عن "صبرا وشاتيلا"
معن البياري
صحيفة
الخليج 20/9/2004
بالفؤوس
والسكاكين والبلطات والرصاص قتل فلسطينيون ولبنانيون وسوريون في
مخيمي صبرا وشاتيلا في مذبحة، ما زالت لها شهرتها، على الرغم مما
أعقبها وسبقها من دم فلسطيني وعربي كثير ساح في مجازر أخرى. ويؤتى
على استذكارها هنا لمرور اثنين وعشرين عاماً
على ارتكابها، وعلى الفداحة المضاعفة جراء تمتع مقترفيها بعدم
المساءلة، ناهيك عن المحاسبة، بل معلوم أن
أرييل شارون يترأس
حاليا حكومة "إسرائيل"،
وأن إيلي حبيقة تولى النيابة والوزارة في بلاده قبل مصرعه، وأن
قياديين في "الكتائب"
و"جيش لبنان
الجنوبي"
العميل ل "إسرائيل"
شاركوا في تنفيذ تلك المقتلة والتخطيط لها ما زالوا في هناءة بال في
غير مكان.
لا مدعاة لأي
براعة في الحديث الإنشائي عن "صبرا
وشاتيلا"، فقد
حظي ضحاياها بالوفير منه في السنوات الماضية، وظل غائباً
أي تحديد مضبوط لعدد الذين قضوا في المخيمين المنكوبين، بالذبح أو
القتل البارد أو بقر البطون أو غير ذلك من صنوف التمويت الشديدة
البشاعة، عدا عن نحو أربعمائة مفقود لم يعرف بعد كيف كانت جريمة
تغييبهم عن الدنيا، ناهيك عن غياب أي جهد لبناني أو فلسطيني حقيقي
وجدي في التحقيق الموثق الذي يحدد كامل المسؤوليات لكل الشركاء في
المجزرة، من باب التقليد العربي في تمييع وتضييع الحقائق والحقوق
وترخيص آدمية البشر، موتى أو أحياء. وكل الشكر للصحافي الفرنسي ألن
مينارج في كتابه البالغ الأهمية عن "أسرار
الحرب اللبنانية"
على جهده الكبير في تعيين كل الأطراف التي ارتكبت المذبحة.
لما أحيا من
تبقى من أهالي المخيمين ذكرى المجزرة العام الماضي، طالبوا بأن يقام
نصب تذكاري للضحايا، حماية لهم من التناسي العربي والدولي، وربما
لمماثلتهم مع ضحايا مذابح أخرى، في سربنيتشا البوسنية وحلبجة
العراقية الكردية مثلا. ويوم الجمعة الماضي، طالب منسق الوفد
الإسباني الذي قدم إلى بيروت، للمشاركة مع وفود دولية أخرى (غابت أي
وفود عربية!!) في إحياء ذكرى "صبرا
وشاتيلا"،
الحكومة اللبنانية بتحسين إجراءات إحياء هذه الذكرى سنوياً،
وقال إن مسيرات الأعوام الماضية كانت تمر في بيروت، لكن مسيرة العام
الحالي اختصرت في أحياء مخيم شاتيلا، فلم يرها أحد خارجه.
ولأن التعامل
مع موتى المجزرة المدوية على هذا النحو، ولأن الحي أبقى من الميت،
يجدر السؤال عن أوضاع فلسطينيي مخيمي صبرا وشاتيلا، ما إذا كانوا في
حاجة إلى مزيد من الرطانة في الحديث عن شناعة الجريمة، وعن حق عودتهم
مع كل اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وعن رفض توطينهم، وغير ذلك
مما هو معهود في المهرجان الكلامي إياه عن حقوق الفلسطينيين. على
الرغم من أبسط هذه الحقوق أن يتم احترام آدميتهم، ويعيشوا في مقادير
من الكرامة الإنسانية... ومعلومة تفاصيل أوضاع فلسطينيي المخيمات
اللبنانية.
|