"إسرائيل" تدرّب جنوداًَ أميركيين
السير سيريل تاونسند
صحيفة
الحياة 30/8/2004
سمعت منذ
أشهر من العراق أن القوات الأميركية أبلغت صحافيين وغيرهم أن بعض
أفرادها تلقى تدريباً في "إسرائيل" قبل أن يباشر مهماته. وسيبدو هذا
شيئاً طبيعياً ومعقولاً في نظر الأميركيين لأن "إسرائيل" أقرب
حلفائهم، وهي تملك خبرة طويلة في مكافحة الإرهابيين في الشرق الأوسط،
ويحظى جيشها بإعجاب كبير في الولايات المتحدة، وهو جيش أصبح متمرساً
في هذا النوع من الحروب.
لكن موقف
واشنطن واعتبارها الأسلوب الذي تعتمده القوات الإسرائيلية في الضفة
الغربية وغزة، تحت اشراف رئيس الوزراء أرييل شارون، دليلاًً مفيداً
لمقاتلة المتطرفين في النجف والفلوجة والرمادي وكربلاء، شكل صدمة
بالنسبة إلى كثيرين، في بريطانيا كما في العالمين العربي والإسلامي.
ونشرت صحيفة
«جيروسالم بوست» قبل فترة قصيرة تقريراً مفاده أن جنوداً أميركيين
تلقوا تدريباً في مدرسة مكافحة الإرهاب قرب موديعين في ضواحي القدس.
وتابعت «ذي تايمز» الموضوع وحصلت على تأكيد من الدكتور تال توفي، وهو
خبير في حرب العصابات في كلية الأركان العسكرية في "إسرائيل"، بأن
المارينز ووحدات جوالة في الجيش الأميركي قامت بزيارات متكررة إلى
"إسرائيل" للمشاركة في مناورات، وكان هناك تعاون وثيق على صعيد
التكتيكات. وقال توفي في 19 آب (اغسطس) الجاري «لدينا خبرة كبيرة في
حرب العصابات. وأظهر الأميركيون اهتماماً خاصاً بثلاثة مجالات:
استخدام مروحيات «أباتشي» لعمليات قتل مستهدفة، وحرب المدن، وكيفية
القيام بعمليات عسكرية كبيرة في مناطق مكتظة بالسكان. نملك الكثير من
الخبرة في هذا المجال».
ولم يكن
مستغرباً أن نقرأ أنه عندما قام الدكتور توفي بزيارة إلى كلية «ويست
بوينت» العسكرية الأميركية، المرادفة لكلية «ساندهرست» في بريطانيا،
وجهت إليه الكثير من الأسئلة عن هجوم "إسرائيل" المثير للجدل داخل
الضفة الغربية في 2002.
وأرى أنه خطأ
فاضح كبير أن يسعى الأميركيون إلى تبني تكتيكات "إسرائيل". وكان
المجتمع الدولي دان استخدام "إسرائيل" صواريخ موجهة تطلق من مروحيات
لاغتيال أفراد يدعي الإسرائيليون أنهم قادة «حماس» وجماعات متطرفة
أخرى في غزة. ولم يكن الفرد المستهدف قد مثل أمام أي محكمة قانونية،
وفي حالات غير قليلة ارتكبت أخطاء في تحديد هوية الشخص المطلوب، فقتل
شقيقه أو ابن عمه. وفي أحيان كثيرة، قتل أو جرح أشخاص في مكان
الهجوم، من بينهم أطفال صغار. ويعتقد أن الأميركيين جرّبوا طريقة
اغتيال مماثلة في الفلوجة حيث واجهوا، لأكثر من سنة، مقاومة عنيفة.
وأدى استخدام
"إسرائيل" للدبابات في مناطق مكتظة بالسكان إلى مقتل عدد لا يحصى من
الأبرياء. والضفة الغربية ليست نورماندي التي كانت خاضعة للاحتلال
الألماني: على العكس، تتحمل "إسرائيل" بموجب ميثاق جنيف المسؤولية عن
سلامة سكانها. وشاهد العالم على مدى أيام تحرك الدبابات الأميركية في
مدينة النجف المقدسة. وبالطبع، يساعد استخدام الدبابات بهذه الطريقة
على حماية الجنود الإسرائيليين والأميركيين. لكنها تفعل ذلك على حساب
المدنيين في المناطق المأهولة بالسكان.
ويؤدي مثل
هذا الرد العسكري غير المتناسب - إذ إن خصومهم لا يستخدمون دبابات
ضدهم - إلى نشوء مقاومة أقوى في المستقبل. ويتصاعد مستوى العنف على
كلا الجانبين. ومقابل كل متطرف يلقى مصرعه يجنّد عشرة آخرون من
البلدة أو القرية ذاتها. وهناك اجماع دولي بأن استخدام الحد الأدنى
من القوة هو أفضل طريقة لمعالجة مثل هذه الأوضاع الصعبة. ويلعب
التأييد الفعال من السكان المحللين دوراً أساسياً على المدى البعيد.
وينبغي تذكير الأميركيين أنهم يدعون أن وجودهم في العراق لا يهدف إلى
حماية النفط أو "إسرائيل" بل حماية الشعب العراقي.
إنني متأكد
بأن العسكريين الأميركيين يزدرون، وراء الستار، الموقف المرن
«المتساهل» الذي يتبعه البريطانيون في جنوب العراق، إذ يرون إنه أضعف
بكثير مما يجب ويمنح المتمردين هامشاً كبيراً. ويلفت إلى أن القوات
البريطانية لم ترسل أبداً إلى النجف.
وشاركت
القوات البريطانية في عمليات حفظ السلام في أجزاء مختلفة من العالم،
مثل ارلندا الشمالية والبوسنة وبورنيو وعدن وقبرص والملايو، على مدى
أربعين سنة وارتكبت اخطاءً. لكنها أدركت أن السبيل إلى النجاح يكمن
في الحصول على معلومات استخباراتية محلية جيدة، فمن دونها يقاتل
المرء وهو أعمى. وتأتي هذه المعلومات جزئياً نتيجة تحرك "لكسب العقول
والأفئدة"، يؤمّن وجوداً عسكرياً في المنطقة السكنية نهاراً وليلاً
ويعطي احساساً بالأمان. ويتعيّن في بعض الأحيان، بالطبع، أن يوضع مثل
هذا النشاط جانباً فيما يجري التصدي لمجموعة معادية وتدميرها.
لا شك لدي أن
أحد الأسباب وراء غزو القوات الأميركية والبريطانية للعراق كان ضغوط
"إسرائيل" لاطاحة صدام حسين. فقد اعتبر خطراً على "إسرائيل". وسيفاقم
هذا الخطأ الذي ارتكب في البداية التصرف بحماقة بتبني التكتيكات التي
يستخدمها الإسرائيليون ضد المقاتلين الفلسطينيين في العراق. وهو ما
يفسّر، إلى حد ما، تردد بلدان أخرى كثيرة، مثل الهند وباكستان، في
التورط عسكرياً في العراق.
٭ سياسي بريطاني من حزب المحافظين
|