الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

تدمير غزة

 

كاظم الموسوي*

صحيفة الراية القطرية 23/10/2004

 

- هل هدأت الجرافات في غزة؟ وتوقفت الطائرات عن الإغارة؟ وصمت هدير الدبابات والمدافع الصهيونية؟ يوما بعد آخر تتجدد المأساة وتتنوع الكارثة، والجميع موزع بين من يتفرج أو يتواطأ أو يتلفت هنا وهناك. ولا جواب.. المستوطنون في غزة ينعتون شارون نازياً، جورج بوش وصفه رجل السلام. العسكريون الصهاينة يطالبون شارون بوقف العمليات وشارون يصر على استكمالها وبقسوة. تهديدات مختلفة وآلاف أخرى من البشر إلى المقابر أو العراء أو الانتظار. فمتى تنتهي المجازر؟. انتخابات صهيونية في واشنطن وتليها في تل أبيب وتتبعها في لندن وكل انتخابات تسبقها مذابح وصمت وترقب وإعلانات بالهدوء وعدم إزعاج المرشحين والمنتخبين، ومطالبة الضحايا بالصبر والتحمل والأمل.

 

الانتفاضة تحتفل بعامها الخامس، والأسرى يوقفون إضرابهم عن الطعام بعد أن اعلموا العالم بمحنتهم وتزايد أعدادهم وسجونهم وعذاباتهم. الشهداء يرفعون سباباتهم فوق المقابر والصحارى والعراء العربي. أطفال فلسطين يرهبون القتلة ويستشهدون على مقاعد مدارسهم المشرعة الشبابيك، وعلى أبواب بيوتهم المهدمة والمكشوفة للرياح والقنابل والجرافات ورصاص قنص الجنود الهاربين من مواجهة الحجر والخائفين من حقائب الأطفال وطلاب المدارس الصامدين.

 

الرئيس الأمريكي بوش يوقع قانوناً يراقب معاداة السامية، وهو الجاهل بتاريخها ومكوناتها الأساسية. ما هي السامية ومن هم أبناؤها؟ وكيف تقارن أو تعامل معاداتها ومن المستهدف منها وفيها؟ لا يعرف بوش ذلك فهو مشغول بالانتخابات، ويوقع على كل ورقة تقدمها له الآلة الجهنمية التي تدير عجلات وجوده في البيت الأبيض. وتفرض الآلة نفسها عبر فرعها الفرنسي على الإذاعة الفرنسية استقالة نائب مديرها من منصبه لأنه أصدر كتاباً عن جدار الفصل العنصري ووصف دولته بالعنصرية، شارحاً الأسباب ومبيناً العوامل ومنتقدا التجاوزات بنظرة خبير ودراية صحفي عاش في المنطقة وعرف عن كثب مجرياتها. كل هذا ولا يرى بوش ولا كيري في مناظراتهما ما يجري من دم ويحدث من قتل وقصف وتهديم بيوت وتدمير شامل ومنظم ومخطط في غزة. أليس الأمر مقلقاً؟، أو بات واضحاً لدرجة اعتبار الصمت جريمة. والشراكة فيها على الجميع؟. لا أحد يتهرب من المسئولية، الدم الفلسطيني ليس هباء منثوراً، وليس حمالاً لجرائم الآخرين. الذين ارتكبوها وانسلوا عنها، أو أشغلوا أنفسهم بغيره تحت حجج الانتظار ووعود سراب جديد.

 

هل تآكل الوطن الفلسطيني حقاً، وتخلي عنه أهله والأقربون؟. لماذا هذه الشراكة المريبة بالصمت والترقب؟ ماذا سيحصل أكثر مما يجري ويقوم به شارون اليوم؟.

 

بيتر هانسن، مفوض وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الانروا)، من بين القلة التي تصف المحنة، ولأن لا أحد يسمعه ويعرف هو والضحايا ذلك يقول كلمته واضحة عسى أن ترد صدى أو تعد عزماً أو تثير نخوة في غير محل. ما رآه في مخيم جباليا قال عنه بلغة الدبلوماسي الدولي بأنه انتهاك فاضح للقانون الدولي والقانون الإنساني. وهذا الانتهاك جريمة حرب، لها محاكمتها وعواقبها ومعروف سلفا مآلاتها.

 

أكد هانسن أن القوات الصهيونية دمرت ما لا يقل عن تسعين منزلاً وألحقت أضراراً جسيمة بعدد من المدارس التابعة للانروا في مخيم جباليا فقط، خلال فترة العدوان من 28 سبتمبر إلى 15 أكتوبر. وهذا تقييم أولي، لكنه يعني أن مئات الناس الذين قدر عددهم بين 600 و700 سيضافون إلى المشردين البالغ عددهم حالياً عشرين ألفاً في قطاع غزة. وقال: حين أرى هذا الدمار، أتساءل إن كانت الأسرة الدولية ستساعدنا على مواجهته، إننا بحاجة عاجلة إلى مواد غذائية ومياه وتوفير مساكن جديدة للناس .

