الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

شارون يجدد فكرة الصهيونية

لمحو قرار محكمة لاهاي

 

سليم نصار

 

صحيفة الحياة اللندنية 31/7/2004

 

في رده على قرار محكمة العدل الدولية بشأن عدم شرعية بناء جدار الفصل، حاول رئيس وزراء "إسرائيل" امتصاص الصدمة السياسية التي أحدثها صدور هذا الموقف عن أعلى هيئة قضائية في العالم. وفسر أرييل شارون قرار ثلاثة عشر قاضياً بأنه تعبير جماعي عن ارتفاع موجة العداء للسامية، الأمر الذي حفزه على مطالبة اليهود بضرورة الهجرة إلى "إسرائيل". ثم استغل اجتماعه مع ممثلي جمعيات يهودية أميركية ليحدثهم عن الدوافع الملحة التي تفرض انتقال يهود الشتات إلى وطنهم القومي، ولكنه استثنى يهود فرنسا ليحذرهم من مخاطر ازدياد شعور المعاداة للسامية. وقال في تبرير مخاوفه بأن وجود ما نسبته عشرة في المئة من سكان فرنسا من المسلمين يشكل تربة خصبة لانتاج مظهر جديد من مظاهر العداء لليهود. وهو يدعي أنه استند في دعوته إلى تقارير المؤسسات الرسمية في فرنسا التي سجلت وقوع 766 حادثة اعتداء على مقابر ومعابد يهودية خلال النصف الأول من هذه السنة. في حين سجلت الفترة ذاتها من السنة الماضية وقوع 256 حادثة مشابهة، وبما أن شارون تابع بقلق تنامي أعمال الاعتداء على اليهود في فرنسا، لذلك فتح باب الهجرة إلى "إسرائيل" لأفراد الجالية المقدر عددهم بـ650 ألف نسمة. وهي تعتبر أكبر جالية يهودية في الشتات بعد الولايات المتحدة وروسيا.

 

واستندت الحكومة الإسرائيلية في دعوة التحريض على الهجرة إلى الدور النافذ الذي لعبته فرنسا داخل الجمعية العامة يوم اقنعت دول الاتحاد الأوروبي بالتصويت ضد جدار الفصل. وكانت النتيجة أن أضيف قرار الجمعية العامة (150 صوتاً) إلى قرار محكمة العدل الدولية بحيث وصفهما وزير خارجية "إسرائيل" (سيلفان شالوم) بأنهما خيبة أمل مزدوجة. خصوصاً أن القرارين لامسا المسائل القانونية المتعلقة بالممارسات العسكرية المناقضة لشروط معاهدة جنيف الرابعة. ولوحظ أن قرار محكمة لاهاي ركز على انتقاد الدولة المحتلة التي تتجاهل القيود القانونية وتنظر إلى الضفة الغربية كمنطقة خاضعة لسيادتها. علماً أن هذه المحكمة لم تنف حق "إسرائيل" في حماية مواطنيها، إلا أنها اعتبرت أن المبررات الأمنية لا تعطي المحتل صلاحيات واسعة لوضع اليد على العقارات من دون تعليلات قانونية. كما أنها لا تمنحه الحق في اغلاق مناطق كاملة على سكـانها بعد هدم منازلهم واقتلاع أشجار حقولهم ومنع وصول أولادهم إلى المدارس ومرضاهم الى المستشفيات.

 

السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة (دان غيلرمان)، هاجم قرار الأمم المتحدة بشدة لأنه في نظره، يساعد على نشر الإرهاب عن طريق مطالبة 150 دولة بضرورة هدم جدار أقيم خصيصاً لمكافحة الإرهاب. ويقول الديبلوماسيون العرب في المنظمة الدولية إن اعتراض السفير غيلرمان لا ينحصر في الجانب الأمني فقط، وإنما يتعداه إلى ما هو أخطر على مستقبل دولة "إسرائيل"، أي إلى التذكير بالقرارات الدولية التي سبقت قراري مجلس الأمن 242 و338. ومعنى هذا أن الجمعية العامة ما تزال تعتمد قرار التقسيم الصادر سنة 1947 في تعاملها مع النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وأن كل ما استولت عليه "إسرائيل" بالقوة في حرب 1948 يعتبر في نظرها لاغياً. وكان من الطبيعي أن يثير هذا القرار جدلاً في الكنيست لأن المنظمة الدولية لم تأخذ في الاعتبار حجم المتغيرات التي أحدثتها الحروب وعمليات القضم المتواصلة.

