الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

طاقية الرعب

 

محمد الحمادي

صحيفة الاتحاد الإماراتية 27/10/2004

 

بعد الضجة الكبرى التي أثارتها تصريحاته حول "إسرائيل" واليهود وكتابه الأخير "جدار شارون" والذي جاء فيه أن "إسرائيل" دولة عنصرية وقوله: أين كان أكبر غيتو في العالم؟ كان في البندقية. من أنشأه ؟ إنهم اليهود لعزل أنفسهم عن البقية وبعد ذلك وضعتهم أوروبا في غيتوهات –معازل-. اضطر الصحافي الفرنسي آلان مينارغ (57 عاماً) نائب مدير عام إذاعة فرنسا الدولية "راديو فرانس أنترناسيونال، ار.اف.اي" ونائب رئيس إذاعة مونتي كارلو- الشرق الأوسط إلى تقديم استقالته يوم 18/10/2004 لامتصاص ردود الفعل العنيفة لدى جمعيات يهودية فرنسية ووزارة الخارجية الفرنسية وبعد ضجة دبرتها مجموعة من اليهود الطائفيين الذين لا يحتملون أن يوجه أي انتقاد لإسرائيل.

 

بعد يومين من هذه الاستقالة رفضت الحكومة النيوزيلندية السماح للمؤرخ البريطاني ديفيد إرفينغ الذي اشتهر بإنكاره حدوث الهولوكوست "المحرقة النازية لليهود" من دخول أراضيها. وهو ممنوع أيضاً من دخول ألمانيا وأستراليا، لأنه يرجح أن تكون حوادث تدنيس القبور اليهودية من عمل أشخاص يهود أو الموساد في مسعى لإثارة القلاقل بعد القبض على الجاسوسين في أوكلاند للاشتباه بأنهما يعملان لصالح جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" لمحاولتهما الحصول على جوازات سفر نيوزيلندية مزورة.

 

وفي فرنسا صعد اليهود حملتهم لمكافحة العداء للسامية وقرر الطلبة اليهود الفرنسيون إقحام المسيح ووالدته مريم العذراء في هذه الحملة واستخدم الطلبة في إطار حملتهم هذه صوراً للمسيح كتب عليها بخط عريض عبارة "يهودي قذر" وأخرى للعذراء تحمل العبارة نفسه وبرروا اللجوء لهذا الأسلوب المثير للصدمة، إلى أنهم يريدون تحويل مكافحة اللاسامية إلى واحدة من القضايا الوطنية الكبرى، على غرار الحملات من أجل مكافحة "الإيدز" والتدخين.

 

في أبريل الماضي وضعت خمس وخمسون دولة و220 منظمة غير حكومية نفسها في خدمة العنصرية اليهودية في مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا الذي عقد في برلين تحت عنوان: الوقوف ضد معاداة السامية وناقش مكافحة العداء للسامية، وتشجيع التسامح، ودور التعليم، ودور وسائل الإعلام مع شبكة الإنترنت.. وقد افتتحه الرئيس الألماني "يوهانس راو" وحضره وزراء خارجية على رأسهم كولن باول وممثلون عن دول عربية وإسلامية وخلص المؤتمرون إلى بيان وخطة عمل، وفي بيانهم ذاك قرنوا العداء للسامية بالعداء للديمقراطية!

 

في الولايات المتحدة اعتمد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش - بعد أيام قليلة من صدوره من الكونغرس - قانوناً، يقضي بأن تتولى الولايات المتحدة مراقبة الأقوال والأفعال التي تعادي اليهود في أي مكان في العالم، ويلزم القانون وزارة الخارجية بوضع تقرير سنوي حول معاداة السامية في العالم ونشره في إطار تقريرها حول حقوق الإنسان، كما ينص على إنشاء دائرة داخل الوزارة تكلف إحصاء الأعمال المعادية للسامية ووضع استراتيجيات لمكافحتها. وستكلف الدائرة تفصيل أعمال العنف الجسدي الموجهة ضد يهود أو أملاك يهودية وأعمال تدنيس مقابر أو معابد يهودية، فضلاً عن إحصاء حالات الدعاية المعادية لليهود، كما يتضمن القانون تعيين مبعوث دبلوماسي خاص لمراقبة انتقاد اليهود والعمل على حمايتهم في دول العالم.

 

وهذه أول مرة في التاريخ تشرع فيه دولة قانوناً ليس لحماية مواطنيها بل لحماية فئة معينة من دولة أو دول أخرى الأمر الذي يبعث القلق في العالم بأسره وخصوصاً تلك الدول التي ترى أن شؤون مواطنيها اليهود من شؤونها الداخلية، وبهذا القانون تمنح أميركا نفسها حق انتهاك سيادة دول مستقلة.

وبعد هذه الخطوة لا نستبعد أن تدفع "إسرائيل" الولايات المتحدة لإصدار قرار من مجلس الأمن يتناغم مع هذا القانون ليصبح القانون الأميركي قانوناً دولياً ينتفع به بضعة ملايين من البشر ليس لشيء إلا لأنهم يعتبرون أنفسهم أفضل من غيرهم من البشر وأنهم فوق الانتقاد!.

