شارون ذو الوجهين
د. وحيد عبد المجيد
صحيفة
الاتحاد 18/3/2004
في يوم 26
مارس الجاري تكمل معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية ربع قرن من
عمرها الذي بدأ عام 1979. ولكن حالها يدل على شيخوخة مبكرة ليست
وليدة اليوم ولا الأمس القريب، بل صاحبتها منذ مولدها. فقد صار
وجودها شاحباً إلى حد ألا أحد تقريباً يشعر بأنها ما زالت قائمة.
وعلى مدى ربع القرن المنصرم لم يكن لها أثر يتجاوز ضمان إنهاء حالة
الحرب على الصعيد الثنائي ومنع احتمال نشوب حرب واسعة في المنطقة.
ولذلك فمنذ توقيعها اقتصرت المعارك العسكرية خارج الأراضي الفلسطينية
المحتلة على مواجهات محدودة وكان لبنان هو مسرحها الأساسي.
وهكذا لم يكن
لمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية من اسمها نصيب يعتد به. ولو
أنها حملت اسم معاهدة إنهاء الحرب لكان هذا أكثر دقة وواقعية.
وتحل الذكرى
الخامسة والعشرون لهذه المعاهدة فيما يقف أرييل شارون على رأس السلطة
في "إسرائيل" ليعيد إلى الأذهان ما انطوى عليه دوره من مفارقة
تاريخية كبرى. فشارون الذي صار منذ توليه رئاسة الحكومة في مارس 2001
العقبة الأكبر في طريق السلام والخطر الأهم على مستقبل المعاهدة مع
مصر هو الذي قام بأهم دور في تعبيد الطريق أمامها. وهذه قصة لابد أن
تثير استغراب الكثيرين ودهشتهم. كان ذلك في 11 سبتمبر 1978 عندما
وصلت مفاوضات كامب ديفيد التي رعاها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي
كارتر بين مصر و"إسرائيل" إلى نقطة الحسم.
كان التقدم
الذي تم إحرازه كبيراً تجاوز كل التوقعات. ولكن بقيت عقدة أخيرة
عندما رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي حينئذ مناحم بيغن إخلاء
المستوطنات التي كانت مقامة على أرض سيناء المصرية التي خضعت
للاحتلال عام 1967. وأصر الرئيس المصري الراحل أنور السادات على
إزالة هذه المستوطنات. وعندما اصطدم بتشدد بيغن وفشل كارتر في حل
الخلاف بينهما قرر السادات إنهاء المفاوضات وأمر أعضاء الوفد الذي
رافقه بحزم حقائبهم استعداداً للعودة إلى القاهرة ومصارحة الشعب
المصري والأمة كلها بأسباب فشل مبادرته السلمية التي بدأت بزيارته
المفاجئة إلى القدس المحتلة في نوفمبر 1977.
اكفهر الجو
في كامب ديفيد، وهبت رياح الفشل على المفاوضات التي تابعها العالم
يوماً بيوم منذ أن بدأت في 5 سبتمبر 1978. وفيما كان أعضاء الوفد
الإسرائيلي يحزمون حقائبهم، خطرت لأحدهم، وهو المستشار القانوني
ابراهام تامير، فكرة تحدث فيها إلى وزير الدفاع الأسبق عيزرا
وايزمان. فكر تامير في إمكان أن يكون بيغن راغباً في حل الخلاف الذي
دمر المفاوضات ولكنه خشي ثورة المستوطنين ومزايدات الاتجاه الأكثر
تطرفاً الذي يعتبر الاستيطان قضية كبرى ترقى إلى أن تكون مقدسة. وخطر
له أنه إذا أجرى وايزمان اتصالاً مع شارون الذي كان وزيراً للزراعة
حينئذ وبعيداً عن مفاوضات كامب ديفيد فربما تمكن من إقناعه بأن توقيع
معاهدة مع أكبر دولة عربية أهم وأكثر جدوى من بضع مستوطنات هامشية في
سيناء. وإذا اقتنع شارون، هكذا فكر تامير، سيكون قادراً على تقديم
غطاء سياسي لبيغن حين يقبل إزالة هذه المستوطنات. فقد كان شارون في
واقع الأمر رائد الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، الأمر الذي
يجعل المزايدة عليه صعبة. وهذا فضلاً عن علاقاته الوثيقة مع تجمعات
المستوطنين ومنظماتهم والثقة التي يتمتع بها في أوساطهم.
كان تفكير
تامير منطقياً من الناحية النظرية. ولكن هل يقبل شارون القيام بهذا
الدور وما الذي يعود عليه من ورائه؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحه
وايزمان عندما عرض عليه تامير فكرته وحثه على إجراء اتصال هاتفي مع
شارون. وكان السؤال تعبيراً عن تردده في أداء هذه المهمة التي توقع
أن تكون صعبة إن لم تكن مستحيلة. غير أنه حسم تردده تأسيساً على أنه
لا بأس من إجراء محاولة أخيرة قبل الإعلان رسمياً عن فشل المفاوضات
وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل زيارة السادات إلى القدس المحتلة.
