الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

في ذكرى صبرا وشاتيلا: ملك المجازر

 

بقلم: عماد فؤاد الطبش

صحيفة النهار اللبنانية 16/9/2004

 

ما كان ذلك الصيف طبيعياً ولم يكن البشر فيه كذلك. طقسه كان حاراً والنفوس تغلي حقداً أسود وظلمة لم يتبعها نور ولا فجر. أتانا ذلك الجزار من أرض الجنوب، أرض الميعاد، وكان يمتطي عربة من حديد ويجر خلفه جيشاً جراراً لا يعرف سوى القتل والدمار. صاح ونادى بأعلى صوته: "أنا الملك وأنا القائد. آتيتكم من بيت لحم من بيت المخلص لأخلصكم. غزوت فلسطين وسيناء والجولان، والآن أتيتكم إلى بيروت، وعلمت أن غابة صبرا وشاتيلا الخضراء مليئة ببني فلسطين وأعوانهم.

هلموا إليهم، هلموا فقد أينع موسم قطاف ثمار الموت  لنطعمهم منها. افتكوا بهم ولا تبقوا منهم على شاب ولا شيخ ولا أم ولا طفل. اقطعوا رقابهم وابقروا بطونهم ولا تبقوا على شيء ولا حتى على أحصنتهم وبغالهم. هاكم السيوف اللماعة والخناجر والسواطير المسنونة. دعوها بين أيديكم تتكلم. اليوم يومكم... اثبتوا لي أنكم أتباع ملهمون. لا تخافوا الله ولا أحداً. أنا في انتظاركم في الخارج أحميكم، و عند ساعة الخروج، آتوني بكؤوس دمائهم لأشرب منها. أنا الملك الذي لا يرتوي من الدم العربي ولحمه".

وما أدرك وما وعى من كلمهم، فرأوا فيه نبيهم وقدوتهم فاتبعوه، وما علموا أنه الشيطان الرجيم وقد تمثل لهم في صورة ذلك البشع البدين. وفي لحظات النشوة العامرة بفرحة انتصار زائف انجرف الأتباع تحت وطأة حب العظمة والطيش والسكر والمخدرات وقرر كل منهم أن يطلق العنان للوحش الكامن في قمقم داخله فخرج وعاث في الأرض فساداً، سفكاً لدماء بريئة ذنب أصحابها الوحيد أنهم كانوا في تلك البقعة من الأرض. إنهم رجال الحرب التي تزهق الأرواح، رجال ما تعلموا سوى الحقد والكراهية، نفوسهم لا تميز بين البشر والحجر، صنعتهم الدم واللحم، لا يفاوضون ولا يأسرون بل يقتلون فحسب، يأخذون ولا يعطون! وتحت أجنحة الظلام بدأوا بتنفيذ ما أمرهم به الدجال وهو يراقبهم من أعلى البرج الحديدي متشدقاً وضاحكاً، ذارفاً دموع التماسيح ومنتظراً الكؤوس الحمراء.

علم العالم وضج بفعلتهم، قامت الدنيا ولم تقعد، عمّت التظاهرات مدن الغرب وزعماؤنا العرب يتفرجون كأن لسان حالهم  يقول: لا حول ولا قوة.

وماذا كانت النتيجة؟ غسل يديه السوداوين من دماء الأطفال وقال لهم: اسألوا بعض بني الفينيق ماذا فعلوا. اسألوا من يدعون الحضارة والعلم والمعرفة. اسألوا أصحاب اللون الأرجواني. اسألوا أبناء أدونيس وعشتروت وجبال لبنان، اسألوا من اخترع الأبجدية ومن غزا البحار والعالم قبلنا. اسألوا أهل الضيعة والزوادة والسيف والترس. اسألوا من يتغنى بالقيم والتسامح بين الأديان وبين بعضهم البعض. اسألوا من اجتمعوا معنا وقبلونا ورفعوا لنا أيديهم مرحبين وشراشفهم البيضاء مستسلمين.

هم أرسلوا بطلبنا ونحن أتيناهم ملبين فاستقبلونا استقبال الأبطال الفاتحين، فرشوا لنا الطرق بالورد والرياحين. رشقونا بالأرز والعطور من على السطوح  والشرفات. عجيباً أمرهم هؤلاء، والآن يرفعون علينا الشكاوى لأننا مددنا إليهم أيدي المساعدة؟ صحيح أن العرب ينكرون الجميل، وبكل وقاحة تطلبون مني أن اعتذر عن مجرزة لم ارتكبها؟ استجوبوا من تبقى منهم على قيد الحياة قبل أن يموتوا فالغالبية منهم قضت بالسيف وغيره، ومنهم من هو يهذي إما بين الناس وإما في الجامعات والصالونات وعلى الشاشات.

لقد اعتقدوا أنهم أصحاب المصلحة وضحكوا وسخروا مني، لكنني قرأت كتب تاريخهم الذي نسوه، وعلمت أنه حتى قبل أن أولد كانت تراب بلادهم ارتوت من دمائهم. اسألوهم واسألوا ابن عمهم "رجل أوروبا المريض" فقد كان في فترة من الزمن شريكاً لهم في مجازرهم الأخويةّ!

من لبنان إلى دير القمر إلى حاصبيا ثم البقاع وزحلة بين 1842 و1860 إلى حروبهم العبثية سنتي 1975 – 1976، مجازر على مد صفحات التاريخ والنظر... قتلوا وطنهم المرة تلو المرة وأخوتهم على الهوية! وتتهمونني؟ مش عيب عليكم؟

ولكن أنا مستر شارون لا أحد أقوى مني. رددت لهم الكيل عشرة أمثاله. أنا استعمل الأباتشي والميركافا، الصواريخ والمدفعية، اقتل نساءهم وأطفالهم، أصفي رجالهم وقادتهم مقعدين وعاجزين لا فرق، أقضي على الزرع والحرث والنسل. أبطش واعتقل وأهدم البيوت على الرؤوس. أبني الحائط وأعربد في سمائكم... أنا اليوم المبيد الفعال الأوحد للإنسانية... أنا دير حانون وغزة وجنين ومخيم بلاطة، أنا قاتل الدرة ودرتكم وذريتكم أجمعين. لا أحد في العالم  سينتزع مني لقب أعظم جزّار عرفته البشرية. لا فندق الملك داود ولا دير ياسين يعبران عن تطلعاتي، غروري وطموحاتي لا سقف ولا حدود لها وسأروي تاريخ مجازركم لأحفادي قبل أن يناموا كل ليلة واجعل من سيرة المغول والتتار والخمير الحمر وقبائل التوتسي أضحوكة للعالم. سأجعلها وأجعلهم مجرد سيرة صغيرة للتاريخ. أما أنا فسأخط التاريخ بحبر من الدم. فقد كنت وسأبقى... ملك المجازر بلا منازع!