معاداة للسامية أم تقنين للإرهاب الصهيوني؟
السيد يسين
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 28/10/2004
حملت وكالات
الأنباء للعالم خبراً بالغ الأهمية، مؤداه أن الكونجرس الأميركي قد
وافق بشكل شبه جماعي على إصدار قانون جديد يحمل اسم: "قانون مراقبة
انتقاد اليهود العالمي" وذلك يوم العاشر من أكتوبر 2004. وهذا
القانون ينص على مجموعة من الإجراءات لمراقبة "معاداة السامية" حول
العالم وإصدار تقرير سنوي يصنف مختلف الدول في هذا المجال. وينص
القانون على تأسيس مكتب جديد داخل وزارة الخارجية الأميركية تتمثل
مهمته في جمع معلومات حول الأعمال التي تنتقد اليهود أو تتعرض لهم
حول العالم، وإصدار تقرير سنوي بذلك إلى جانب تعيين مبعوث دبلوماسي
خاص لمراقبة انتقاد اليهود حول العالم، والعمل على حمايتهم من تلك
الانتقادات.
وقد قدم هذا
القانون عضو الكونجرس اليهودي عن ولاية كاليفورنيا "توم لانتوس"
المشهور بعدائه للعرب، وتصريحاته المطالبة بالهيمنة على الدول
العربية، والذي يوصف في المصادر الأميركية بأنه عضو الكونجرس الحي
الوحيد الذي نجا من الهولوكوست (المحرقة) في أوروبا أيام حكم النازي
في ألمانيا. ومن المهم أن نشير إلى علاقة صدور هذا القانون بسعي
الرئيس جورج بوش لتجديد ولايته، ومنافسته مع المرشح الديمقراطي جون
كيري للفوز بأصوات اليهود في الانتخابات الرئاسية المقررة الشهر
المقبل. وقد نقلت وكالات الأنباء أن جون كيري هتف في اجتماع انتخابي
عقد في فلوريدا باللغة العبرية صائحاً: "يعيش اليهود"!
وليس هناك
أدلّ على الخيبة الكبرى لممثلي النظام السياسي الأميركي الذي يوصف
بأنه ديمقراطي، من سلوك كل من الرئيس ومنافسه!
الرئيس
الأميركي الذي لم يتوقف عن الدعم اللامحدود للسياسات الإسرائيلية
العنصرية، وموافقته الصريحة على الإبادة المنهجية للشعب الفلسطيني،
والذي يأمر ممثل الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن بأن
يستخدم حق "الفيتو" ضد أي قرار لإدانة "إسرائيل"، هو نفسه الذي سارع
بتوقيع القانون الذي أصدره الكونجرس بصدد معاداة السامية. ليس ذلك
فقط بل إنه وقف متحدثاً أمام آلاف من المؤيدين المتحمسين قائلاً: "إن
الدفاع عن الحرية يعني أيضاً مهاجمة الشر الذي تجسده معاداة
السامية"، موضحاً أن القانون الجديد سيسمح بوضع لائحة بجميع الأعمال
المعادية للسامية في العالم، ولائحة بعمليات الرد الواضحة على هذه
الأعمال.
ومن الملفت
للنظر أن وزارة الخارجية الأميركية اعترضت على القانون. وقال ريتشارد
باوتشر المتحدث باسم الوزارة "إن تقارير منفصلة حول الديانات
المختلفة ليست ضرورة، حيث إننا نصدر تقارير تبحث أوضاع حقوق الإنسان
والحريات الدينية في أكثر من 190 بلداً".
