شعب بلا مأوى
نائلة الوعري
صحيفة أخبار
الخليج البحرينية 22/5/2004
مع رؤية هذا
المقال النور سيكون أكثر من ألفي فلسطيني مشردين في العراء بعدما
أقدمت ترسانة البطش والغطرسة الصهيونية على هدم منازلهم بتفويض سافر
من المحكمة الإسرائيلية العليا التي زودت، بقرارها الموافقة على هدم
البيوت في رفح، دبابات الاحتلال وقوداً وشرعية، ومهدت لها الطريق كي
تقضم ما تبقى من أشكال الحياة أمام الفلسطينيين.
المحكمة
الاسرائيلية ذات القرارات التي لا يمكن الطعن فيها منحت الجرافات
والدبابات والمحمية بالطائرات ضوءاً أخضر كي تأتي على كل مظاهر
المدنية في مدينة رفح، وإلحاقها بالتالي في فلك الأراضي المحروقة
الذي صارت شريعة النظام العنصري البربري لقادة "إسرائيل" وجنرالاتها
المدججين بنياشين الموت.
أمام مرأى
العالم كله يحرم الفلسطينيون من النوم في منازلهم التي أمست حطاماً
وحجارة متكومة تشكو الأنين والمرارة، وتندب حظها الذي ابتليت به
لأنها انتسبت إلى أمة لا يتحرك فيهم صلاح دين، ولا تقشعرّ أبدانهم
وهم يرون الأطفال يجرجرون ما تيسر من أغطية كي تقي أجسادهم الغضة
لسعات البرد، وكي تؤوي أرواحهم من العسف والظلم والتشرد. هل تخيل
المرء نفسه وهو يرى منزله الذي أفنى عمره وهو يشيده، ووضع بين أركانه
تحويشة العمر، وتغرّب، واستدان، وشقي كي يأتي شارون وجلاوزته
ويهدمونه في غمضة عين، وبوحشية لم ولن تشهد البشرية مثيلاً
لبشاعتها؟.
المحكمة
الإسرائيلية التي تشرّع القتل والعدوان عزت قراراها الغاشم إلى أعمال
المقاومة التي وصفتها بـ (الإرهاب) وكأن على الشعب الفلسطيني أن يرفع
يديه حاملاً الرايات البيضاء في استقبال دبابات شارون وصواريخه التي
تقصف المدنيين، وتغير على المستشفيات، وتقض مضاجع المرضى، وتضاعف
أنينهم وجراحاتهم؟. لم يسلم أي هدف في فلسطين من صواريخ شارون وطغمته
الحاكمة في تل أبيب، كل شيء مستهدف: البشر والشجر والحجر، لأن هذه
العناصر، في نظرهم، إرهابية، وبمقدور الفلسطينيين أن يحولوها إلى
أسلحة دمار شامل. وحتى لو لم تسوّق "إسرائيل" هذا الحجج الفارغة، فإن
العالم لن يؤاخذ الدولة العبرية، فقبل أن تعطي المحكمة الإسرائيلية
لشارون الضوءَ الأخضر لعدوانه، كان حاكم البيت الأبيض فوّضه صلاحيات
أن يقتل ويدمر ويفعل ما يراه مناسباً لمصلحة "إسرائيل" وحماية أمنها.
ومايزال
شارون ووزير دفاعه شاؤول موفاز يتوعدان الفلسطينيين بتكبيدهم (خسائر
باهظة ثأراً لمقتل 13 من جنود الإحتلال في غزة الأسبوع الماضي)، وكان
رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال موشيه يعالون أبلغ مجلس الوزراء
بأن (الجيش أعد خريطة تفصيلية بالمنازل الفلسطينية المرشحة للهدم،
وتعد بالمئات). هكذا تتجلى رغبة القتل والدمار بصفتها عملاً منهجياً
تمارسه قوات الاحتلال بتدبير وتخطيط مسبقين، وليس كرد فعل آني عشوائي
.
ثمة مئات
المنازل، إذا، مرشحة للهدم، وثمة، تبعاً لذلك، آلاف الفلسطينيين
الجدد سيصبحون بلا مأوى، وثمة صمت يتسع ويتسع حتى يصبح بحجم الفجيعة
الكونية. ولكن العالم أصيب بالصمم، وأغلق فمه، ولاذ بسبات أبدي.
الفلسطينيون
تعودوا على النسيان، وأكفهم أعتادت على مقاومة المخارز والسكاكين،
وظهورهم مشرعة على الطعنات، لكنّ قلوبهم أبداً عامرة بالأمل، ومضاءة
بقيم الحق الأبلج، ولن تسقط الأسلحة من أيديهم، وستبقى المقاومة
شعارهم لتشييد غد، وبناء دولة، ورؤية علم يرفرف في الأعالي، ويناجي
السماء.
|