|
الغزوة الصهيونية والغزوة الصليبية؟!
بقلم: أحمد عبدالمعطي حجازي
صحيفة الأهرام
5/5/2004
إذا كانت
"إسرائيل" تقليداً متقناً للولايات المتحدة الأمريكية, هل يكون
مصيرنا كمصير الهنود الحمر؟!
لقد رأينا أن
المهاجرين اليهود الذين أقاموا مستوطناتهم على شواطئ فلسطين في النصف
الأول من القرن العشرين لا يختلفون عن المهاجرين الأوروبيين الذين
أقاموا مستوطناتهم على شواطئ أمريكا في القرن السابع عشر.
المهاجرون الأوروبيون في ذلك العصر كانوا خليطاً من المغامرين
الباحثين عن الذهب, والبروتستانت المتطرفين الذين خرجوا على
الكنيسة الكاثوليكية, ودعوا للعودة إلى العهد القديم, أي إلى
التوراة, وإلى بساطة العصور القديمة التي حاولوا إحياءها في
مستوطناتهم الأمريكية التي كانوا يسمونها صهيون الجديدة تيمناً بجبل
صهيون الذي يقع غرب القدس, ويقال إن داود ملك اليهود مدفون فيه,
كما جاء ذكره في التوراة في المزمور التاسع الذي يقول: رنموا للرب
الساكن في صهيون!
والذي حدث في
أمريكا حدث في فلسطين فقد كان المهاجرون اليهود الأوائل خليطاً من
الأفاقين المغامرين, وعملاء المستعمرين الغربيين, والصهيونيين
الذين حولوا الديانة اليهودية إلى حركة سياسية تهدف لاستعمار فلسطين
تحت شعار العودة إلى أرض الميعاد.
وكما اصطدم
الغزاة الأوروبيون في أمريكا بالهنود الحمر سكان البلاد الأصليين,
اصطدم الغزاة الصهيونيون بالفلسطينيين. وكما نجح الأوروبيون في فرض
وجودهم بالقوة, وإقامة دولهم في أمريكا, نجح الصهيونيون في فرض
وجودهم بالقوة, وإقامة دولتهم في فلسطين.
والنتائج
والتوقعات والأسئلة المترتبة على هذا التشابه الذي يصل إلى حد
التطابق كثيرة, ومنها أن الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت
مستعمرة أوروبية في بلاد الهنود الحمر لا يمكن إلا أن تكون حليفاً
استراتيجياً لإسرائيل التي بدأت هي الأخرى, ولاتزال إلى حد كبير,
مستعمرة أوروبية في فلسطين. هذا الحلف ليس مجرد اتفاق مصالح أو
اتفاق سياسات, ولكنه إلى جانب ذلك وحدة أصل, ووحدة مصير. فقد
قام المجتمعان كلاهما, الأمريكي والإسرائيلي, على أساس ظالم لا
مستقبل له, فلا بد أن يصححا مسارهما, ويكفرا عن ماضيهما
الأسود, ويعتذرا للإنسانية عنه, وهذا يكلفهما الكثير, ولهذا
يتضامنان حتى يفرا معاً من العقاب. وقد رأينا كيف رفض الأمريكيون
في مؤتمر مكافحة العنصرية الذي عقد في دير بان في جنوب إفريقيا أن
يعتذروا للإفريقيين عما ارتكبوه في حق ملايين الزنوج الذين
استعبدوهم. كما رفض الإسرائيليون أن يعترفوا بالجرائم التي
ارتكبوها في حق الفلسطينيين.
وقد يرى
البعض أن اتفاق البدايات لا يؤدي بالضرورة إلى اتفاق النهايات, وأن
الولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت منذ أربعة قرون مستعمرة
أوروبية على شواطئ أمريكا لم تعد في هذا الوضع الذي يفرض عليها أن
تتحالف مع "إسرائيل" وتربط مصيرها بمصير هذه الدولة التي لم تظهر
للوجود إلا منذ نصف قرن, ولا تزال نسبة كبيرة من سكانها مؤلفة من
مستوطنين أجانب ولدوا خارج فلسطين, وجاءوها ليفرضوا وجودهم فيها
وفي المنطقة كلها بالحديد والنار. فإسرائيل حتى الآن مستعمرة
أجنبية, والولايات المتحدة ليست كذلك.
