لا تصدقوا أن شارون يمكن أن يعتدل
وليد أبو بكر
صحيفة
الوطن القطرية 19/12/2004
أي حديث عن
اعتدال حط على رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يمكن أن يكون إلا حديث
خرافة، لا يجوز للفلسطيني، أيا كان موقعه، أن يصدقه، وأي حديث عن ضغط
دولي، ورغبة أميركية، لن يكون مختلفاً، لأن الموقف الأميركي ذاته
يرسم في مكتب شارون، ولأن التأثير الأوروبي ليس جاداً حتى الآن، ولن
يكون قادراً إذا لم يأخذ طريق الجد، الذي يمكن أن يؤثر في "إسرائيل"
حتى تحت الرعاية الأميركية، بسبب تفاوت المسافة من ناحية، وتنوع
العلاقة من ناحية أخرى.
والتفاؤل
الذي ينظر بعض الفلسطينيين من خلاله إلى الأيام المقبلة، لا يوضع في
مكانه، لأن شيئاً جديداً في شارون، وسياسة حكومته، لم يتغير، وليس
هناك ما يمكن أن يتغير، حتى وإن صدر عنه حديث الوعود الذي يعرف
المواطن الفلسطيني كيف تفسر على الأرض، عندما يحين أوان التفسير
الجدي.
عندما رد
وزير الخارجية الإسرائيلي على أسئلة مجموعة من السخفاء العرب، التي
وجهت إليه عبر الإنترنت، لم يسمع أحد منهم ما يسره: فهدية مصر (
إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام) التي رفعت شيئاً من أسهم
شارون المنهارة في بلاده، لم تكن في عرفه هدية تستحق الشكر، لأن
الجاسوس الذي حكم عليه القضاء المصري لم يفعل شيئاً، ولم يكن من حق
مصر أن تقاضيه أو أن تحجز حريته، وينطلق ذلك من قناعة اليمين
الإسرائيلي، أن من حق "إسرائيل" أن تدافع عن نفسها بكل الطرق غير
المشروعة، في كل مكان في هذا العالم، وعلى العالم أن يغفر لها
الاغتيال والخطف والتجسس، وعليها أن تفخر بقدرتها على كل ذلك.
وسيلفان
شالوم، التونسي الأصل، يتعلق بأذيال هذا اليمين، ويردد مقولاته، ما
دامت مصلحته الشخصية مرتبطة به، وما دام ذلك يضمن له كرسياً في وزارة
الخارجية، لا يستطيع أن يملأه، كما يعرف الإسرائيليون، ولكنه يصل
إليه بقوة الدعم الذي توفره له جهات يمينية معينة يرتبط بها من خلال
موقع زوجته المؤثر، باعتبارها وريثة أكثر الصحف الإسرائيلية انتشاراً
وثراء، وهي الصحيفة التي وفرت مكانا للأسئلة والإجابات.
أما التنكيل
بالفلسطينيين في الشوارع والبيوت وعلى الحواجز التي يهانون فيها مئات
المرات كل يوم، فلا يجد شالوم لإسرائيل ذنباً فيه، بل هو ذنب
المسلحين، ولو أن الفلسطينيين قبلوا بالاحتلال، كما كان الأمر من
قبل، لما كانت هناك ضرورة لمثل هذه الحواجز، لأن اليمين الإسرائيلي
الذي ينطق باسمه، يرى أن من حق "إسرائيل" أن تحتل وتحكم، وأنه ليس من
حق الفلسطيني أن يقاوم.
قبل أن يرحل
الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، كان هو الشماعة التي تعلق عليها
"إسرائيل" كل تصرفاتها الوحشية تجاه الأرض الفلسطينية والناس، وفي
فترة الانتقال للبحث عن شماعة أخرى، ليس هناك سوى المقولات الصهيونية
القديمة التي تقول إن اليهودي عاد إلى أرضه بعد آلاف السنين، وإنه لا
يحق للفلسطيني أن يعود إلى أرضه بعد بضع سنين من طرده منها!
