|
كل الطرق تؤدي إلى القتل والاستيطان
وليد
أبو بكر
صحيفة
الوطن القطرية 12/9/2004
حيثما تطلع
الفلسطيني حوله سيكتشف أن شارون يسرع إلى تنفيذ المخطط الذي عاش من
أجله كل حياته، وتبناه، ودعا إليه، ودافع عنه، رغم كل التصريحات التي
تختلف عنه، مما يصدر عنه بين حين وآخر، في محاولة لتهدئة غضب هنا، أو
اعتراض هناك، أو ترضية لهذا الطرف الذي يعنيه ويتطلع إلى دعمه في
تحقيق هذه المخططات التي تشكل قناعة لديه، لم تتبدل منذ مطلع شبابه.
حيثما تطلع
الفلسطيني الآن، يستطيع أن يرى أن سياسة شارون، بعد أن قرر الإبقاء
على اليمين حاكماً، وأهان حزب العمل المعارض بقدر ما يستطيع، تدور في
حلقتين لا ثالث لهما، كل حلقة تكاد تقود إلى الأخرى، أو تتصل بها:
الحلقة الأولى تتعلق بالمزيد من العنف الذي تشهده المناطق
الفلسطينية، والذي يتحول كل يوم إلى مزيد من المجازر التي تحصد معها
الكثير من الأرواح في كل مكان، بدءاً من مناطق القطاع، التي لا تمر
ساعة واحدة دون أن تشهد عدواناً في أجزائها المختلفة، والتي يتزايد
عدد الشهداء فيها يوماً بعد يوم، ليشكل سابقة توحي بأن ما سبق التنبؤ
به من أن شارون سوف يستغل الانشغال الأميركي في الانتخابات، والضعف
الدولي أمام الهيمنة الداعمة لإسرائيل، لتحقيق أكبر نسبة مما يحلم
به، يختتم بها حياته السياسية، وهو تنبؤ سوف يستمر، ولن يكون لأحد
شرف السبق إليه، لأنه بديهي تماماً، ويشكل محصلة طبيعية لأفكار شارون
وقناعته، وكل السلوك الذي اختاره لنفسه عبر تاريخه كله.
والمجازر لا
تتوقف عند حدود غزة وما حولها، ولكنها تمتد إلى كل المساحات، وتتحول
الجنازات إلى عادة يومية، لا تختلف عما كانت عليه مع مرحلة الاجتياح
الأولى، بل تقوم بتكرارها، لأن الاجتياح لا يكاد ينتهي من مساحة حتى
يعود إليها، ولا يكاد يهدأ في مكان، حتى يتفجر في مكان آخر: من جنين
إلى نابلس إلى قراهما جميعاً، مروراً بعد ذلك بقلقيلية وصولاً إلى
الخليل، بعد التعريج على رام الله، حتى ولو بقتل الناس بالجيبات
العسكرية، ثم تطاولاً على أريحا، التي قيل إنها أكثر المدن ارتياحاً
من الاحتلال، الذي يكرهها تاريخياً كمدينة، ولكنه لا يكره أن يقتل
أبناءها أو العاملين فيها.
وقد كان
شارون يسمع الاعتراض من هنا أو هناك في هذا العالم، ويتصرف كأنه لا
يسمع، وكانت تصل شارون كلمة عتاب خافتة من الإدارة الأميركية
المتحمسة لكل ما يفعل، حين تشعر بأنه يحرجها أمام العالم، فيهدأ
قليلاً، وهو يعرف أن اللحظة التي سيحسن فيها التعامل مع الإدارة
الأميركية الحالية لن تكون بعيدة، وقد تعود أن يكون تطويع هذه
الإدارة لما يريد، في منتهى السهولة، إلى الحد الذي لم يعد معه يبذل
أي جهد، أو يمنحه أي وقت للتفكير، لأن ما يقوله يتحول إلى قناعة على
فم الرئيس الأميركي المعجب، ويصبح جزءاً من سياسته، ولو كره ذلك
العالم كله.