 

إضافة إلى الموضوع الأمني المتعلق بعدم قانونية بناء المستوطنات أو تشييد جدار الفصل، فقد انبثقت عن نداء شارون إلى يهود فرنسا مشكلة جديدة مرشحة للانفجار. ذلك أن التحريض على مغادرة فرنسا خلق شرخاً كبيراً بين الحكومتين. ومع أن الرئيس جاك شيراك أعلن أكثر من مرة أن الخلاف اعتبر منتهياً، إلا أن الجدل القائم في أندية باريس وعلى صفحات الجرائد يشير إلى احتمال تجدد النفور السياسي. والسبب أن شارون يتهم فرنسا باعتماد موقف مناهض لإسرائيل، كما يتهم شيراك بأنه يقف وحكومته وراء تصويت الدول الأوروبية لصالح قرار الأمم المتحدة المعارض لبناء جدار الفصل. وقال للممثل الأعلى للاتحاد خافيير سولانا إن المجموعة الأوروبية تجاهلت مخاطر الإرهاب الذي من أجله شيّدت "إسرائيل" الجدار، وإن القرار المنحاز لن يحصن فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا ضد الاعتداءات الإرهابية.

 

دوائر الاستخبارات في باريس تزعم بأن شارون كان يبحث عن ذريعة لانتقاد حكومة شيراك بعدما فشل في تحريضها على طرد بعض رموز الجالية العربية في فرنسا. ولقد أزعجه أن تكون تحقيقات الشرطة قد رصدت عناصر غريبة اعترفت بأنها كلفت برسم شارة الصليب المعقوف على مقابر اليهود في باريس. وفي هذا الاطار نشرت صحيفة «معاريف» منذ أسبوعين تقريباً الخطوط الرئيسية لتقرير جمعته وزارة الخارجية الإسرائيلية عن المسلمين في أوروبا. ويقول التقرير إن التكاثر الطبيعي للمسلمين الذين زاد عددهم على 15 مليون نسمة، سيزيد من تأثيرهم السياسي والاجتماعي بحيث يصبحون أدوات ضغط على الدول الأوروبية. ويدعي التقرير أن السلطات المحلية تنظر إلى المسلمين داخل مجتمعاتها كتهديد أمني يؤثر على الاستقرار والسلام. ويخلص التقرير إلى التحذير من «الإسلام الأوروبي» الذي يتغذى من نظريات التيارات المتطرفة المعششة في المساجد والشوارع المعزولة المكتظة بالسكان.

 

الديبلوماسيون العرب في أوروبا يفسرون عملية تخويف يهود فرنسا، بأنها جزء مكمل لخطة جدار الفصل. ولقد استغل شارون قراري محكمة العدل الدولية والجمعية العامة كي يرعب الجاليات اليهودية، تماماً كما فعل في الأرجنتين عقب تفجير السفارة الإسرائيلية وانهيار الأسواق المالية. واستطاع خلال ثلاثة شهور اجتذاب عشرين ألف مهاجر من أصل مئتي ألف يهودي في الأرجنتين. واختار لهم مساكن آمنة بعيدة عن ذراع الانتفاضة في مستوطنة «معالي أدوميم» قرب القدس. وكان بهذه المعاملة الخاصة يطمح إلى استدراج أكبر عدد من يهود الأرجنتين الذين اخافتهم عمليات الاستشهاديين. ويبدو أن الانهيار الاقتصادي، زائداً عملية تفجير السفارة التي قتل فيها أكثر من مئة شخص، قد ساهما في هرب ذلك العدد من الأرجنتين.

 

وتقول طهران، المتهمة بالوقوف وراء التفجير، إن «الموساد» افتعل تلك الحادثة لكي يستحث اليهود على الهرب. والهدف من وراء ذلك زيادة عدد المستوطنين الذين بلغوا 245 ألف شخص موزعين على 146 مستوطنة، ويأمل شارون في استقدام مهاجرين من فرنسا ودول أخرى مع وعد بأن سيطرة الدولة داخل جدار الفصل ستؤمن لهم حياة آمنة ومستقرة.

في التعليق على دعوة شارون، كتبت صحيفة «هآرتس» افتتاحية تسخر فيها من رئيس الوزراء وتتهمه بالسقوط في التناقض، لأنه يعتبر مسلمي مارسيليا أشد خطراً من مسلمي الخليل؟ وتتساءل الصحيفة باستهزاء: لماذا لا يدعو شارون مستوطني الضفة وغزة للهجرة إلى "إسرائيل" قبل أن يدعو الجالية اليهودية للفرار إلى الدولة اليهودية؟!

 

كذلك كتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالاً هاجمت فيه شارون لأنه أحرج يهود فرنسا عندما طالبهم بالولاء المزدوج، وأكد مزاعم الصهيونية بأن أجسام الأمم الأخرى ترفض أي زرع يهودي. وقالت الصحيفة أيضاً إن ما كان صحيحاً في فترة هرتزل لم يعد صحيحاً اليوم، خصوصاً أن شريحة كبيرة من يهود الشتات تعتقد بأن "إسرائيل" ليست أكثر من سفينة مثقوبة لا يجوز القفز إليها حتى في أسوأ الأحوال.