كان وايزمان
من أكثر أعضاء الوفد الإسرائيلي في هذه المفاوضات اقتناعاً بجدوى
وضرورة بذل أقصى قدر من الجهد سعياً إلى إنهاء الصراع الذي عصف
بالمنطقة عقوداً طويلة. إذ خاض كل الحروب العربية - الإسرائيلية منذ
1948 ثم انتقل إلى ممارسة العمل السياسي والحزبي، وأصبح أبرز قادة
حزب ليكود ووزير الدفاع في أول حكومة شكلها هذا الحزب عندما صعد إلى
السلطة للمرة الأولى في مايو 1977 بعد أن احتكرها حزب العمل
وامتداداته التاريخية "الماباي والمعراخ" لنحو ثلاثين عاماً. ولأنه
كان جاداً في سعيه إلى السلام وقوياً في اقتناعه به، فقد صار قريباً
إلى السادات وأصبح صديقه الوحيد في "إسرائيل" في تلك الفترة.
وربما بدون
هذه الخلفية ما كان وايزمان أقدم على إجراء اتصال مع شارون شارحاً له
الوضع وموضحاً الخسارة الفادحة التي تتكبدها "إسرائيل" من جراء فشل
المفاوضات بسبب بضع مستوطنات لا أهمية استراتيجية أو عقائدية أو حتى
رمزية لها.
وهكذا استجمع
وايزمان عزيمته وقرر الاتصال بشارون مرجحاً أن يتعرض لمزايدة سقيمة
على موقفه الذي يهدف إلى إنقاذ المفاوضات. غير أن وايزمان فوجئ بأن
شارون اتفق معه في تقديره للموقف وأيد وجهة نظره القائلة إن معاهدة
سلام مع مصر أهم بكثير من بضع مستوطنات يمكن إقامة العشرات بل المئات
مثلها وأفضل منها في مواقع أخرى في داخل الضفة الغربية وقطاع غزة وفي
هضبة الجولان. فالمستوطنات قابلة للتعويض، بخلاف المعاهدة التي كان
الوصول إليها مع مصر متوقفاً على قبول الشرط الأخير الذي وضعه
السادات وأصر عليه ورفض أية مساومة في شأنه، وهو إزالة مستوطنات
سيناء كاملة غير منقوصة، لأن وجود مستوطنة واحدة مثل احتلال الأرض
كلها. فوجئ وايزمان بتعهد شارون أن يحث رئيس الوزراء بيغن على قبول
إزالة المستوطنات وتوقيع إطاري كامب ديفيد مع مصر تمهيداً لإبرام
معاهدة السلام. لم يتعهد شارون بذلك فقط، بل ألزم نفسه بأن يقدم
لبيغن الغطاء السياسي الذي يريده ويحميه من الهجوم الذي خاضه
والمزايدات التي خشيها، وأن يعلن أنه شريك معه في اتخاذ هذا القرار،
وأن يبذل أقصى جهده لإقناع رافضي التخلي عن المستوطنات واستغلال كل
ما لديه من نفوذ عليهم. ونفذ شارون فعلاً ما التزم به، فلعب أهم دور
في إنقاذ المفاوضات التي حولها موقفه هذا من حال إلى حال.
كانت هذه
مفاجأة لوايزمان ربما لأنه لم يكن قد عرف حتى ذلك الوقت طبيعة تفكير
شارون، إذ لم يمض على تزاملهما في الحزب ثم الحكومة إلا فترة قصيرة.
ربما كانت صورة شارون عنده هي نفسها المرسومة له لدى الغالبية
الساحقة من العرب اليوم، وهو أنه مجرد "بلدوزر" يجتاح كل ما يصادفه
ولا يتوقف على الطريق.
وهذا انطباع
يعبر عن أحد وجهي شارون فقط، ويغفل الوجه الآخر وهو السياسي المحنك
الذي يعمل طول اليوم وجزءاً من الليل دون كلل، ويمتلك رؤية
استراتيجية يتحرك على أساسها. وما تاريخ شارون إلا تقلباً بين هذين
الوجهين ومراوحة بين الفاعلية والإنجاز في المهمات التي اضطلع بها
وأداها بحنكة رجل الاستراتيجية من ناحية، وبين الأخطاء والخطايا
الناجمة عن اندفاعة "البلدوزر" حين يتحرك من دون رؤية.
وقد رأينا،
في بعض الأحيان، الوجهين معاً في الفترة نفسها. وحدث ذلك خصوصاً في
الفترة التي حقق فيها أحد أكبر مكاسب "إسرائيل" الاستراتيجية على
الصعيد الدولي، وهو اتفاق التعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة
في نهاية عام 1981، وتسبب في إحدى أكبر الخسائر التي منيت بها
"إسرائيل" منذ حرب 1973 وهو قرار غزو لبنان عام 1982.
