الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

سوف يكون الوضع أسوأ على كل صعيد

 

وليد أبو بكر

صحيفة الوطن القطرية 17/10/2004

 

"أنا متفائل. سيكون الوضع أسوأ". هذا هو التعبير الذي جاء على لسان أحد الذين يعارضون شارون في خطته للانفصال، والذين صوتوا ضد توجهاته السياسية، وتسببوا في الفشل الذريع الذي مني به داخل الكنيست الإسرائيلي، في افتتاح دورته الشتوية مؤخراً.

وقد يكون التعبير منسجماً مع الفوضى التي يرغب اليمين الإسرائيلي المتطرف في أن تسود الحياة السياسية في "إسرائيل"، حتى تقود إلى وقف اندفاع شارون نحو تنفيذ خطته في الخروج من غزة. للتركيز على البقاء في الضفة، واعتبار هذا الخروج حلاً نهائياً للصراع على الأرض مع الفلسطينيين. وهو حل لا يرضي المتطرفين الذي لا يطمعون بالأرض الفلسطينية كاملة وحسب، وإنما بما يتجاوزها كثيراً أيضاً.

لكن التعبير، أو التنبؤ المتفائل من وجهة نظر اليمين المتطرف، يكاد يشكل وجهة نظر يتبناها نفر من غير اليمين، ومن غير المتطرفين من المراقبين عن كثب لما يجري داخل اليمين الإسرائيلي من صراع يكاد يهز جذور الوحدة فيه. لأن مجموع العوامل التي تؤثر فيما يجري على الأرض الفلسطينية، في المدى المنظور. تشير دون أي لبس إلى أن كل شيء سوف يكون أشد سوءاً من الحالة الشديدة السوء في الوقت الحالي.

هناك عاملان أساسيان يشيران إلى أن الوضع سيزداد سوءاً، إضافة إلى عوامل أخرى مساعدة تجعل من النبوءة أقرب إلى ما يمكن اعتباره نتيجة حتمية. بشكل يكاد يتفوق على الإشارات السابقة التي كانت تقول إن شارون سيوسع من عدوانه، وسيصعد من حملته في غزة قبل أن يحين موعد مغادرتها، إذا حدث وحان. وهو ما تؤكده الأحداث الدموية التي يرتكبها جيش شارون في غزة منذ ثلاثة أسابيع.

العامل الأول والأهم هو هذا الصراع الذي يزداد شراسة بين جناحين في اليمين الإسرائيلي الذي يمارس الحكم رسمياً، ويسيطر جزء متطرف منه على الحركة السياسية في الشارع، ويعبر عن ذلك في اتجاهين: التصويت ضد سياسة شارون من ناحية. وتنظيم التظاهرات ضد هذه السياسة من ناحية أخرى.

وبالرغم من أن الصراع بين طرفي اليمين تجاوز أية مرحلة سابقة منذ توحيد معظم اتجاهاته في حزب واحد هو الليكود. وربما تجاوز كل صراع مع اليسار أيضاً قبل أن يتآكل اليسار، وبالرغم من أن هذا الصراع قد يتجاوز حدوده الحالية إلى مراحل أكثر شراسة، قد يكون الاغتيال جزءاً منها. إلا أن وحدة اليمين ما تزال تشكل هدفاً يهتم به طرفا الصراع. لأنه عامل القوة الذي أوصل اليمين إلى الحكم، ولأن أي خروج عنه قد يعني انشقاقاً للحزب الذي سجل أعلى درجات قوته في عهد شارون، حتى وإن لم يكن شارون هو الزعيم الذي يتطلع إليه اليمين الإسرائيلي في المرحلة المقبلة، لأنه يشعر بأنه خذله. وقد يبالغ ويقول إنه بات يخون المبادئ التي يقوم عليها حزب الليكود منذ تأسيسه، وهي مبادئ تؤمن بوحدة الضفتين في دولة إسرائيلية كبرى. تخطط لتجاوزهما بين النيل والفرات. دون أن يتبدل شيء من هذه المبادئ إلا لدى من تجبره الوقائع السياسية على ذلك، فيحاول الهروب منها بأقل الخسائر، أو التحايل عليها في انتظار ظروف دولية أو إقليمية أنسب كما يحدث مع شارون الآن.