 

الصحف الفرنسية انتقدت شارون لأنه في نظرها يطالب أوروبا بتقليد موقف الولايات المتحدة المنحاز دائماً لإسرائيل. ولكن هذا المطلب لا ينسجم مع رؤية أوروبا التي تتطلع إلى النزاع العربي - الإسرائيلي كمشكلة احتلال، بعكس واشنطن التي تنظر إليها كأرضٍ متنازع عليها وكنتاج مواجهة بين الإسلام والغرب.

 

ولقد ازدادت هذه القناعة بعد انهيار الايديولوجيات الكبيرة، بحيث أصبحت حقوق الإنسان وسلطة القانون والمؤسسات الدولية هي البديل في نظر أوروبا من كل الأيديولوجيات. إضافة إلى هذا، فإن الاتحاد الأوروبي يتطلع إلى أزمة الشرق الأوسط كصراع تاريخي، ديني، قومي، يختزل مصالحه الحيوية ويسعى إلى محو رواسب كارثة اليهود في ألمانيا عن طريق منع "إسرائيل" من اضطهاد الفلسطينيين.

 

آخر السنة الماضية وزعت المفوضية الأوروبية في بروكسيل بياناً يتضمن نتائج استطلاع الرأي الذي أجراه الاتحاد الأوروبي وشمل 16 ألف مواطن. وأظهر الاستطلاع أن ستين في المئة من الأوروبيين يشعرون بأن "إسرائيل" تهدد السلام العالمي أكثر بكثير من إيران وكوريا الشمالية وأفغانستان. وفسرت الغالبية الساحقة موقفها بأنه نابع من أعمال الاضطهاد التي تمارسها "إسرائيل" ضد الشعب الفلسطيني. واقترح بعض المشتركين في الاستطلاع أن تبادر الأسرة الدولية إلى مواجهة الاحتلال بوسائل رادعة مثلما واجهت في السابق نظام جنوب أفريقيا العنصري. ووصفت صحيفة «لوموند» حصيلة الاستطلاع بأنها نتيجة طبيعية «لعولمة المشاعر». وقالت إن التغطية التلفزيونية التي تصل إلى كل زاوية نائية من العالم تتمخض عن تضامن عاطفي عميق في أوساط المجموعات العرقية المختلفة. ومعنى هذا ان الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي قد خرج عن حدوده المعروفة وتحول إلى مسألة داخلية أوروبية تؤثر على التسويات الوطنية التي يرتكز عليها التوازن بين اليهود وسواهم. ومع أن اقامة دولة "إسرائيل" منذ 56 سنة خفف من موجة العداء للسامية، إلا أن اضطهادها للفلسطينيين ولّد مشاعر مضادة ليهود "إسرائيل" ولليهود الأوروبيين المؤيدين لمواقفها. وربما كان فوز الفيلم «حواجز» بالجائزة الكبرى في مهرجان السينما الوثائقية في أمستردام، أفضل دليل على تعاطف أعضاء لجنة التحكيم مع الفلسطينيين الذين يعانون من قسوة جنود الاحتلال على «الحواجز» الفاصلة.

 

يجمع المراقبون الحياديون على القول بأن دعوة شارون ليهود فرنسا قد أحدثت بلبلة في أوساطهم لأنه خيرهم بين الهوية الصهيونية التي تنمو داخل "إسرائيل" فقط، وبين الهوية الفرنسية. وحسمت الأكثرية هذا الأمر بالاعتراف أن الهوية الفرنسية هي الأصل، بينما اليهودية هي لباس ديني - ثقافي يمكن ارتداؤه في أي وطن. ودخل الرئيس جاك شيراك على خط النقاش ليحذر من افتعال أزمة وهمية تقود إلى خلق مناخ معاد للسامية يستفيد منه شارون لتغطية أعماله ضد الفلسطينيين. ونبه في تحذيره من استغلال هذا الموضوع الحساس مذكراً أن فرنسا كانت أفضل من إيطاليا وألمانيا وبولندا وروسيا في تعاملها مع اليهود. وكان بهذه الملاحظة يشير إلى فترة الامارات الاقطاعية في القرنين الحادي والثاني عشر، أي عندما منحوا امتيازات خاصة كتلك التي تمنح للفرسان. كذلك كان يشير إلى سنة 1791 يوم منحتهم الجمعية الوطنية المساواة الكاملة كمواطنين.

 

ويبدو أن شارون في تحذيره قد أغفل تلك المراحل التاريخية، وراح يذكّر يهود فرنسا بمحاكمة الضابط الفرد درايفوس (1894) الذي تحولت قضيته إلى شرارة أشعلت فكرة الصهيونية في رأس هيرتزل.

وواضح من نداء شارون أنه يريد تجديد فكرة الصهيونية عبر فرنسا لاعتقاده بأنها ساهمت في اصدار الحكم ضده في محكمة العدل الدولية!

 

٭ كاتب وصحافي لبناني.