وهذا اعتراض
له من المنطق ما يبرره. غير أن الوقائع تؤكد أن ماضي الأمريكيين
مازال يلقي بظله على حاضرهم. فالولايات المتحدة لم تظهر للوجود
كدولة إلا في أواخر القرن الثامن عشر, وهي لم تكف عن التوسع منذ
كانت مستعمرة حتى عهد قريب. فقد شنت خلال القرون الأربعة الماضية
حرب الإبادة على الهنود الحمر, وظلت تدفع بهم نحو الغرب تستولي على
أرضهم, خاصة في القرن التاسع عشر حين هب الهنود للدفاع عن
أنفسهم. وفي القرن التاسع عشر أيضاً اشترى الأمريكيون من الأسبان
والفرنسيين ولايتي فلوريدا, ولويزيانا, وضموا كاليفورنيا
بالقوة. وكما أباد الأمريكيون الهنود الحمر ليستولوا على
أراضيهم, استعبدوا الأفارقة السود ليزرعوا لهم هذه الأراضي, حتى
زودتهم الثورة الصناعية التي انطلقت في أوروبا الغربية بالآلات التي
حلت محل العبيد.
هذا المجتمع
الأمريكي الذي جاء رواده من أوروبا ليبنوه على أشلاء الهنود الحمر
وظهور الزنوج المستعبدين لايزال أسيراً لبداياته, ولايزال موبوءاً
بجرثومة العنف والتعصب والاستعلاء, ولايزال مستعداً لاغتصاب حقوق
الآخرين والعدوان عليهم وتدمير وجودهم. وما علينا إلا أن ننظر في
تاريخ الأمريكيين القريب وفي حاضرهم لنرى عبثهم بالنظم والحكومات,
وتآمرهم على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. لقد هجروا سكان
جزيرة ياكيني أتول في المحيط الهادي ليجربوا في بحيرتها قنابلهم
الذرية بعد أن جربوها في سكان هيروشيما وناجازاكي في اليابان.
وشنوا حربهم العدوانية على كوريا وفيتنام,. وتآمروا على مصدق,
وتحالفوا مع الطالبان وبن لادن, واعتدوا بعد ذلك على أفغانستان,
وسكتوا طويلاً على صدام حسين وجرائمه ثم اعتدوا أخيراً على العراق
بالحجة التي تبين أنها كاذبة, وتخلوا عما كانوا تعهدوا به
للفلسطينيين والعرب, واتفقوا اتفاقاً كاملاً مع شارون والمتطرفين
الإسرائيليين وبرروا جرائمهم الدموية!
وكما كان
المستعمرون الأوروبيون الأوائل مدفوعين للهجرة إلى أمريكا بمزيج من
التطرف الديني والجشع المادي, فالأمريكيون المعاصرون لايزالون
مدفوعين بهذا المزيج المخيف الذي يتحكم في موقفهم من الصراع العربي
الإسرائيلي, إذ يعتقد معظمهم أن فلسطين هي أرض اليهود, وأن الله
أعطاهم إياها ووعدهم بها دون سواهم, وأن قيام "إسرائيل" تحقيق
لنبوءات التوراة, وأن استيلاء "إسرائيل" على القدس دليل على قرب
عودة المسيح ليقود العالم إلى الدين الصحيح قبل أن تقوم القيامة!
أريد أن أقول
إن انحياز الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل هو الموقف الأمريكي
المنطقي. ومن السذاجة أن ننتظر من الأمريكيين موقفاً آخر, خصوصاً
الآن, في زمن العولمة الذي يقرب بين الأمريكيين والإسرائيليين بقدر
ما يبعدنا عن هؤلاء وهؤلاء. فإسرائيل امتداد للحضارة الأمريكية
التي تعتقد الطبقة الحاكمة الأمريكية ومفكروها من أمثال صمويل
هنتنجتون أن الحرب واقعة لا محالة بينها وبين الحضارات الأخرى,
لاسيما الحضارة العربية الإسلامية.
نحن لسنا
حلفاء طبيعيين لأمريكا, ولسنا أعداء مخيفين لها. لأننا لا نملك
ما نخفيها به, أو لأننا بالأحرى لانستعمل ما نملك من أسلحة,
اللهم إلا هذا السلاح المفلول, سلاح الإرهاب الأعمى الذي يمزقنا
ولا يجمعنا, ويشوه صورتنا ولا يعلي رايتنا, ويمكن أعداءنا منا,
ولا يمكننا منهم. فاذا كان الأمريكيون والإسرائيليون متشابهين
ومتفقين إلى هذا الحد, فهل يكون ضحاياهم متشابهين أيضا؟ وهل يكون
مصيرنا هو مصير الهنود الحمر؟!
