شارون والاستغلال التاريخي لمعاداة السامية
بقلم: عوني فرسخ
صحيفة
البيان الإماراتية 4/8/2004
في تظاهرة
استعراضية استقبل شارون وأركان وزارته وعدد من الشخصيات الإسرائيلية
مئتي مهاجر من يهود فرنسا لدى وصولهم مطار بن غوريون مؤخراً، ولقد
أولت أجهزة الإعلام العالمية حفل الاستقبال اهتماماً ملحوظاً، وبدا
وكأن شارون والحركة الصهيونية أرادا بذلك الإيحاء بأن هذه الوجبة من
المهاجرين إنما جاءت استجابة لدعوته يهود فرنسا للهجرة، ورداً على ما
كان قد أبداه بعض وجهاء الجالية اليهودية الفرنسية من استنكار لدعوة
شارون وتأكيدهم أن اليهود الفرنسيين لا يواجهون أي خطر. ورفضهم أن
تصدر لفرنسا تداعيات صراع الشرق الأوسط، كما طالب بذلك ممثل الجالية
اليهودية الفرنسية في لقاء مع الإذاعة البريطانية يوم الخميس التاسع
والعشرين من يوليو الماضي. وكان شارون قد حاول توظيف ما اعتبره
تصعيداً في معاداة السامية في فرنسا خلال العام الأخير في سعيه
لاستجلاب أكبر عدد مستطاع من المهاجرين ليواجه مخاطر التكاثر العربي
في فلسطين المحتلة مقتدياً في ذلك بمن سبقوه من القادة الصهاينة على
مدى القرن ونصف القرن السابقين من استغلال ظاهرة معاداة السامية في
دفع اليهود إلى هجر أوطانهم وحفزهم على الهجرة إلى فلسطين
واستيطانها، وبمثل ما تميزت به الادعاءات الصهيونية من مغالاة
وافتقار للموضوعية وعدم مراعاة مشاعر الآخرين، بل واستفزازهم، كذلك
فعل شارون في دعوته.
فمن جهة أولى
ادعى أن الخطر الذي يواجهه يهود فرنسا بسبب ما تعرضت له مقابرهم
وكنسهم ومدارسهم من تعد في الشهور الأخيرة، يماثل الخطر الذي كان
يتهدد يهود ألمانيا النازية في أمنهم واستقرارهم سنة 1936 وهو من جهة
ثانية زعم أن «الخطر» الذي بات يتهدد يهود فرنسا إنما يعود لتصاعد ما
اسماه «الأصولية» في أوساط مسلمي فرنسا.
ولقد استفز
شارون، بالمغالاة واللاموضوعية التي اتسمت بها دعوته، مشاعر غالبية
الفرنسيين على اختلاف أصولهم وانتماءاتهم السياسية، وبرغم تباين
مواقفهم من الصراع العربي الصهيوني، فيما رأت الحكومة الفرنسية في
ادعاء شارون وزعمه مساساً خطيراً بالوحدة المجتمعية الفرنسية، مما
دفعها إلى إعلان اعتباره شخصاً غير مرحب به في فرنسا، الأمر الذي لم
يسبق صدوره عن أي حكومة فرنسية تجاه أي مسئول صهيوني، ناهيك عن رئيس
وزراء "إسرائيل" في الزمن الذي تبدو فيه الدولة صاحبة الدور الأول
فيما يعتبر أميركياً وأوروبياً «الشرق الأوسط الكبير».
ولم يخف كثير
من الساسة والإعلاميين العرب فرحتهم باحتمال تفاقم حدة الخلاف فيما
بين صناع القرار السياسي والإعلامي في كل من باريس وتل أبيب وإمكانية
استثمار ذلك في تعزيز الموقف العربي فيما يسمى «عملية السلام»، غير
أن الذين فرحوا والذين تفاءلوا لم يأخذوا في حسبانهم العلاقة العضوية
التاريخية فيما بين القوى الأشد تأثيراً في صناعة قرارات الدول
الأوروبية، والفرنسية من بينها، وبين الحركة الصهيونية، وكون
التناقضات فيما بين الطرفين مهما بدت كبيرة لا تعدو كونها تناقضات
ثانوية بين أطراف معسكر واحد، فضلاً عما تتميز به القيادات الصهيونية
من براغماتية في التعامل مع مختلف القوى الدولية، وبخاصة ذات التأثير
في الصراع العربي الصهيوني.
