والمثير في الأمر أن "إسرائيل" كانت ضمن الدول الأعضاء الموافقة علي القرار والبالغ عددها ‏137‏ دولة،‏ هذا في الوقت الذي وقعت فيه قبلها بيوم واحد - أي يوم ‏23‏ سبتمبر الماضي - مع مفوضية منظمة الحظر الشامل للتجارب النووية اتفاقاً يسمح بتفتيش منشآتها النووية على ألا يشمل التفتيش مفاعل ديمونة الذي ترفض "إسرائيل" إخضاعه للتفتيش الدولي‏!!‏

 

ومازالت حتى يومنا هذا تتبع سياسة الغموض القائمة على عدم تأكيد أو نفي امتلاكها للأسلحة النووية‏..‏ فهناك معمل سري للغاية في مفاعل ديمونة النووي تحظر السلطات الإسرائيلية ذكر اسمه أو طبيعة نشاطه‏.‏

 

وكان مردخاي فانونو قد كشف لصحيفة الـ صنداي تايمز البريطانية عام ‏1986‏ بالتفصيل والصور بعض ما يحدث داخل مفاعل ديمونة الذي ظل سراً طوال عدة عقود،‏ فقد كشف عن الموقع الذي يتم فيه إنتاج القنابل الذرية،‏ ووصف المفاعل بالكامل من الداخل،‏ وتخشى "إسرائيل" حالياً أن يكشف فانونو المزيد من أسرار "إسرائيل" النووية بعد إطلاق سراحه من السجن الذي أمضى فيه ‏18‏ عاماً‏.‏

 

ومفاعل ديمونة هذا قد جاء من فرنسا،‏ وهناك مفاعل آخر أقيم منذ حوالي‏ 44‏ عاماً ـ وهو مفاعل سوريك الذي جاء من الولايات المتحدة بناء على اتفاق بين الجانبين الأمريكي والإسرائيلي في عام ‏1955,‏ وهو غير محاط بالسرية مثل مفاعل ديمونة،‏ كما أنه طبقاً للاتفاق الأمريكي الإسرائيلي يكون هذا المفاعل تحت الرقابة الأمريكية وهو مقام في منطقة غرب يبنا وتم افتتاحه عام ‏1960.‏ وفي عام ‏1975‏ تم نقل الرقابة علي مفاعل سوريك إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بناء على اتفاق ثلاثي بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" والأمم المتحدة،‏ حيث تعهدت "إسرائيل" بأن تستخدم هذا المفاعل في الأغراض السلمية‏.‏

 

ويعتبر شيمون بيريز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق الأب الحقيقي للبرنامج النووي الإسرائيلي،‏ فهو الذي وقع في عام ‏1956‏ عقداً مع فرنسا ينص علي قيام الحكومة الفرنسية ببناء مفاعل ديمونة وإمداده باليورانيوم المخصب‏.‏ ثم أعقب ذلك تعاون كامل بين "إسرائيل" والولايات المتحدة عقب حرب‏1967‏ ليتسع البرنامج النووي الإسرائيلي حيث تم تهريب اليورانيوم إلى "إسرائيل" من دول مثل أمريكا وبريطانيا وبلجيكا،‏ كما اطلع الخبراء الإسرائيليون على تفاصيل البرنامج النووي لجنوب أفريقيا بعد تخليها عنه‏.‏

 

ويوجد حالياً لدى "إسرائيل" إلى جانب مفاعل ديمونة ومفاعل سوريك مفاعل ريشون ليزيون الذي أقيم في ‏20‏ نوفمبر‏1954‏ والذي قامت الشركات الأمريكية بوضع تصميمه،‏ ومفاعل روبين الذي بدء في إنشائه عام ‏1966.‏

 

ولا يوجد معلومات محددة حول عدد أو نوعية الرؤوس النووية التي تمتلكها "إسرائيل" إلا أنه قد نشر تقرير أوروبي مؤخراً أوضح أن "إسرائيل" لديها ‏200‏ رأس نووي وأنها أصبحت تحتل المركز الخامس بين دول العالم من حيث القدرات النووية‏.‏

 

وبالإضافة إلى امتلاك "إسرائيل" هذه الرؤوس النووية،‏ فإنها تمتلك أيضاً وسائل نقل الأسلحة النووية بواسطة الطائرات الأمريكية ‏(F-15)‏ و‏(F-16)‏ فضلاً عن صواريخ أريحا‏.‏ وهناك إصرار أمريكي علي عدم ظهور أي قوي نووية جديدة بخلاف دول النادي النووي - وهي الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن - وعندما توصلت دول أخري لامتلاك السلاح النووي - وهي باكستان والهند - أعلنت كل منهما عن قدراتها النووية أما "إسرائيل" فمازالت تتبع سياسة الغموض النووي والذي تعتبره يحقق لها ردعا أكبر مما لو كشفت عن قدراتها النووية بشكل علني‏..‏ فهي لم توقع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية أو القبول بإخضاع منشآتها النووية للرقابة والتفتيش الدولي للوكالة الدولية للطاقة الذرية،‏ كما أنها وافقت على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية في عام ‏1993,‏ ولكنها لم تصدق عليها حتى الآن‏.‏

 

وفي رأينا أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي وقعتها‏ 59‏ دولة في يوليو ‏1968‏ والتي وصل عددها إلى ‏187‏ دولة في عام‏2000‏ - باستثناء "إسرائيل" وكوبا وباكستان والهند التي ظلت خارج المعاهدة - قد فشلت في تحقيق الأهداف الأساسية التي أبرمت من أجلها إلا وهي جعل العالم أكثر أمناً عن طريق إخلائه من السلاح النووي،‏ ونقل التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية للدول غير النووية‏.‏ فقد أعطت هذه المعاهدة وضعاً استثنائياً للدول الخمس الكبرى باحتكار السلاح النووي،‏ وفي الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة - على سبيل المثال ـ بمنع الدول الأخرى مثل إيران وكوريا الشمالية من امتلاك السلاح النووي،‏ تعمل على تطوير ترسانتها النووية وأيضاً تتجاهل الترسانة النووية الإسرائيلية التي تمثل تهديداً للسلام والأمن في الشرق الأوسط‏.‏

 

وأخيراً نقول‏..‏ إذا كان قيام "إسرائيل" أمريكا وبعض الدوائر الأوروبية من آن لآخر بتسريب تقارير حول القوة النووية الإسرائيلية يحقق التأثير المطلوب للردع الإسرائيلي في مواجهة سعي الدول العربية لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي العربية التي احتلت في‏1967,‏ فإن هذا يجب ألا يجعلنا ننسي هدف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وحلمها في إقامة "إسرائيل الكبرى" والذي تسعى لتحقيقه بتحقيق التفوق في جميع أوجه موازين القوة التقليدية والبيولوجية والكيماوية والنووية‏

 

* دكتوراه في العلوم السياسية