فِقْه السلاح
خيري منصور
صحيفة الخليج
الإماراتية 5/5/2004
لو أن هناك
عقلاً واحداً لم يبلغه الاحتلال بعد، لاستوقفته الأسباب التي يقدمها
شارون لقتل ناشطين فلسطينيين، وهي تتلخص في مسؤولية هؤلاء عن قتل
مدنيين يهود! فكم من المدنيين الفلسطينيين قتل الجنرال، وكم هم غير
المدنيين الذين اغتالهم بمختلف الطرق في فلسطين بشتى الخطوط الحمر
والخضر والبيض؟
أليس ما يصدر
عن الإعلام الصهيوني دليلاً مضافاً إلى كون هذا الإعلام مجرد اسم
حركي للأباتشي والفانتوم؟ ما دام المنطق قد أصبح خارج المدار، ويصبح
من يحتكم إلى بدهياته مجرد كائن رومانسي تجاوزه العصر، وسحقت واقعية
الخوف والتأقلم ما تبقى من إرادته.
واضح الآن،
أن السلاح لم يعد بحاجة إلى ما يسوغ استخدامه، خصوصاً على هذا النحو
المفرط، وإذا كانت "الدولة العبرية" هي بالفعل بلا سياسة خارجية لأن
سياستها الداخلية تنوب عن كل شيء، فإن الاستراتيجية التي تنسب إلى
شارون ويجهد المحللون أنفسهم في استقرائها وضرب أخماسها بأسداسها هي
أجندة عسكرية فقط.
وأحياناً
أتصور هذا الجنرال وهو يسخر مما يقرأ، عندما تكون الكتابة عن
استراتيجيته السياسية، أو أي شيء آخر غير الحرب المتصاعدة، والتي لم
تتوقف لحظة واحدة حتى عندما كانت الكاميرات تنقل المصافحات
البروتوكولية المتلفزة بين أطراف عربية والجنرال.
ولدينا الآن
من فائض الخبرة، والألم واللدغ المتكرر ما يكفي لتلقيحنا، وتحصين
وعينا من خطاب عربي رخو، يرصّع أحياناً بمفردات السلام في أشد أبعاده
سلبية، بحيث يصبح مرادفاً دقيقاً للاستسلام.
ومن يورطه
التاريخ بعدو حوّل القوة إلى سياسة وفقه وقانون وعقيدة، عليه أن يتقن
هذه اللغة، وألا يلوذ على الدوام بالهوامش التي تيسِّر له الفرار،
بحيث يقدم المزيد من الوقت أعطية مجانية لمن أعدَّ له كل شيء.. وليس
الخيل والسيوف فقط!
وقد تتحول
هذه المفارقات التي نعيشها إلى أمثولات لدى القادمين من المستقبل،
بحيث يعاد التاريخ إلى هيكله العظمي بعد أن ينتف عنه الريش، وكل ما
جعله أشبه باللحية الكثة التي تصلح لأن تعلق على أي وجه.. وبكل
الدلالات.. بحيث يصعب التفريق بين الفنان والعدمي والجنرال والقديس!
ويقول من
شهدوا عن قرب مفاوضات كان شارون طرفاً فيها، إنه قلما يتظاهر
بالإصغاء، وقد ينهمك في فعل أي شيء عديم المعنى، ليبلغ من يجلس أمامه
بأن القوة تنوب عن البلاغة، وأن ما سيحدث بعد وليمة المفاوضات التي
قد تستمر ساعة واحدة، سيكون مجزرة اتخذ قرار اقترافها قبل أن تمتلئ
الكراسي بالمتفاوضين!
فهل نسمي ما
يغمض عنه العرب عيونهم نوعاً من التذاكي؟ أم هو في جوهره مستمد من
فلسفة النعامة الخرقاء التي تحلم بالنجاة المستحيلة لمجرد أنها أغمدت
رأسها الصغير في التراب!
لقد تراكم
الكثير من الكلام كالطلاء على حقائق ساطعة، بل بالغة الوضوح
والفصاحة، وفي مقدمتها أن من يفاوض ويده على البندقية، ليس كمن يفاوض
وبيده قلم أخضر، وأن من يتفاوض وهو واقف خلف النافذة تحت المطر، ليس
كمن يفعل الشيء ذاته وهو يجلس أمام المدفأة ويقلِّب راحتيه على
وهجها!
لقد راهنت
"الدولة العبرية" منذ أول تفاوض على حالة الإعياء التي يعيشها الطرف
الآخر، المعتدى عليه، لكن الذي يبدو كمن يتسول جزءاً يسيراً مما كان
للتو حقه! والأرجح أن مقولة القليل خير من العدم أو اللاشيء أشاعتها
الصهيونية عبر دوائر إعلامها كي تتحول إلى متفضلّة على الآخر المسروق
إذا قبلت بأن يكون له هامش ما، محاصر، وقابل للتجفيف، أو البتر
كالثؤلولة!
أليس هذا
بالضبط ما قاله شيمون بيريز قبل بضعة أعوام، وهو يحصد دقائق التصفيق
السبع أمام الكونجرس؟
وقد يمضي وقت
طويل آخر ننفق فيه أطناناً من الورق والحبر ونحن نراوح في الدائرة
ذاتها، إذ ليس من المعقول أن يركن عدو كشارون إلى ردود أفعال عربية
موسمية ومحددة الوقت والصلاحية، فإذا كان أطول وأقوى رد فعل على
انتهاك مسجد أو اغتيال شيخ أو الإجهاز على مخيم لا يدوم أكثر من أربع
وعشرين ساعة ولا يتطلب أكثر من بضعة تصريحات تتخلل نشرات الأخبار،
فإن هذا كله مجرد فقاعات في الهواء وزبد على الورق، لا يردع قاتلاً،
ولا يدفع محتلاً إلى إعادة النظر في حساباته! لنعترف إذاً، أن الخلل
الجذري ليس في معظم ما يقال عن صراع له مثل هذا العمق وهذا الانفلات
من كل محاولات العقلنة.
إن الخلل هو
الفارق الكارثي بين قدرتين وبالتالي بين موقفين، أحدهما يتغذى
بالمزيد من الدم.. والآخر يتغذى بالمزيد من الحبر والهواء!
|