الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

حرب واحدة في واجهتين.. فلسطين والعراق

 

د. عبدالهادي بوطالب

صحيفة الخليج الإماراتية 11/10/2004

 

لا يتمالك متابعو تطورات حرب شارون على فلسطين، وحرب بوش على العراق، ومشاهدو وقائعهما على شاشات التلفزيون العالمية إلا أن يلاحظوا أن الحربين هما حرب واحدة ذات واجهتين، إذ لا تختلف في شيء لا مشاهدهما، ولا فظاعة عدوانهما على المدنيين، ولا أسلوب البلاغات الحربية الصادرة عن قيادتيهما، ولا "منطقهما" عن تبرير العدوان بنفس الذرائع المشتركة، حتى ليستحيل على من يتتبع صورهما الفظيعة دون أن يستمع إلى تفاصيل أنبائهما أن يميز بين ما يجري في سماء العراق وفوق أرضه، وبين ما يجري في سماء غزة وبعض أجزاء الضفة الغربية وأراضيهما:

 

دماء تُسفك بغزارة، وجُثث هامدة ملقاة على قوارع الطرق، ومستشفيات ضاقت عن إيواء الجرحى والمنكوبين، وبنايات تُدمّر وتُسقَط بسقوفها على ظهور ساكنيها، وشعب هنا وهناك يبكي ويصرخ ويستنجد ولا مُغيث، وأمهات يودعن أطفالهن ويضممن إلى صدورهن جثثهم، ومواكب شهداء تظل طول اليوم تقطع طريقها من المستشفيات إلى المقابر لدفن الضحايا الذين يرتفع عددهم يوماً بعد آخر، مما تحولت معه فلسطين والعراق إلى جزيرتي رعب، تمْرح في سمائهما الطائرات والمروحيات الحربية الأمريكية، وتسْرح على أرضهما الدبابات وجرارات التدمير والتخريب.

 

ويا للهول الذي لا تزال تخطط له القيادات “الإسرائيلية” والأمريكية وتنذر به فلسطين والعراق! قال شارون في نهاية الأسبوع الماضي إنه أعطى أوامره للجيش "الإسرائيلي" بتصعيد عدوانه، وأطلق على مرحلة التصعيد التي وعد بها أيام العقاب، وأيام الندم، بينما أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية بالعراق أنها ستستمر في تصعيد عدوانها، وقالت إن حربها ستدخل المرحلة التي نعتتها بالحاسمة، وضربت لنهايتها موعد شهر نوفمبر/تشرين الثاني الموالي.

تعكس لغةُ الوعيد التي يستعملها شارون تقمّصَه روح الإله الأعظم. وهو يعتبر نفسه "إله إسرائيل" التي يريدها أن تكون "إسرائيل" الكبرى. وعندما أعلن عن شنه الحرب على فلسطين، قال عنها: إنها حرب جهنم التي سيلقي في أَتونها بشعب فلسطين كله. وها هو يستعمل هذه الأيام المصطلحات التي وردت في الكتب الإلهية عن العقاب والندم، حيث لا ينفع الندم: عقاب جهنم التي تُبدّل فيها الجلود ليذوق من يُقذَقون فيها مرارة العذاب الذي يجعلهم يشعرون بالندم على تمردهم على سلطة الإله الأعظم، ولا تنفعهم توبة ولا استغفار.

 

وقد وفّى شارون صادق التوفية بما هدد به وأوعد. فحربه على فلسطين جهنمية بجميع المقاييس. لكن لن يعقبها عند الفلسطينيين لا ندم ولا حسرة، ولا طلب توبة وغفران. وسيكون مصير هذه الوعود نفس المصير الذي خاب في تحقيقه عندما وعد بأن حربه على فلسطين لن تزيد على مائة يوم بالتمام والكمال.

يقول شارون: إنه لن ينسحب من غزة إلا بعد نهاية أيام العقاب والندم. وعلى غرار قوله تقول القيادة العسكرية الأمريكية: إنها يمكن أن تفكر في شأن انسحابها من المناطق العراقية التي تلقى فيها مقاومة المسلحين في نهاية المرحلة الحاسمة التي تعتقد أنها ستضع حداً للفوضى السائدة في العراق، وتنشر الأمن والاستقرار، تمهيدا لإجراء الانتخابات العراقية في موعدها المحدد لها.

 

وشارون ينعت مقاومي فلسطين ب "الإرهابيين"، ويغتال قيادتهم واحداً واحداً "دفاعاً منه عن نفس إسرائيل"، بل يقول عن حربه على فلسطين التي يسقط فيها المدنيون إنها حرب الدفاع عن النفس. وقد أوحى شارون إلى بوش بضرورة القضاء على حزب الله "الإرهابي" دفاعاً عن النفس، وحرّضه على ممارسة الضغوط على سوريا لتقطع صلتها ب "الإرهابيين" الفلسطينيين اللاجئين إليها. ولا يرى بوش ضيراً في إزهاق أرواح الفلسطينيين من لدن شارون، ولكنه ينصحه بأن يتم ذلك برفق ومن دون مبالغة، مؤكدا أنه لا يزال مقتنعاً بأن "إسرائيل" تخوض حربها للدفاع عن نفسها.

