|
ستُّ وخمسون "فِلسطيناً"
خيري منصور
صحيفة الخليج
22/5/2004
نَسَفَ
الكيان الصهيوني الاستيطاني في الذكرى السادسة والخمسين لاحتلال
فلسطين أكثر من ستة وخمسين منزلاً، وشرَّد أكثر من ألف ومائتين من
الفلسطينيين، لكن في أرضهم هذه المرة، وكأنه بما فاض عنه من حقد هزّ
جذع الشجرة العجوز، فتناثر من بذورها ما يكفي لاستنبات غابة!
وما اقترفته
سلطات الاحتلال عشية هذه الذكرى، من شأنه أن يذكِّر العالم بما أوشك
على نسيانه، فالعرب الذين قضمت كلمة سلام ألسنتهم لفرط ما ردّدوها
بلا مضمون، يذكِّرهم شارون، بأن هذا السلام لم يكن ذات معاهدة أو
مصافحة إلا من طرف واحد!
والرأي العام
الدولي الذي ابتلع الطعم الصهيوني السام والمخدِّر معاً وصدق أن اليد
ذات المخالب الفولاذية قد امتدت بالفعل للسلام، ولأن التاريخ لا بد
أن يعتذر عن حماقاته وما أكثرها فها هو يعبِّر عن هذا الاعتذار من
خلال الحماقات التي يرتكبها القاتل، ليذكِّر ذوي القتيل وورثة الدم
بنفسه، وبما اقترف!
إنها بمعنى
ما نقطة الضعف، بل عقب آخيل الذي يتنامى في الكيان القوي، الواثق
والذي ملأ القذى والصديد عينيه فلم يعد يرى غير ما يريد أن يراه!
وحين تنسف
سلطات الاحتلال أكثر من خمسين منزلاً، لا يخطر ببال من أعماه الحقد،
وأفقدته الكراهية الرشد أن من بنى هذه البيوت يبني سواها، وبحجارتها
القديمة أيضاً، بالرغم من أن خسائر السكان الأصليين لهذه المنازل
تتجاوز المال، وأثمان مواد البناء، لأنه ما من صرير باب إلا واختزن
ذكريات، وما من حائط لم يكن يزدان بصور شهداء وراحلين.
لقد أدى فائض
القتل وفائض التدمير إلى فائض من الاستشهاد في تلك البلاد الشهيدة،
فالبيوت تستشهد وكذلك أشجار الزيتون والسنديان ولو نطق التراب، لقال
أيضاً إنه تعرَّض إلى نزوح قسري، من خلال التجريف!
لكن من
يهدمون بيته الآن، لا ينام في خيمة في المنفى، ولا يقف في طابور طويل
أمام مقرات وكالة الغوث ليحصل بصعوبة على حصته من الزيت و"البُقعجة"
التي تصلح شعاراً لزمن اللجوء.. في كل مكان.
فالفلسطيني
الذي تتداعى جدران بيته على مرأى منه ومن عائلته، ويرى صورة جده أو
أبيه مكسورة ومغمورة بالتراب، يسهر ما تبقى من الليل الطويل على
الطلل، فالصخر يتحوَّل إلى سرير، كما تتحوَّل الحجارة إلى وسائد، لأن
الموت هناك.. كما يقول الفلسطينيون جميعاً أجدى، وأفضل ألف مرة من
الحياة في المنافي.
لقد ظنّ
الغزاة، الذين لا يفهمون لغة التراب والزيتون، أن أقانيم بقاء
الفلسطيني على قيد هويته، شجرة زيتون وبيت من حجر أو طين وأخيراً
رغيف حتى لو كان مدهوناً بالدم.
صحيح أن هذه
الأقانيم هي شرط الوجود لكل البشر، لكنها في لحظات استثنائية من
التاريخ تتحوَّل إلى مجرَّد رموز، لأن كينونة الإنسان في أشد أبعادها
تجوهراً، قد تتكثف في الإقامة حتى لو كانت في الجحيم، إذا كان الخيار
الآخر والوحيد هو الاقتلاع من الجذور!
والأرجح أن
ذلك الزمن الذي اختزل فيه الوطن إلى بيت ورغيف قد ولَّى، لأن الحصول
على هذه الضرورات قد يُتاح للبشر في كل أوان.
والفلسطيني
ابتكر نشيده الانتفاضي الجديد من ركام أناشيد أفرزها زمن البطالة
السياسية، وحالة الاستنقاع القومية التي ابتُلي بها عرب العقود
العجاف الأخيرة!
والفلسطيني
قرّر أن يجوع وأن يَعرى، وأن يبيت على كومة من الحجارة، كي يفسد على
غزاته رهانهم الذي جرَّبوه عام 1948، عندما استطال الليل كي يلبي
رغائب اللصوص!
وتخطئ الدولة
العبرية حتى الانتحار إذا توهّمت بأن جدلية البناء والهدم قد تلخصت
في هذه المعادلة الخرقاء.. بحيث تبني مستعمرات يهودية وتهدم بيوت
السكان الأصليين، فمن يسكنون في المستعمرات لا يشعرون بأن التراب
الذي ينامون عليه أو يزرعونه هو ترابهم، وقد تلدغهم جذور الأشجار،
ويلسعهم حتى الهواء لأنه أيضاً مُحتلّ!
الجدلية
الفاعلة والتاريخية الآن هي غير هذا كله، وربما كانت على النقيض منه،
فكل بيت فلسطيني يُنسف، يتيح للطفل الذي يشاهد الهدم، ويعفر عينيه
غباره، أن ينمو، ويبني ذاته الوطنية الحصينة، وأن يتعلَّم من نسف
منزل واحد ما لم يتعلّمه المستعمر من بناء ألف مستعمرة.
إنهم يهدمون
بيوت الفلسطينيين، لكنهم يساعدونهم على الرغم منهم على بناء شخصيتهم
الوطنية، ومشروع تحرُّرهم واستقلالهم.
إن من نسفوا
ستة وخمسين بيتاً بعد ستة وخمسين عاماً من الاحتلال، أطلقوا من
غبارها، ودموع أصحابها ستاً وخمسين فلسطيناً!
|