فكثيرة هي
المكاسب التي حصدتها "إسرائيل"، وما زالت، من تعاونها الاستراتيجي مع
أميركا. وكان هذا التعاون ثمرة عمل مخطط قام شارون بدور بارز فيه ثم
كان له الفضل الأول في إقناع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان به
بل في إثارة حماسه له عندما وقف أمامه شارحاً ما يمكن أن يعود على
الولايات المتحدة بسببه. ذهب شارون، مع بيغن، إلى واشنطن حاملاً معه
خرائط ورسوماً توضيحية فردها أمام الرئيس الأميركي الذي كان يهوى
الصورة أكثر من الكلام، فاستهواه منطق شارون وأعجبته فكرة أن تكون
"إسرائيل" هي حاملة الطائرات الثابتة للولايات المتحدة في منطقة
الشرق الأوسط.
لم تكن
"إسرائيل" قد أصبحت حتى ذلك اليوم أداة "الامبريالية الأميركية" في
هذه المنطقة، بخلاف ما قيل كثيراً في الخطب العربية "الثورية" منذ
الخمسينيات. اعتمدت "إسرائيل" لفترة طويلة على دعم أوروبي أكثر من
كونه أميركياً، قبل أن يتبدل موقف فرنسا والولايات المتحدة تجاهها
إبان حرب 1967. وعلى رغم أن هذا التبدل جعل "إسرائيل" أكثر اعتماداً
على الدعم الأميركي في سبعينيات القرن الماضي، ظل هذا الدعم سياسياً
وتسليحياً بالأساس حتى نجح شارون في وضع "إسرائيل" في قلب
الاستراتيجية الأميركية في ذلك الوقت.
كان ريغان هو
الرئيس الأميركي الأكثر عداء للاتحاد السوفييتي السابق منذ تأسيس هذا
الاتحاد عام 1917. اعتبره "إمبراطورية الشر" وعمل لتغيير قواعد
اللعبة الدولية ذات القطبية الثنائية والاتجاه بها صوب مواجهة أكثر
صراحة وإطلاق سباق تسلح يعتمد على تكنولوجيا أكثر تقدماً على نحو
يرهق السوفييت ويكشف اختلالات نظامهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ولذلك كانت أذناه مفتوحتين دائماً لأي طرح يقترب من موقفه هذا. وهذا
هو ما ركز عليه شارون في تسويقه فكرة التعاون الاستراتيجي إذ ربطها
باستراتيجية ريغان ضد موسكو ربطاً محكماً.
لقد نقل هذا
التعاون، الذي سعى إليه شارون، "إسرائيل" إلى مرحلة نوعية جديدة
تماماً على صعيد التكنولوجيا العسكرية وما يرتبط بها من صناعات
مغذية، وفتح أمامها الأبواب للوصول إلى آخر مدى ليس فقط في الحصول
على هذه التكنولوجيا ولكن أيضاً في الإطلاع على أسرارها والمشاركة في
تطويرها.
قارن ذلك بما
فعله شارون بعد شهور قليلة عندما أصر على غزو لبنان في يونيو 1982
والوصول إلى بيروت للقضاء على المقاومة الفلسطينية والقوى المناصرة
لها. فقد لجأ إلى نوع من التحايل، بل الخداع، لتنفيذ خطته وتجاوز ما
قرره مجلس الوزراء الإسرائيلي حينئذ، وهو ألا يتجاوز الجيش
الإسرائيلي 40 كلم في توغله في لبنان.
كانت هذه
مغامرة كبرى يفترض أن يعرف استراتيجي محنك مثل شارون أن خسائرها تفوق
أية مكاسب لها، لأنها وضعت جيشاً نظامياً في مواجهة مباشرة ضد منظمات
وجماعات تجيد فنون حرب العصابات وتستطيع تكبيده خسائر موجعة مهما
اقتصر عليها. وهذا هو ما حدث على مدى سنوات متوالية صار جنوب لبنان
خلالها مصدراً لأكبر ألم أصاب "إسرائيل" منذ حرب 1973. وإذ توالت
الخسائر الناجمة عن مغامرة شارون، اضطر رئيس الوزراء السابق أيهود
باراك لاتخاذ قرار صعب بالانسحاب من جانب واحد ومن دون مفاوضات في
مايو 2003.
هذا هو شارون
إذاً بوجهيه المختلفين إلى حد التعارض. وهذا هو ما يستدعي المفارقة
الكبيرة حين نتذكر دوره الذي أنقذ مفاوضات كامب ديفيد في اللحظة
الأخيرة وأتاح توقيع الإطار الثنائي ثم معاهدة السلام مع مصر، ثم
ننظر حولنا اليوم فنجده يتفنن في تدمير أية محاولة لإنقاذ عملية
السلام واستعادة المسار التفاوضي مع الفلسطينيين.
إنه هو شارون
ذو الوجهين.
|