ولا يكفي تماثل المشاهد التي تقدمها الحربان عن نفسيهما للتأكد مما جاء في بداية هذا المقال من اعتبار الحربين حرباً واحدة ذات واجهتين (أو جبهتين)، بل الذي يؤكد ذلك هو العودة إلى استنطاق ذاكرة تاريخ علاقات الولايات المتحدة و"إسرائيل". وهي تقول إنها نُسجت بينهما بوئام ووفاق طيلة ثلاثة عقود مضت، أي منذ الإعلان عن إبرام اتفاقية الحلف الاستراتيجي بينهما. وحتى الآن لم  تُنشر هذه الوثيقة، لكن تعبير الحلف الاستراتيجي ذو مقتضيات واضحة في لغة الحرب والسياسة. وهو يعني في أقل تقدير وجود مصالح استراتيجية مشتركة مترابطة ومتشابكة يلتزم الطرفان الحليفان بحمايتها وتعزيزها بجميع الوسائل. ويأتي في أولها خوض حرب مشتركة قد تكون رداً على تهديد سابق، أو استباقية لشل قدرات العدو المشترك على العدوان.

 

وكانت الولايات المتحدة طلعت على العالم فجأة بمخططها الهادف إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط. وكان أساسه اعتماد وسيلة السبق إلى الحرب الوقائية، حتى لا تكون الولايات المتحدة في موقع رد الهجوم كما وقع لها في حرب إرهاب 11 سبتمبر، بل هي البادئة به والمتحكمة بالتالي في مصير الحرب. وبمقتضى هذا المخطط صنفت الولايات المتحدة أقطار الشرق الأوسط، أو على الأصح أقطار المنطقة العربية بين أعداء وأصدقاء، على قاعدة بوش القائلة: "صديقنا هو من يحالفنا ويؤيدنا". "وعدونا من يخالفنا وينتقدنا".

وبمقتضى حلف الولايات المتحدة المطلق عن كل قيد مع "إسرائيل"، أضافت إلى ذلك وبتوافق مع "إسرائيل": "صديقنا هو من يحالفنا ويؤيد حلفاءنا"، "وعدونا هو من يخالفنا ويخالف حلفاءنا". وعلى ذلك فالعدو المشترك هو كل نظام عربي يخالف "إسرائيل" ولا يقبل التطبيع معها، وحتى من يشترط للتطبيع مقابلاً سياسياً من لدن "إسرائيل".

 

من جهة أخرى سطت "إسرائيل" على الخطأ الذي أوقع فيه بوش نفسه وبلاده عندما خلط بين الإرهاب والعرب والمسلمين، وبين "الإرهابيين" والمقاومين للاحتلال، ومن يحملون السلاح لنصرة القضايا العادلة، فحرّضت الولايات المتحدة على تنفيذ مخططها الاستباقي الوقائي على أعدائها، أي جميع الدول العربية والإسلامية الموجودة في المنطقة لدكّ قلاعها، معتبرة أنه لا يخلصها من تهديد هذه الدول "الإرهابية" إلا المبادرة الأمريكية بالعدوان على عدد من الدول العربية أو الإسلامية. وهكذا تبنى البيت الأبيض أطروحة "إسرائيل" بكل سذاجة، وتعامل بهذا المنظور مع العراق وسوريا وإيران والمملكة العربية السعودية كدولة مرشحة لضرباته. ونصحت "إسرائيل" الولايات المتحدة البدء بالعراق لأنه أقوى الدول العربية آنذاك، ونظامه هو الذي كان يستعرض في شوارع بغداد كتائب الجنود التي أعدها صدام حسين لتحرير فلسطين من الاحتلال "الإسرائيلي" وإنقاذ المسجد الأقصى. وأسهمت منظمة الموساد "الإسرائيلي" في تقبل البيت الأبيض هذا التحريض بثقة عمياء في "إسرائيل"، فالموساد أعطى للبيت الأبيض معلومات "مفبركة" ثبت عدم صحتها عن توفر العراق على أسلحة الدمار الشامل وعن وجود علاقة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة.

 

وفي المناظرة التلفزيونية الأولى التي جرت بين بوش وكيري أفلتت من لسان بوش عثرة عندما كان يرد على قول كيري: إن الولايات المتحدة لم تجْن فائدة من غزو العراق فقال: "إن غزو الولايات المتحدة للعراق كان دعما لإسرائيل". (هكذا)، أي أن تقويض العراق كانت "إسرائيل" هي وحدها المستفيدة منه.

 

ولقد ظهر في المناظرة مقدار تأثير "إسرائيل" على توجهات القادة الأمريكيين ومحاصرتهم من لدنها في خندق مساندتها ودعمها. لقد كان منتظرا أن يأخذ الصراع "الإسرائيلي" العربي عامة، و"الإسرائيلي" الفلسطيني خاصة حصة يستحقها في مناظرة خصصت لعرض كل مرشح خطته في التعامل الدولي أو العلاقات الدولية. وخُصصت للعراق الحصة الكبرى وهو أمر طبيعي بمقتضى أن قضية وقوع أمريكا في ورطته هي قضية الساعة. لكنه لم يكن طبيعياً ألا يطرح سؤال -ولو في دقيقة واحدة- عن الحرب التي يشنها شارون على فلسطين.

 

أظن أن هذا كان موضوع اتفاق بين المرشحين، لأن كلا منهما كان يخشى أن يقول عن "إسرائيل" ما قد لا ترضاه. وبذلك لا ينظر إليه اللوبي "الإسرائيلي" بعين الرضا. "وكم من حاجة قضيناها بتركها". "ورب سكوت أبلغ من كلام".