وقد يظن
بعضهم أنني أسخر أو أسلي نفسي بطرح أسئلة عابثة أحاول الإجابة عليها
رياضة للعقل, أو تزجية للوقت, أو تنفيسا عن الغضب. لا, وإنما
أنا جاد جداً حين أتساءل عن مصيرنا الذي نعلم أننا أبعد ما نكون الآن
عن أن نتحكم فيه أو نصنعه بأيدينا, فمن الجائز أن نتعرض لخطر
الإبادة كما تعرضت لهذا الخطر شعوب كثيرة عجزت عن مقاومة الأخطار
التي كانت تتهددها. ومن المؤكد أن التاريخ لا يكرر أحداثه, ولا
يعيد نفسه, لكن قوانين التاريخ تظل هي هي, وتظل تفعل فعلها في
البشر, فإما فهموها وسخروها لأنفسهم كما فعلت الأمم المتقدمة مع
قوانين الطبيعة وقوانين التاريخ, وإما جهلوها فعصفت بهم ريحها
العاتية.
والذي كان
لايتحقق في الماضي إلا بالإبادة الجسدية يتحقق اليوم بصور أخرى من
صور الإبادة والقتل المعنوي. فالذين يخلطون العلم بالخرافة
بائدون. والذين يداوون أنفسهم بالرقي والتعاويذ والتمائم بائدون.
والذين يهربون من الحاضر والمستقبل ويغلقون على أنفسهم كهوف الماضي
بائدون. والذين يحتقرون المرأة بائدون, والذين يميزون بين دين
ودين ومذهب وآخر بائدون.. والذين يحاربون الفن, ويخافون من
العقل, ويتطيرون من حرية الفكر, ويتآمرون على الديمقراطية وحقوق
الإنسان بائدون, لأنهم يعيشون خارج العصر, فهم أشباح نهارية,
أو أجساد بلا أرواح!
والسؤال الذي
أطرحه الآن على نفسي وعلى قرائي سبق أن طرحه الإسرائيليون على
أنفسهم, وأخذوه مأخذ الجد الشديد, واحتشدوا له, واجتهدوا في
الإجابة عليه.
لم يسألوا
طبعاً عن مصيرنا نحن, وإن كان ذلك متضمنا في سؤالهم, بل سألوا عن
مصيرهم هم, لأن الصراع بيننا وبينهم لم يحسم بعد, ومازالوا هم
أقوياء, ومازلنا نحن موجودين. ولقد كسبوا الجولات السابقة, فهل
يكسبون الجولة الأخيرة كما كسبها الأمريكيون مع الهنود الحمر, أم
نكسبها نحن كما سبق لنا أن كسبناها مع الصليبيين؟
هذا هو
السؤال الذي طرحه الإسرائيليون على أنفسهم!
هل يكون مصير
"إسرائيل" هو مصير الإمارات التي أنشأها الصليبيون في الرها,
وأنطاكية, وطرابلس وبيت المقدس في نهاية القرن الحادي عشر
الميلادي, وظلت قائمة حتى وحد المسلمون قواهم في مصر وسوريا
والعراق, وتمكنوا بقيادة صلاح الدين من إيقاع الهزيمة بالصليبيين
واسترداد المدن التي استولوا عليها وآخرها عكا التي استردها السلطان
المملوكي الأشرف بن قلاوون في نهاية القرن الثالث عشر؟
إن الغزوة
الصليبية تشبه الغزوة الصهيونية من نواح كثيرة. فالدافع الديني في
الغزوتين مشترك, فضلاً عن الدوافع الدنيوية. الفلاحون
النورمانديون والألمان الفقراء الذين بكوا وهم يسمعون البابا أربانوس
يطالبهم بتخليص قبر المسيح من أيدي الأشرار, وصاحوا الله أراد!
لا يختلفون كثيراً عن الصناع والباعة اليهود الذين سمعوا هرتزل وسواه
من الصهيونيين الأوائل يطالبونهم بالعودة إلى أرض الميعاد. وأمراء
وملوك وأباطرة فرنسا, وانجلترا, والمانيا, وبيزنطة, وتجار
بيزا والبندقية الذين قادوا الحملات الصليبية لا يختلفون كثيراً عن
الساسة والزعماء الأوروبيين من أمثال لورد بلفور, ولورد روتشيلد,
والرئيس الأمريكي ترومان, والزعيم السوفيتي ستالين الذين دعوا
لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين, وأيدوا قرار التقسيم, ومولوا
المستوطنات اليهودية في فلسطين, وسلحوها.
وكما اعتمدت
الغزوة الصليبية على المسيحيين الأوروبيين اعتمدت الغزوة الصهيونية
على اليهود الأوروبيين. وكما حقق الصليبيون انتصاراتهم بسرعة خاطفة
ودون خسائر تذكر حقق الصهيونيون أكثر بكثير مما كانوا يحلمون به.
وكما كانت الإمارات الصليبية كيانات غريبة في المنطقة, محاصرة
بالأعداء كانت "إسرائيل" ومازالت كياناً غريباً محاصراً بالأعداء.
لكن الصراع
لم ينته بعد. فكيف يكون مصير "إسرائيل"؟ وكيف يكون مصيرنا؟
|