في وحدة الليكود قوة لطرفي الصراع، ولكن الحركة الاستيطانية التي لا ترى من الواقع إلا ما تريد أن تراه. لا تفكر بأي تنازل يقبل بما يتحدث عنه شارون من انسحاب من مواقع استيطانية في غزة وشمالي الضفة. مما يجعل شارون مضطراً للتقرب منها. بالوسيلة الوحيدة التي يجمع عليها اليمين الإسرائيلي بكامله، وهي ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، ومحاولة تخريب مستقبلهم، وقتل أكبر عدد ممكن منهم.

ويعرف شارون جيداً أنه حصل على قيادة اليمين من خلال القتل الذي يمارسه، وهو يعتقد أن وسيلته الوحيدة لإرضاء من يقفون في وجهه الآن، هي المزيد من القتل. خاصة عندما تشتد معارضة اليمين الاستيطاني لسياسته. ولذلك فإنه لا يتردد في مضاعفة هذه الممارسة وفي زيادة عدد الذين تطالهم آلته الحربية كل يوم خاصة بين الأطفال. بعد أن قضى على البنية التحتية في القطاع، وبعد أن قضى على مصادر الرزق بقلع الأشجار وتجريف التربة. ثم ركز ضغطه على القتل المبرمج والعمد، الذي يروي ظمأ اليمين. وقد يستعيد رضاه.

وهذه السياسة التي يعتمدها شارون منذ قرر أن يفشل الضغط الأميركي. وأن يجعل خريطة الطريق غير ذات معنى لم تعد تجد ما يحاول أن يردعها ولو بالكلام. بسبب العامل الثاني الذي يمهد لشارون كل سبيل يرغب في الاتجاه إليه. وهو اقتراب الانتخابات الأميركية. هذه الانتخابات فتحت الطريق أمام شارون لممارساته القمعية، ليس فقط لأن الرئاسة الأميركية منشغلة بمحاولة العودة إلى البيت الأبيض بحيث لا يبقى أمامها حيز من الوقت للاهتمام بشيء آخر. وإنما لأن هذه الرئاسة معنية بأصوات اليهود التي تتصور أنها قد تكون عامل ترجيح. خاصة أن تجربة الانتخابات السابقة جاءت بالرئيس الحالي بفارق عدد قليل من الأصوات. جعلت الصوت الواحد يشكل فارقاً وهو الأمر الذي يستغله اللوبي الصهيوني لصالح "إسرائيل". ويستغله رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أقصى مدى لصالح السياسة التي يرسمها ويحاول أن يستعيد من خلالها قبول اليمين.

إن شارون يعرف موقف هذه الأصوات بالنسبة للرئيس الأميركي خصوصاً وبالنسبة لمنافسه بعد ذلك. ويعرف موقعه الشخصي لدى جورج بوش. ويعرف مدى تطابق قناعاتهما معاً. إلى الدرجة التي تجعل الرئيس الأميركي لا ينكر في دعايته الانتخابية أن جزءاً من دوافعه لغزو العراق كان يتعلق بصالح "إسرائيل". ومجموع هذه المعرفة يجعل شارون مطمئناً تجاه ردود الفعل في العالم كله ما دام يضمن الموقف الأميركي المنحاز أصلاً حتى دون انشغال. ولذلك فإنه لا يتردد في الإقدام على أي عمل في هذه الفترة. مهما كان ابتعاد هذا العمل عن القانون الدولي. ومهما كان يحمل في طياته من جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي لو كان حراً من الهيمنة الأميركية.

المعادلة الإسرائيلية التي تحدث على الأرض تتكون من طرفين: ضغط من اليمين المتطرف على رئيس الوزراء الإسرائيلي لأنه حاول أن يبدي شيئاً من الواقعية السياسية في سبيل تحقيق أهداف استراتيجية تملأ ذهنه. ومحاولة من رئيس الوزراء جذب مزيد من الأنصار الذين يؤيدون خطته عن طريق إقناعهم عملياً بأنه ما يزال معنياً بتصفية الفلسطينيين وبأن شيئاً من السياسة التي عرفوه بها لم يتغير.