من هذا
المنطلق، تمتد يد شارون بالقتل في كل اتجاه، لأنه يملك رخصة لذلك تحت
عنوان أميركي اسمه محاربة الإرهاب، بدأت تنضم إليه بعض الدول
المتهالكة، ومن هذا المنطلق أيضاً تتجه نية شارون إلى تطبيق الجزء
الآخر من سياسته القديمة التي لم تتغير، وهي سياسة تسمين الاستيطان،
بحيث لا يبقي أية فرصة لإقامة دولة فلسطينية، كما تدعو كل القرارات
الدولية والمبادرات، بما في ذلك خريطة الطريق التي تستمر الإدارة
الأميركية في التبجح بأنها ما زالت تتبناها.
وفي الوقت
الذي يزعم فيه شارون أن خطته للانسحاب من غزة ما زالت قائمة، دون أن
يصدقه أحد، فإن دعمه للاستيطان في الضفة الغربية يتضاعف، رغم
الاعتراض الخجول للإدارة الأميركية، الذي يصدر لحظة واحدة ثم يكف،
ويسمح لشارون بأن يستمر فيما هو مقدم عليه.
ولم يكن
الإعلان عن بناء آلاف الوحدات داخل المستوطنات هو الذي يشير إلى هذه
النية فحسب، ولكن مسار الجدار العنصري الذي أقره مؤخراً، يؤكد ذلك،
وهو مسار لا يتحدى به قرارات دولية، منها قرار محكمة العدل الدولية
فحسب، ولكنه يتحدى به أصواتاً إسرائيلية في الوقت ذاته، ليست من
اليسار فقط، ولكنها ممن يحيطون به، ويعملون معه، وممن يستشيرهم
قضائياً، وممن يملكون باسم القضاء أن يوقفوه عند حده.
لقد سمع
شارون في الفترة الأخيرة كثيراً من آراء المستشار القضائي للحكومة،
الذي أنقذه من تهم الفساد، تحذره من تجاوز القانون الدولي فيما يفعل،
وتسمي كثيراً مما يفعله باسمه الصحيح، وهو جرائم الحرب، ولكن شارون
هز كتفيه ولم يستجب إلى شيء.
أما محكمة
العدل العليا، الإسرائيلية، التي تعتبر أعلى سلطة قضائية في
"إسرائيل"، فقد طالبته بأمرين لا وضوح بعدهما: الأول هو تغيير مسار
الجدار العنصري بحيث يصبح أقرب ما يكون إلى الخط الأخضر، وبحيث لا
يتسبب بأية معاناة للفلسطينيين الذين تصادر أراضيهم من أجل بنائه،
ويفصلهم عما يتبقى لهم من أراض يعيشون منها، والثاني هو القول بأنه
لا يمكن تجاهل قرار محكمة العدل الدولية، حتى وإن كان استشارياً،
لأنها تعتبر أكبر مرجع للقانون الدولي في العالم، وليس من حق أي قضاء
أن يتمرد عليها.
حجة شارون
أمام العالم مستمرة ولا تتغير: إنه عالم لا يعنيه الدم اليهودي
المسفوك، ولذلك تعود الرد على أي انتقاد دولي بالقول: على اليهودي أن
يحمي نفسه بكل الطرق، لأنه لا يوجد في العالم من هو حريص على دمه،
ومن هنا كانت نظرة الاحتقار التي يكنها شارون لأي قرار دولي، أو موقف
يطالبه بالتوقف عن ارتكاب المجازر، لأنه يرى أن حماية الدم اليهودي
لا تسمح له بأن يستجيب لأي صوت يجيء من خارج هذا الدم، حتى وإن جاء
من المؤسسات الدولية، أو القضاء الدولي.
وفي الفترة
الأخيرة وسع شارون مجال هذا الرد نفسه، لينسحب على الآراء المحلية
التي تطالبه بالكف عن ارتكاب جرائم الحرب، والاستجابة للقانون
الدولي، جاء هذا الرد من خلال الاستخفاف بما نصحه به مستشاره
القضائي، الذي كان قادراً قبل بضعة شهور على أن يجبره على ترك منصبه،
محتجاً بأن حماية الدم اليهودي تطالب بسفك الدم العربي كل الوقت.