 

سواء في الشرق أو الغرب الجميع يعرف أن معاداة السامية ليست إلا مغالطة تاريخية أطلقها زعماء الصهيونية في الغرب للتضليل والاحتماء وراء شعارات لا أساس لها من الصحة لدفع اليهود نحو الهجرة إلى فلسطين تنفيذاً لأفكار هرتزل وتعميم هذا الشعار وإطلاقه على العرب يكشف زيفه لأن العرب هم الساميون ولا يمكن للمرء أن يعادي نفسه. ومعروف تاريخياً أن الساميين انحدروا من صلب سام بن نوح، وأن الطوفان عندما اجتاح سكان الأرض لم ينجُ منه سوى نوح وأولاده الثلاثة: سام وحام ويافث وما حمل معه في سفينته من كل زوجين اثنين. وقد شاعت هذه التسمية وأصبحت علماً لهذه المجموعة من الشعوب منهم العرب واليهود. وهناك رأي يقول إن الشعوب التي أطلق عليها خطأ اسم "الساميين" هي في حقيقة الأمر قبائل عربية هاجرت بفعل العوامل الطبيعية من جزيرة العرب بحثاً عن الماء والكلأ، ومنها تفرعت الأقوام الأخرى، يؤكد هذا القول ما ذهب إليه كثير من العلماء الباحثين في أصل الأجناس والسلالات من أن العرب هم أصل العرق السامي، ومن أرومتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت.

 

لقد صار واضحاً أن معاداة السامية هي اللعبة الاستراتيجية الثانية في الفكر الصهيوني بعد الهولوكوست. فطوال فترة النصف الثاني من القرن الماضي لعب اليهود على حبل الهولوكوست وجنوا مكاسب لها أول وليس لها آخر من هذه المحرقة التي ما يزال البعض يشكك فيها وفي أرقام من أحرقهم هتلر.

 

لماذا تنسى الولايات المتحدة والعالم الغربي خمسين مليوناً من البشر هم ضحايا الحرب العالمية الثانية ولا ينسون اليهود الذين كانوا من ضمنهم؟! واضح أنه بعد أن كانت "إسرائيل" تحتكر معاناة البشرية كلها وتختزلها في الهولوكوست فإنها ستحتكر الاضطهاد وتحصره في معاداة السامية. وهذا ما يكشف كم أن "إسرائيل" دولة عنصرية، بعد عقود كانت تدعي فيها أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقة تتميز بأنظمة حكم ديكتاتورية وشمولية. يكتشف العالم أنها دولة عنصرية لا علاقة لها بالديمقراطية وأنها لا تستطيع أن تعيش إلا بالنعرة العنصرية التي تعيش عليها.

 

"إسرائيل" لم تكن دولة ديمقراطية أو دولة مؤسسات في يوم من الأيام على الرغم من أن حكوماتها منتخبة، فهي دولة دينية ودليل على ذلك أنه خلال (1999-2003) قدم للكنيست خمسة عشر قانوناً عنصرياً يجمعها جميعاً السعي إلى تكثيف تعريف دولة اليهود أو يهودية الدولة. ولا تكتفي "إسرائيل" بعد أكثر من نصف قرن على قيامها بالاعتراف بها كدولة ذات سيادة، بل تطالب بالاعتراف بطابعها القومي- الديني وتجري في الكنيست المحاولة السادسة عشرة لإعداد دستور شامل للدولة اليهودية. وما يردده الإسرائيليون اليوم هو: ليست دولة "إسرائيل" دولة مستقلة ذات سيادة فحسب، وإنما أقيمت كدولة يهودية على أرض "إسرائيل"، لأن عملية إقامتها تمت أولاً وقبل كل شيء بفعل حق الشعب اليهودي الطبيعي التاريخي في أن يعيش، مثل أي شعب، مستقلاً في دولته ذات السيادة. فهل يكون لغير اليهودي مكان في بلد كهذا؟!

 

"إسرائيل" تريد أن تلبس العالم طاقية الرعب والعبودية والندم. وهل هناك أكثر تطرفاً بل ورعباً مما ذهب إليه شارون وحاخامات اليهود عندما قالوا العام الماضي: "من يعادي "إسرائيل" وينتقدها يعادي اليهود وينتقدهم وهو معاد للسامية. ومن ينتقد اليهود يعاديهم. ومن ينتقدهم ويعاديهم ينتقد الرب ويعاديه". هذه الفكرة النابعة من قاع التطرف والعنصرية أصبح الغرب يرددها وستصبح عالمية. ولا أعرف إلى أين يتجه العالم الغربي المتحضر بهذا النفاق الأخلاقي والسياسي عندما يجامل اليهود على حساب شعوب العالم ومن أجل الفوز في انتخابات أو المحافظة على موقع سياسي؟!