هذا المنطق
الأعوج، الذي تؤيده إدارة أميركية أكثر اعوجاجاً، هو الذي يقود سياسة
"إسرائيل" القديمة والحالية، وهو منطق لن يتغير بمبادرة منه، ولكن
الضغوط التي يواجهها هي التي يمكن أن تجعله يختار أن ينحني قليلاً
حتى يستطيع أن يعود إلى سيرته الأولى، مع عودة الظروف المناسبة.
ما هو مطلوب
في مثل هذا الشأن هو أن تبقى الظروف، بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي
غير مناسبة، بكل الطرق المتاحة، ما هو سهل منها، كالمقاومة السلمية
وانتظار الضغط الدولي، وما هو صعب مما يحول حياة الاحتلال إلى جحيم،
أيا كانت النتائج على الذين يقاومونه، لأنها ستكون أخف وطأة من تكريس
الاحتلال، ومن الحاجة إلى جحيم أعمق من أجل مقاومة لا بد وأن تكون في
المستقبل.
ما حدث في
جنوب لبنان دليل، لقد «هربت» "إسرائيل" من جنوب لبنان، بسبب الجحيم
الذي خلقته المقاومة اللبنانية فقط، لأن كل دعاة التهدئة، وكل جيش
العملاء الذي شكلته هناك، لم يستطع أن يحمي جنودها من الموت، في
مقابل الموت الذي كانت تزرعه في حياة الشعب اللبناني، في الجنوب وفي
غيره، وقد سمعت أصوات تتحدث عن لا جدوى المقاومة، لأسباب تبدو منطقية
بسبب الخوف على استمرار معاناة الناس، لكن هذه الأصوات تتناسى أن
الناس أنفسهم هم الذين ولدت المقاومة منهم وبينهم، وأنهم كانوا
يعرفون أنها ولادة في العذاب، وهم يعرفون الآن جيدا أن أي غياب
للمقاومة سيجعل "إسرائيل" تعود إلى الجنوب اللبناني فوراً، لأنها
تطمع في مياهه من ناحية، ولأنها بطبيعتها قائمة على التوسع.
النية للخروج
من غزة ليست مختلفة، ولا هي خالصة أيضاً: إنها الهروب من جحيم آخر،
لولا وجوده لما فكر اليمين الإسرائيلي بأن يتحرك خطوة واحدة، أليست
غزة جزءاً من أرض "إسرائيل" الكبرى، التي يؤمن بها هذا اليمين،
ويرددها كل الوقت، حتى وهو يفكر بالهروب من غزة؟
إن الذي يقف
على رأس الحكم في "إسرائيل"، وبعض من حوله فقط، يعرف معنى هذا
الجحيم، لا بالموت الذي يراه جنوده كل يوم وحسب، وإنما يما تسير إليه
«دولته» حثيثاً، من جمود اقتصادي قد يؤدي استمراره إلى انهيار لا
ينفعه ضخ الدعم الأميركي، ومن عزلة سياسية كادت تؤدي إلى مصير جنوب
إفريقيا، لولا الدعم الأميركي بالمبادرة والضغط على الآخرين، حتى ولد
مشروع خريطة الطريق من أجل أن تقتله حكومتا اليمين الأميركي -
الإسرائيلي، ليخرج من رحمه مشروع الانفصال من طرف واحد، هو مشروع
شارون للخروج من غزة الكثيفة السكان والمقاومة، ومحاصرتها داخل سجنها
الكبير من خارجها، وعودة الانقضاض عليها عندما تحين الفرصة من جديد،
ويضمن غياب المقاومة.
الخروج من
غزة مجرد طعم يلقى للجانب الفلسطيني، ويجعل العالم ينشغل به زمناً
تستغله حكومة شارون في إرساء المزيد من دعائم احتلالها للأرض
الفلسطينية، بالاستيطان والضم واستكمال الجدار العنصري، بينما العالم
يبتسم لقدرته على إرساء دعائم السلام، والجانب الفلسطيني الرسمي يرضى
عن نفسه، تكراراً للنصر الذي دافع عنه كثيراً عندما تحقق في أوسلو.