وشارون وإن
وصف بأنه «البلدوزر» المندفع بكل طاقته لتحقيق ما انتدب نفسه له، إلا
أنه سياسي براغماتي، الغاية عنده تبرر الوسيلة، وهو بعد الذي قاله
واستدعى الغضب الفرنسي على مختلف الصعد، اغتنم مناسبة استقبال
المهاجرين من يهود فرنسا ليعرب عن تقديره وشكره للرئيس شيراك وحكومته
على مقاومتهم ظاهرة معاداة السامية، ورغم معرفة الرئيس والحكومة
وأجهزة الإعلام الفرنسية أن ليس في تاريخ الحركة الصهيونية من اتخذ
موقفاً إيجابياً من الجهود الرسمية والشعبية الأوروبية الرافضة ظاهرة
معاداة السامية، وبخاصة تلك المقاومة لها.
وأن شارون لا
يمكن أن يشذ عن القاعدة، وأنه لا يصدر عن قناعة يقينية في شكره
وتقديره للرئيس شيراك وحكومته، إلا أن ضرورات ردم الثغرة المستجدة في
العلاقة الفرنسية - الإسرائيلية اقتضت إعلان الترحيب الرسمي
والإعلامي بتقدير شارون وشكره، وبالتالي تمت التغطية على الاستفزاز
الذي شكلته دعوته يهود فرنسا للهجرة واتهام المسلمين الفرنسيين بأنهم
مصدر الخطر الذي يتهدد أمن واستقرار مواطنيهم اليهود.
ومعاداة
السامية ظاهرة أوروبية خالصة، لم تعرفها المجتمعات الأخرى، وبالذات
العربية والإسلامية والظاهرة في بدايتها الأولى من بعض إفرازات
التعصب الديني الذي أشاعته محاكم التفتيش في القرون الوسطى، ثم تعززت
بتأثير تناقضات مرحلة التحول من النظام الإقطاعي للنظام الرأسمالي
حيث احتدمت الصراعات في أوساط نخب البرجوازيات الأوروبية الصاعدة،
وبحيث غدت من معالم تفاقم حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في
البلدان الأوروبية.
فضلاً عن
تأثير المشاعر العنصرية عميقة الجذور في الثقافة الشعبية الأوروبية،
غير أن العنصرية الأوروبية المعادية للآخر والرافضة له ما كانت يوماً
قاصرة على اليهود وحدهم، وإنما كان للمسلمين عامة والعرب منهم خاصة
النصيب الأكبر من عداء عنصريي أوروبا، وما يواجه مسلمي فرنسا، وذوي
الأصول العربية منهم خاصة، أوسع وأشد خطورة من كل التعديات على
المقابر والكنس والمؤسسات اليهودية مهما غالى شارون وأمثاله في
الحديث عن تلك الجرائم المدانة.
وما كان
شارون موضوعياً ولا تاريخياً في زعمه أن «الخطر» الذي يتهدد يهود
فرنسا مصدره «الأصولية» المتنامية في أوساط المسلمين الفرنسيين،
وبخاصة ذوي الأصول العربية منهم، ذلك أن العرب في جاهليتهم كما في
إسلامهم نظروا لليهود حيثما وجدوا في الوطن العربي باعتبارهم من بعض
النسيج الاجتماعي العام، وبحيث تمتعوا بكامل حقوقهم الدينية
والمدنية، وكان لهم وجودهم الملموس في الأنشطة الاقتصادية والثقافية.
بل واحتل
أصحاب الكفاءة من نخبهم مواقع مهمة في بلاطات الخلفاء ودواوين الولاة
ومجالس علية القوم، ولم يعان اليهود في أي قطر عربي، ماضياً وحاضراً،
عزلة اختيارية أو تعرضوا لعزل قسري، وإن لم تعدم الحواضر العربية
تنافساً نخبوياً مع النخب اليهودية، إلا أن هذه المنافسات، وإن تعددت
أماكن حدوثها وتوالي زمانها، لم تفرز ظاهرة معاداة السامية التي عانى
منها اليهود في أوروبا.
وكان الشعور
بأن اليهود العرب منهم وغير العرب لا يشكلون خطراً على الدولة
والمجتمع العربي الإسلامي، من أبرز العوامل التي جعلت التفاعل
الإيجابي معهم والانفتاح عليهم هو القاعدة والتعصب ضدهم والتحسب منهم
هو الاستثناء على مدى القرون العربية الإسلامية منذ فجر الإسلام وحتى
بروز الحركة الصهيونية في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، وذلك
على الرغم من التنبيه لخطورة ممارساتهم في بعض آيات القرآن الكريم
والأحاديث النبوية الشريفة.