 

ألم يرسل هانسن هذا الكلام إلى أمينه العام؟، وألم يوزعه الأمين العام على أعضاء مجلس الأمن؟!، وألم تنشره وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية؟، ويقرأه أصحاب القرار من الأسرة الدولية، التي صمتت هي الأخرى على الفيتو/ النقض الذي منعت به الولايات المتحدة الأمريكية إصدار قرار مطالبة الكيان الصهيوني وقف هذه العمليات التي تنتهك القانون الدولي والإنساني واتفاقيات جنيف.

 

منظمة هيومان رايتس ووتش، المتخصصة بحقوق الإنسان ومقرها نيويورك، وغير المحابية للشعب الفلسطيني في تقاريرها ومراقبتها لم تجد أمام الوضع الكارثي إلا نشر تقرير لها يوم 18/10/2004 اعتبرت أيضاً ما ارتكبته قوات الكيان الصهيوني من جرائم بغزة بأنها انتهاك للقانون الدولي، وذكرت: بأن ما قامت به الجرافات من تدمير آلاف المنازل الفلسطينية بصورة غير مشروعة، وبغض النظر عن وجود أية ضرورة عسكرية لذلك، فإنه من أجل إنشاء منطقة عازلة بمحاذاة الحدود بين قطاع غزة ومصر. وتسعى حكومة الليكود إلى تدمير مئات أخرى من المنازل بغية توسيع المنطقة وإخلائها من الفلسطينيين، حتى تمضي قدماً في تنفيذ خطتها للانفصال عن القطاع، ولتسهيل حصول مراقبة عسكرية دائمة لقطاع غزة.

 

وشكك التقرير المكون من 135 صفحة بالمبررات التي قدمها شارون وجيشه إثر هدم أكثر من 2500 منزل خلال السنوات الأربع الماضية. وعدم الاقتناع بمزاعم الحكومة والجيش بأن عملياته تهدف إلى تدمير الأنفاق التي يستخدمها الناشطون الفلسطينيون لتهريب أسلحة من مصر. والمنظمة، من جهتها ومصادرها تحاول تخفيف استنتاجات التقرير رغم بشاعة الصورة التي توصلت إليها، بالإشارة إلى أن تصرفات الجيش الصهيوني تستند على أساس الفكرة القائلة بأن كل فلسطيني هو استشهادي محتمل وكل منزل يشكل قاعدة محتملة لشن هجوم، ولكنها إزاء الوقائع التي لا يمكن وصفها إلا بأنها مخالفة للقانون الدولي والتزامات القوة المحتلة بأن تفرق بين المدنيين والمقاتلين وأن تحمي السكان المدنيين. ودعت الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلي تحميل حكومة الكيان الصهيوني مسؤولية انتهاكات القانون الدولي.

 

كما انتقد التقرير شركة كاتر بلر، ومقرها في الولايات المتحدة، بائعة الجرافات من طراز دي 9، والتي يستخدمها جيش الكيان الإسرائيلي في تدمير المنازل والبنية التحتية الفلسطينية. ودعت المنظمة الشركة إلي وقف مبيعاتها من الجرافات أو قطع الغيار، أو خدمات الصيانة الخاصة بها، ما دامت هذه المعدات تستخدم في عمليات الهدم غير المشروعة، مشيرة إلى أنه يجب على الشركة اتخاذ التدابير اللازمة للتحقق من عدم بيع سلعها وخدمتها عن قصد إلى عملاء يعتزمون استخدامها في انتهاك حقوق الإنسان.

 

هل هناك ضرورة بعد كل ما جرى لذكر إحصاءات عن البشر والحجر والشجر؟، ولكن لابد من القول إن الفاجعة أكبر من الأرقام. وأن الاتحاد الأوروبي لم يقدم مقترحاته لتحريك أجواء خارطة الطريق ولم يطرح شارون خطته أمام المستوطنين من جديد لولا إصرار الشعب الفلسطيني على الصمود والبقاء وقوفاً حتى النصر ونيل حقوقه كاملة في بناء دولته على أرضه وعاصمتها القدس الشريف.

 

قد يدمر شارون غزة، وقد يصمت عليه من يدعمه أو ينتظر دعمه، ولكن أطفالها الذين يقاومون بأجسادهم العارية وبالحجر الدبابات والجرافات لن يدمروا، وتلك هي إرادة الشعب الفلسطيني والقاعدة المعروفة والمستمدة من خبر التاريخ.

 

*كاتب عربي يقيم في لندن