واشنطن والظاهرة اليهودية
بقلم: أحمد عمرابي
صحيفة
البيان الإماراتية 28/10/2004
الرئيس
الأميركي الراحل جون كنيدي وشقيقه روبرت أخذا عن أبيهما جوزيف كيندي
كراهية اليهود، وعندما حاول كل منهما ترجمة مشاعره إلى أفعال فإنهما
دفعا حياتهما ثمناً عن هذه المحاولة. فقد تلقى الرئيس رصاصة في دماغه
أثناء سير موكبه الرسمي في أحد شوارع مدينة دالاس بينما تلقى شقيقه
روبرت رصاصة مماثلة بعد خمس سنوات أثناء حملته الانتخابية كمرشح
للرئاسة في عام 1968.
كان هذا
نموذجاً دراماتيكياً لمصير من تسول له نفسه التصدي للقوة اليهودية في
الولايات المتحدة، خاصة أن جريمة مقتل الرئيس مسجلة حتى الآن ضد
مجهول بينما يروى أن الشخص الذي أدين في حادثة مقتل شقيقه وحكم عليه
بالسجن ليس القاتل الحقيقي.
استحضر لنفسي
هذه القصة المأساوية خلال متابعتي لما يثار هذه الأيام في الصحافة
الأميركية بشأن ما يطلق عليه مجموعة «المحافظين الجدد» أي الحلقة
الضيقة المحيطة بالرئيس جورج بوش وتتكون من بضع شخصيات يهودية ذات
توجه صهيوني. فالذي يلفت الانتباه أن الصحف الأميركية تتناول ظاهرة
«المحافظين الجدد» وكأنها ظاهرة جديدة بدأت بعهد جورج بوش الابن وقد
تنتهي بنهاية عهده - إذا لم يعد انتخابه.
وبالطبع ما
كان لأي كاتب صحفي أميركي أن يجرؤ إطلاقاً على الحديث الصريح عن
مجموعة «المحافظين الجدد» لولا أن أمرهم افتضح من خلال تجربة الفشل
الأميركية في العراق، فهذه المجموعة هي التي تبنت فكرة الغزو
وتطويرها إلى مستوى خطة عملية. وبالتالي هي التي تتحمل في نظر الرأي
العام الأميركي مسئولية التلفيقات التي قدمت إلى الشعب الأميركي
كمبررات لشن الحرب على العراق.. ومن ذلك مثلاً أسطورة أسلحة الدمار
الشامل. ومع ذلك فإن الصحافة الأميركية لا تشير إلى أفراد هذه
المجموعة كـ «يهود» ـ تخوفاً من قوانين معاداة السامية - وإنما تشير
إليهم كـ «أصدقاء "إسرائيل"».
لكن التضليل
الأعظم يتمثل في طرح ظاهرة النفوذ اليهودي الصهيوني في الولايات
المتحدة، خاصة على مستوى مؤسسة السلطة، وكأنها أمر جديد، عرضي وعابر
ينحصر في عهد الرئيس بوش الابن تحديداً.
وربما تكفي
حادثتا اغتيال الرئيس جون كنيدي وشقيقه روبرت كعقاب يهودي لكل منهما
لإثبات أن النفوذ اليهودي يمتد لعقود متصلة للوراء. ولكن هناك أيضاً
شواهد سابقة وشواهد لاحقة.
في مطلع عقد
الخمسينيات من القرن الماضي كان هاري ترومان أول رئيس أميركي يضع حجر
الأساس للشراكة الأميركية الإسرائيلية. وكان أول وآخر مرشح رئاسي
أميركي يجهر بأنه يعتمد في فوزه الانتخابي على اليهود الأميركيين..
فالرؤساء الذين جاءوا بعده لم يكونوا بهذه الصراحة.
وخلال عقد
السبعينيات كان اليهودي الصهيوني هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي
للرئيس ريتشارد نيكسون ولاحقاً وزير خارجيته. وصعد كيسنجر إلى السلطة
وفي معيته فريق كان يتكون كله تقريباً من شخصيات يهودية. وفي عهد
إدارة الرئيس بيل كلينتون خلال عقد التسعينيات كان مستشار الأمن
القومي - صامويل بيرجر - أيضاً يهودياً من عتاة الحركة الصهيونية.
والسيدة
اليهودية مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية كونت مع بيرجر ثنائياً
لتوطيد قوائم الشراكة الأميركية الإسرائيلية. الآن تتساءل الصحافة
الأميركية عما إذا كان فريق «المحافظين الجدد» الراهن سيبقى على قيد
الحياة السياسية في حالة سقوط الرئيس بوش في المعركة الانتخابية.
والسؤال مبني على أساس أن المحافظين الجدد فقدوا مصداقيتهم في نظر
الشعب الأميركي مع انفضاح أكاذيب مبررات الحرب على العراق.
إن استقراء
التاريخ القريب يفيدنا بأن هذا السؤال بهذه الصيغة لا ينبغي أن يكون
أصلاً وارداً، فالنفوذ اليهودي في مؤسسة السلطة الأميركية باقٍ لمدى
إدارات قادمة لا يمكن حصر عددها. وسواء فاز جون كيري أو أعيد انتخاب
جورج بوش فإن الحركة الصهيونية تبقى القوة الحقيقية من وراء ستار ..
أي إلى حين إشعار آخر.
|