إلا أن فرض
الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني على التراب العربي في فلسطين،
ووضوح طابعه المعادي للعروبة والإسلام، وما استتبع ذلك من ممارسات
عنصرية معادية لشعب فلسطين وأمته العربية كل ذلك دمر قواعد التعايش
السلمي الممتد فيما بين العرب والمسلمين وبين اليهود المؤازرين
الصهيونية على اختلاف أصولهم.
وحين يمضي
إرهاب الدولة الصهيونية في خط متصاعد، وتنقل الفضائيات العربية وغير
العربية، مظاهر «الهولوكست» التي تمارس ضد الشعب العربي في فلسطين
المحتلة، وحين تنقل أجهزة الإعلام ما يصدر عن مراجع صهيونية مسئولة
من تهديد للمقدسات الإسلامية، وبالذات المسجد الأقصى، أولى القبلتين
وثالث الحرمين، فالشيء الطبيعي والمنطقي أن يكون للعدوان الصهيوني
تداعياته في أوساط العرب والمسلمين حيثما وجدوا، وليس من المستبعد أن
يكون بين من اقترفوا جريمة الاعتداء على المقابر والكنائس والمؤسسات
اليهودية في فرنسا، وغيرها، بعض الشباب المنفعل ناقص الوعي والمعرفة
الذي لا يدرك أن معادة السامية إنما تصب في قناة الصهيونية.
والثابت
تاريخياً، ومنذ برز الصهاينة الأوائل على المسرح الأوروبي أوائل
النصف الثاني من القرن التاسع عشر كردة فعل تجاه معاناة اليهود في
روسيا القيصرية وأوروبا الشرقية، أن أياً منهم لم يتصد للتمييز
القائم ضد اليهود، أو يطالب بمنحهم حقوقهم الدينية والمدنية
المشروعة، ولقد عادى الصهاينة الأوائل اندماج اليهود في مجتمعاتهم
الأوروبية، وكان «أحباء صهيون» أول التنظيمات الصهيونية في روسيا
القيصرية، أشد عداء للاندماج منهم للممارسات والدعوات المغالية في
معاداة السامية، بل إنهم رأوا فيها ما ييسر تطلعهم لهجرة يهود روسيا
وسعيهم إلى اقتلاعهم من وطنهم والدفع بهم للهجر�� إلى فلسطين
واستيطانها.
وذلك هو
الموقف الذي اتخذته كل الشخصيات والمنظمات الصهيونية التي توالى
ظهورها في العواصم الأوروبية، بحيث لم يدافع أي منهم عن حقوق اليهود
كأفراد أو كأقليات دينية مضطهدة ومهمشة في أوطانها، وحول هذا الموقف
التاريخي كتب الحاخام الأميركي المربيرجر يقول:
«لم يكن هناك
في يوم من الأيام مسعى منظم غايته النضال في سبيل ضمان حقوق مساوية
لليهود في دولة من الدول» ويمضي موضحاً «إن من أسس الصهيونية أن
اليهود لا يمكن أن يتمتعوا أبداً، وبصورة دائمة، بهذه الحقوق والجواب
الصهيوني هو دائماً وفي كل مكان: حقوق مميزة وقومية لجميع اليهود في
وطنهم، وكان هذا واضحاً منذ سنوات في الشرح الكلاسيكي الموثق للفلسفة
الصهيونية».
بل ويتفق
الصهاينة ومعادو السامية في النظرة العنصرية لليهود، فكل من الطرفين
يعتبر اليهود شعباً عضوياً، ذا طبيعة فريدة، ويذهب إلى أن النزعة
الانكماشية الملموسة عند اليهود سمة من سماتهم كشعب عضوي لا يذوب،
ولا ينبغي له أن يذوب، في سائر الشعوب والأمم، ويتميز الصهاينة عن
معادي السامية بادعائهم بأن «الشعب» اليهودي لا يمكنه أن يحقق ذاته
ومصيره التاريخي إلا بإثبات «قوميته»، وذلك بإنشاء دولته الخاصة في
فلسطين.
وباتفاق
الصهاينة والمعادون للسامية في نظرتهم لليهود، ومعاداتهم لاندماج
اليهود في المجتمعات التي ينتسبون إليها تاريخياً، انعدم التناقض
العدائي فيما بين طرفي المعادلة الرافضين استقرار اليهود واندماجهم
في أوطان آبائهم وأجدادهم، وعلى ذلك كان تفاعل الطرفين الإيجابي
وتعاونهما المشترك هو القاعدة، وصدامهما هو الاستثناء، ولقد نظر
هرتزل بمنتهى الإيجابية لمعاداة السامية.