والواقع أن
قانون معاداة السامية وخصوصاً في مجال الجزاءات التي تكفل للرئيس
الأميركي بتوقيعها على الدول التي تحدث فيها وقائع معادية للسامية،
مثله مثل قانون حماية حقوق الإنسان والحريات الدينية، والذي سبق
للكونجرس أيضاً إصداره، والذي يعطي للرئيس الأميركي حق إصدار
الجزاءات المناسبة ضد الدول التي تخرق حقوق الإنسان، يفتقران للشرعية
القانونية والدولية. فالولايات المتحدة الأميركية بهذين القانونين
تخرق قواعد الشرعية الدولية التي لا تسمح لدولة بإرادتها المنفردة
بإصدار تشريعات عن طريق مجالسها النيابية، وتوقيع جزاءات وفقاً
لتقديرها ضد دول أخرى، زاعمة في القانون الأول خرقها لحقوق الإنسان
والحرية الدينية، أو وفقاً للقانون الجديد عن وقائع صحيحة أو كاذبة
عن معاداة السامية.
سلوك غريب
يمارسه أقطاب الإمبراطورية الأميركية، الذين نصبوا أنفسهم أبطالاً في
مقام الدفاع عن حقوق الإنسان ومعاداة السامية، في الوقت الذي تمارس
فيه القوات المسلحة الأميركية أفظع الجرائم ضد الإنسانية في العراق،
وتنفذ القوات المسلحة الإسرائيلية المدعومة أميركياً عسكرياً
وسياسياً خطتها في تصفية القضية الفلسطينية.
غير أن هذا
السلوك الأميركي الذي يكشف بلا جدال عن الخضوع المطلق للابتزاز
الصهيوني بشكل عام، وللوبي اليهودي الأميركي بشكل خاص، يحتاج لفهم
دواعيه وأسبابه إلى إلقاء الضوء بشكل علمي على الطرق المدروسة التي
يستخدمها اليهود للنفاذ إلى أعماق الكونجرس الأميركي، بالإضافة إلى
وسائل متعددة أخرى ثقافية وتعليمية وإعلامية.
ونظراً
للأهمية الكبرى للنتائج السياسية والاقتصادية والثقافية التي يمكن أن
تنتج عن تطبيق هذا القانون بالنسبة لدول العالم عموماً وللدول
العربية والإسلامية خصوصاً، حاولت أن أتتبع المقدمات التي أدت إلى أن
يصدر الكونجرس هذا القانون بطريقة شبه إجماعية.
وتبين لي من
البحث أن هناك شهادتين قدمتا للكونجرس عن معاداة السامية في أوروبا
وذلك في 22 أكتوبر عام 2003، قدمهما دافيد هاريس المدير التنفيذي
للجنة الأميركية اليهودية، والأخرى لبول جولدنبرج مستشار الأمن
القومي للجنة الأميركية اليهودية وذلك في 16 يونيو عام 2004 وكان
موضوعها: "كيف يمكن للحكومات أن تكافح معاداة السامية في منطقة منظمة
الأمن والتعاون في أوروبا؟".
ويلفت النظر
في البداية أن كل من دافيد هاريس وبول جولندنبرج قدما في بداية
شهادتهما وصفاً مطابقاً للجنة الأميركية اليهودية باعتبارها "منظمة
العلاقات الإنسانية الأولى في أميركا، وعدد أعضائها 125 ألف عضو
ومؤيد ولها فروع في 33 مدينة عبر الولايات المتحدة الأميركية، ولها
أيضاً برامج ومكاتب في أجزاء أخرى من العالم، بما فيها أوروبا،
ومكاتب في كل من برلين وجنيف وبروكسل.
ومعنى ذلك أن
هذه اللجنة تمتد بأذرعها كالأخطبوط في ثلاثة وثلاثين مدينة أميركية
بالإضافة إلى أقطار أخرى في أوروبا، وهي بذلك من خلال برامجها
وندواتها ومنشوراتها، تروج لوجهة النظر الصهيونية في الأحداث
العالمية، بالإضافة إلى وظيفتها الرئيسية، وهي الدفاع المطلق عن
السياسات الإسرائيلية، والنقد العنيف لكل من ينتقدها، ليس ذلك فقط بل
المطالبة بعقابه.