لكن التطرف
الحقيقي الذي بلغه شارون في الأيام الأخيرة تجاوز كل الحدود، عندما
تصرف وكأنه فوق كل قانون، بما في ذلك ما تطالبه به محكمة العدل في
بلاده، وهو لم يكتف بأن يقرر السير في تشييد الجدار ضد ما أمرت به،
بأن يجعل المستوطنات الإسرائيلية الكبرى داخله، بما ستصادره من
مساحات واسعة حول القدس ونابلس والخليل، بحيث تبتلع نسبة كبيرة مما
أبقاه الاستيطان من أراضي الضفة الغربية، ولكنه اتخذ هذا القرار من
خلال تحد واضح لمحكمة العدل العليا، ومن خلال استخفاف بوجودها ذاته،
ومن خلال تهكم على قضاتها، عند مطالبتهم بأن يقوموا بزيارة المقابر
الإسرائيلية بدلاً من المطالبة بتعديل مسار الجدار!
كانت الحكومة
الإسرائيلية قد قررت تغيير مسار الجدار العنصري استجابة لقرار محكمة
العدل العليا، وكان وزير الحرب الإسرائيلي، الذي ينفذ سياسة شارون في
القتل، وفي حماية الاستيطان، وفي بناء الجدار العنصري، متحمسا
للاستجابة لقرار محكمة العدل العليا، وكثيراً ما كرر القول إنها
محكمة بلاده التي يستجيب لها، لا محكمة غريبة يسيطر عليها كارهو
اليهود.
لكن محكمة
العدل العليا الإسرائيلية، رغم ضلوعها في تنفيذ سياسة الحكومة
الإسرائيلية في كثير من المواقف، كان آخرها رد الالتماسات ضد تبرئة
شارون من تهم الفساد، لم تستطع أن تكون مناقضة للقانون الدولي الذي
اعتبر الجدار العنصري غير قانوني، لأنه يستولي على أراضي الغير دون
وجه حق، ولذلك أخذت تقترب في قراراتها المتوالية من خط محكمة العدل
الدولية، وتطالب بوقف البناء في أماكن متعددة من الجدار، وبإعادة
النظر في مساره، مما كان يشير إلى أنه ستوصله ذات لحظة إلى ما طالبت
به الشرعية الدولية: ألا يتجاوز الخط الأخضر.
شارون، الذي
تمرد على كل ما هو قانوني أو شرعي، وتمرد على تعليمات رؤسائه خلال
خدمته في الجيش وخارجه، لم يكن مفاجئا أن يتمرد على قرارات محكمة
العدل العليا، وأن يقرر إدخال مدن كاملة داخل الجدار، رغم بعدهاعن
الخط الأخضر، ورغم كل ما تفعله بالأرض الفلسطينية، وبأي احتمال
لعملية السلام.
شارون بلغ
مرحلة قريبة من الجنون وهو يرى أن الوقت يضغط عليه بقوة، قبل أن يحقق
أهداف حياته: إنه ضغط العمر، وضغط الانتخابات الأميركية، وضغط
الشرعية الدولية، والقضاء الإسرائيلي، وهي جميعا تعي أن حلم شارون في
أرض "إسرائيل الكبرى"، أو بالسيطرة على أكبر نسبة ممكنة من الأرض
الفلسطينية لم يعد واقعياً، ويجب التخلي عنه، لكن هذه الضغوط لا تزيد
شارون إلا شراسة، واقتراباً من حافة الجنون، وهي حافة سوف تجعل
التنبؤ بما يمكن أن يفعله خلال ما تبقى له من زمن، في موقعه، أو في
حياته، مثيراً للرعب، لا يتوقف عند المجازر التي يرتكبها الآن، ولكنه
سيتحول إلى إبادة جماعية عنصرية، سيكون الفلسطينيون وقودها، وقد تكون
سببا في تغيير عجلة التاريخ في هذه المنطقة، وربما في العالم كله.
شارون كان
يشكل خطراً حقيقياً على السلام، ولكنه في حالته الآن، وفيما هو مقبل
عليه، سيكون أكثر خطراً، إذا لم ينتبه إليه العالم، ويوقفه عند حده،
وما أبعد العالم الذي يتلهى بمحاربة الإرهاب دون التجرؤ على التعرف
على أسبابه، عن أن يبدي أي اهتمام!
شارون، مثل
كل الجزارين في التاريخ، لا يترك موقعه دون أن يسجل من خلاله ما سجله
أمثاله من قبل. |