فهو يعتبرها
«القوة الدافعة» المحفزة للهجرة اليهودية، ولم ير فيها دعوة معادية
للحركة الصهيونية، وإنما على العكس من ذلك تماماً، وقد كتب قائلاً:
«اعتقد بأنني أفهم معاداة السامية التي تشكل في الواقع حركة على
مستوى عال من التعقيد، أنا انظر إليها من وجهة نظر يهودية، لكن دون
خوف أو كراهية».
وأضاف
موضحاً: «لن تحتاج الحركة يقصد الحركة الصهيونية- إلى بذل جهود ضخمة
من أجل دفعها إلى الأمام، إذ سيقدم لها المعادون للسامية القوة
الدافعة اللازمة لذلك، ما عليهم إلا أن يقوموا بما كانوا يقومون به
كي يولدوا الرغبة في الهجرة، حيث لم تكن موجودة في السابق ويعززوها
حيث كانت موجودة أصلاً. «ويضيف»: سوف يصبح أعداء السامية في طليعة
أصدقائنا الذين نعتمد عليهم، والدول المعادية للسامية من حلفائنا.
ولم يقف
هرتزل عند حدود التنظير الوارد في كتيبه «الدولة اليهودية» وإنما قرن
القول بالعمل إذ سعى إلى لقاء بيليف، وزير داخلية روسيا القيصرية
شديد العداء لليهود، وطرح عليه فكرته في تهجير يهود روسيا، وقد رحب
بيليف بالصهيونية باعتبارها الوسيلة الأمثل لتطهير روسيا من اليهود
على حد تعبيره، كما ورد نصاً في يوميات هرتزل، وعلى الدرب الذي اختطه
هرتزل وسابقوه من آباء الصهيونية مضى جابوتنسكي، الأب الروحي لليكود،
فقد تحالف مع الزعيم الأوكراني بتليورا الذي ذبحت قواته آلاف اليهود
عامي 1918و1921.
ولقد شهد
العهد النازي ذروة التعاون فيما بين الصهاينة وأشد معادي السامية
غلواً وعنصرية، ففي سنة 1932، وبعد صعود النظام النازي، عقدت الوكالة
اليهودية بالقدس مع خارجية النظام النازي اتفاقية «هاعفرا»، وهي
الاتفاقية التي أقرها المؤتمر الصهيوني العالمي كما يؤكد ناحوم
غولدمان في مذكراته، ولقد تواصل العمل بها حتى سنة 1941. وبموجبها تم
الاتفاق على تيسير هجرة اليهود الألمان.
وعلى أن
تستورد الوكالة اليهودية معدات وسلع ألمانية مقابل موجوداتهم، وقد تم
تدريب المهاجرين من الشباب والصبايا في معسكرات تحت إشراف وحراسة
الجستابو، فيما تواصل صدور الصحف الصهيونية في برلين وفينا في معظم
سنوات العهد النازي، ويقدر المهاجرون الألمان إلى فلسطين بموجب أحكام
اتفاقية هاعفرا بنحو أربعة وخمسين ألفاً ما يقارب ثلث المهاجرين
اليهود خلال سنوات 1932-1941 فضلاً عن الدور الكبير للسلع الرأسمالية
المستوردة من ألمانيا النازية بموجب تلك الاتفاقية في تطوير الصناعة
الصهيونية في زمن الانتداب البريطاني.
فيما استغلت
الهولوكست «النازية» في تحفيز الهجرة إلى فلسطين خلال السنوات
الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وفي أعقابها كما في استصدار قرار
تقسيم فلسطين سنة 1947. والشواهد كثيرة على استخدام الصهاينة العنف
ضد معارضيهم من اليهود، كما لحمل المترددين منهم بالهجرة على مفارقة
أوطانهم، ولطالما اتهمت الأجهزة الصهيونية باقتراف بعض الجرائم التي
نسبت لمعادي السامية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك.
والذي
يتجاهله شارون وأجهزة الإعلام التي سلطت الأضواء بكثافة على ما اقترف
بحق كنس ومقابر اليهود في فرنسا أنه تزامن مع تصاعد معاداة السامية
هناك صعود طردي في أرقام هجرة يهود فرنسا إلى "إسرائيل"، مما يؤكد
الترابط العضوي فيما بين معاداة السامية والهجرة اليهودية إلى
فلسطين، وهذا أيضاً ما لم يأخذه في حسبانهم الذين أفرحتهم الجفوة
العابرة في العلاقات التاريخية الممتدة فيما بين صناع القرار في
باريس وتل أبيب. وعليه يبدو جلياً أن الصهيونية هي المستفيدة
تاريخياً من معاداة السامية، وأن شعب فلسطين وأمته العربية كانا ولا
يزالا الأكثر تضرراً من كل حركة معادية لأمن وأمان ا��يهود
واستقرارهم في أوطانهم.
|