ولدينا في
هذا المجال حادثتان بارزتان: الأولى ما تعرض له المفكر الاستراتيجي
الفرنسي المعروف باسكال بونيفاس حين أصدر كتابه الشهير "من يجرؤ على
نقد إسرائيل؟" الذي ترجمه إلى العربية الكاتب الصحفي أحمد الشيخ، حيث
طالبت الدوائر اليهودية الصهيونية في فرنسا بفصله من عمله كمدير
لمركز الأبحاث الاستراتيجية، بل إن باسكال نفسه قرر في مقابلة معه
أجراها أحمد الشيخ أنه أخفى أطفاله فترة من الزمان خوفاً على حياتهم
وحياته. والحادثة الأقرب التي نقلتها وكالات الأنباء منذ أيام، هي
التصريحات التي أدلى بها نائب رئيس هيئة الإذاعة الفرنسية، والتي قرر
فيها أن "إسرائيل" دولة عنصرية وليست دولة ديمقراطية كما تزعم هي، أو
كما تزعم الدوائر الأميركية.
وقد أجبر
الرجل على تقديم استقالته، وحاولت الحكومة الفرنسية تبرئة نفسها من
هذه التهمة الخطيرة وهي مجرد انتقاد السياسات الإسرائيلية، مقررة أن
تصريحاته لا تعبر عن الموقف الرسمي الفرنسي، وخصوصاً أن وزير
الخارجية الفرنسي كان في زيارة لإسرائيل. إن ممثلي اللجنة الأميركية
اليهودية لم يتركوا أي منبر داخل الكونجرس والذي تتعدد لجانه إلا
وغزوه، بناء على معرفة دقيقة بطريقة عمل الكونجرس، وكيفية تنظيم
جلسات الاستماع، والتي عادة ما تكون مصدراً لأفكار ومقترحات بصدد
إصدار تشريعات جديدة. شهادة دافيد هاريس التي قدمت في 22 أكتوبر 2003
هي الجديرة بالتحليل المتعمق لأنها تتضمن توصيفاً ملفتاً لأسباب
معاداة السامية وطرق مكافحتها. وكان الرجل
من الذكاء بحيث إنه في صدر شهادته حاول الربط بين مصير اليهود ومصير
الإنسانية جمعاء! فقد قرر أن نظرية فلسفية يهودية تمت صياغتها منذ
عام 1906 مبناها أنه في كل مرة يتعرض اليهود لتهديدات، فإنه ليست
هناك أية أقلية أخرى يمكن أن تكون آمنة على نفسها. ويضيف أن الخبرة
التاريخية تثبت أن هناك علاقة ارتباطية بين ارتفاع معدلات معاداة
السامية في أي مجتمع ومعدلات عدم التسامح والعنف ضد الأقليات الأخرى.
ويبالغ أكثر من ذلك ليقرر أن اليهود – وإن لم يسعوا إلى ذلك – أصبحوا
هم الحراس الذين يشيرون إلى مواضع الخطر قبل أن تلحق بالآخرين.
ويقرر دافيد
هاريس في شهادته المهمة أمام الكونجرس أن اليهود كافحوا عبر قرن كامل
ضد معاداة السامية من خلال التأكيد على مبادئ الديمقراطية واحترام
القانون والتعددية، وعن طريق تمتين العلاقات بين الجماعات العرقية
والدينية، مع مراعاة إلقاء الضوء على هؤلاء الذين يدعون لعدم التسامح
أو يمارسونه.
غير أنه قد
لوحظ أنه في العقود الثلاثة الأخيرة وخصوصاً في أوروبا تصاعدت موجات
معاداة السامية سواء بالطرق التقليدية المعروفة تاريخياً، أو بطرق
جديدة مستحدثة.
والسؤال الذي
يطرحه: لماذا تصاعدت معدلات معاداة السامية في أوروبا وفي الدول
العربية والإسلامية، وهل صحيح أن ذلك بسبب السياسة الإسرائيلية
المطبقة ضد الشعب الفلسطيني، كما تزعم أصوات أوروبية متعددة،
بالإضافة إلى الإجماع العربي والإسلامي على ذلك؟.
|