هذا النوع من التجاذب لن يكون ضحيته الأولى سوى الشعب الفلسطيني الأعزل تحت الاحتلال. ومن المؤسف أن العالم اليوم مليء بالعوامل التي تساعد شارون واليمين على أن يحققا كل ما تصبو إليه رغباتهما من تنكيل بالشعب الفلسطيني، ومحاولات لتجريده من كل مقومات الحياة. وإذا كانت الهيمنة الأميركية بكل انحيازها عاملاً أساسياً في إجبار العالم على الصمت. وعلى عدم التعبير عما يشعر به من ظلم يحيق بالشعب الفلسطيني، وإلى تغيير المواقف التي يبدي فيها تفهماً لمعاناة هذا الشعب، ولقسوة الاحتلال. فإن العوامل التي تأتي من الجانب العربي في الأساس هي الأكثر إيلاماً لأنها الأكثر ضعفاً وتنازلاً، والأكثر تشجيعاً لأطراف بعيدة على ممارسة اللامبالاة تجاه ما يجري ما دام المعنيون بما يجري مباشرة لا يتخذون من المواقف ما يوحي بأنهم معنيون بالفعل.

إن التخاذل العربي الشامل الذي يخفي نفسه داخل معاطف متعددة تبدأ من التوجه إلى السلام، وتنتهي عند الدعوة والتضافر لمحاربة ما تسميه الإدارة الأميركية إرهاباً. حتى وإن كان على شكل مقاومة مشروعة هو الذي يغري جهات دولية أخرى بمثل ذلك. ويجعلها تخلط الكثير من الأوراق تهرباً من واجب تعرف أنها لن تفلت من عقاب الولايات المتحدة الأميركية إذا قامت به. ولعل مما يؤسف له أن ينساق الجانب الفلسطيني الرسمي في هذا الاتجاه، ويكاد يحمل أشكال المقاومة دون استثناء مسؤولية ما يجري. باعتباره رد فعل شاروني على هذا الحادث أو ذاك. مع أن كل الوقائع والتجارب تؤكد أن شارون وحكومة اليمين معه لم يكن ليحتاج إلى أي سبب حتى يمارس كل وسائله في القتل، وهو يفعل ذلك منذ سنوات بعيدة. لا تجعلنا ننسى أنه يشكل سياسة رسمية للكيان الإسرائيلي منذ نشأ على التوسع. وهو لم يحتج قط إلى أي مبرر لاحتلال باقي الأرض الفلسطينية عام 1967. كما أنه لا يملك أي مبرر للبقاء في هذه الأرض المحتلة منذ ذلك الحين، وزرعها بالاستيطان، حتى يحول دون أي حل سلمي يحلم به العالم.

السياسة الأميركية التي تهيمن على العالم هي التي تضع التصنيفات الآن. ولأنها هي وحدها التي تضمن وجود معظم الأنظمة العربية. فإن الواجب الذي تضعه هذه الأنظمة على نفسها هو أن تطيع وأن تقبل بالتصنيفات كما تجيء من المصدر. وأن تكيف نفسها حماسة لتنفيذ ما يطلب منها تفوق حماسة صاحب الأمر.

وإذا كان الفلسطيني قد نفض يديه من الأنظمة العربية جميعاً لأنها لم تمد إليه اليد. فإن من المؤسف أن يصل به الحال إلى عدم توقع هذه اليد من وطنه. حينما يسمع الصدى يتردد داخله. وكأن ما يجري من موت يمكن أن يقبل بتعليق لا يختلف عما يأتي من الخارج.

الأرض الفلسطينية مهددة تماماً. والإنسان الفلسطيني مهدد أيضاً. والصراع بين طرفي اليمين لا يجد له أرضية مشتركة. قد تعيد إليه اللحمة. إلا بالموت الذي يوجه إلى الفلسطيني. وبالمزيد من هذا الموت. لذلك سوف يكون القادم أسوأ. وسوف يزداد اليمين الإسرائيلي المتطرف تفاؤلاً. لأن الواقع سيكون أشد سوءاً.