لن يقال شيء
في ذلك سوى أن أي إقدام فلسطيني على عملية السلام، دون حذر، وبتفاؤل
من أي نوع، سيكون سقوطاً في أوسلو أخرى، قد يجلب الزعامة المؤقتة
والمال والمراكز لقلة من الوجوه الجديدة، ولكنه سيوقع الشعب
الفلسطيني العربي، ومن معه أيضاً، في حفرة أشد عمقاً من تلك التي
حفرتها اتفاقات أوسلو التي حظيت في حينها بالكثير من الدفاع عنها،
ممزوجاً بكثير من التفاؤل الذي ذاق الشعب مرارته، في حين ذاقت قلة
منه بعض الحلاوة.
شارون، في
حديثه في هرتسليا، مثل وزير خارجيته في إجابته على بعض السخفاء من
المتفائلين العرب، يمنحنا صكاً يقول بوضوح كامل إن التفاؤل ممنوع،
حتى في حدوده الدنيا، وهو لا يكتفي بأن يضع سياسته التي لا تقبل بأي
حد أدنى يمكن أن يقبله فلسطيني، حتى وإن كان الموساد الإسرائيلي قام
على تربيته، ولكنه يهدد المستقبل بكامله، حين يرسم خطوطه من طرف
واحد، كما رسم خطوطاً مشروعه تجاه غزة، ويقوم فوق ذلك باستخدام
التهديد الأميركي الذي يلغي كل دور للعالم، ويكرس احتلال الأراضي
الفلسطينية إلى الأبد، ويدعو الشعب الفلسطيني، بعد قرن من المقاومة
والتضحيات، إلى أن يدفن نفسه تحت تراب الاحتلال، وأن يكون راضياً،
ومرضياً عنه، من قبل اليمين الإسرائيلي، والإدارة الأميركية التي تشد
على يده في فلسطين، ليشد من أزرها، ويبرر أعمالها، في العراق الآن،
وفي أي مكان آخر بعد ذلك.
شارون يريد
كل قطعة قابلة للحياة في فلسطين كلها، وهو بذلك لا يقبل بأن تكون
للفلسطينيين حياة على أرضهم، ويدعوهم، عبر ذلك، وعبر ممارسات جيشه
ومستوطنيه، إلى الرحيل، ويسمح لبعض زبانيته بتسريب مشروعه القديم حول
الأردن الفلسطيني، وهو في الوقت ذاته يستمر في الاغتيال والاجتياح
وهدم البيوت وتهديد الناس وتعذيبهم على الحواجز ومصادرة أراضيهم أو
منعهم من الوصول إليها حتى تموت ويموتوا.
هل في شيء من
هذه الصورة التي تؤذي الفلسطيني حاضراً ومستقبلاً ما يدعو إلى
التفاؤل؟ هل فيها ما يشير إلى ضوء في آخر النفق، التعبير الذي يحبه
المفاوضون الفلسطينيون ويكررونه حتى صار دون معنى؟ هل يمكن أن تعد
بشيء، ولا نقول تؤدي إليه، حتى تقابل باستعداد من أحضان تلقي بكل
قدرتها على الصمود والمقاومة؟ هل يوجد فيه مجرد وعد خيالي، يسمح
بالحلم؟
قال صائب
عريقات، المفاوض الفلسطيني الأول، رداً على خطاب شارون الذي يشرح فيه
سياسته الحقيقية، من أجل أن يستعيد اليمين، وهو هدفه الرئيسي دون كل
الأهداف: شارون متفائل حين يظن أن هناك أي فلسطيني يقبل بما وضعه
كسياسة للإملاء، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل الفلسطيني يتفاءل،
هو أن يمتنع كل فلسطيني عن التفاؤل، وأن يقدم تنازلاً من أي نوع،
انطلاقاً من هذا التفاؤل، في هذا الوضع بالذات، في هذا الزمن بالذات،
مع وجود هذه الحكومة الشارونية، وراعيتها الأكثر شارونية في البيت
الأبيض.
|