|
الوجود "الإسرائيلي" الكبير في العراق!
عاطف الغمري
صحيفة
الخليج الإماراتية 30/6/2004
"مسؤول كبير
بالمخابرات المركزية الأمريكية سئل عما إذا كان "الإسرائيليون" قد
طلبوا الموافقة من واشنطن على وجودهم الكبير والنشط الآن في كردستان
العراق، فضحك المسؤول وقال وهل تعرف أحداً يمكنه أن يقول ل
"الإسرائيليين" ما الذي يجب عليهم أن يفعلوه؟ إنهم يفعلون دائماً ما
هو في مصلحتهم. ثم إن الوجود "الإسرائيلي" في العراق معروف على نطاق
واسع في مجتمع المخابرات الأمريكية".
هذه الواقعة
رواها الصحافي الأمريكي المعروف سيمور هيرش في مقاله المثير للاهتمام
والمنشور في مجلة "نيويوركر" الأمريكية الصادرة في 21 يونيو/ حزيران
2004، تحت عنوان "تحليل للأمن القومي- الخطة بي".
وحسب
المعلومات التي استقاها هيرش من مصادر مسؤولة في المخابرات في عدد
متنوع من الدول منها المخابرات الأمريكية و"الإسرائيلية" والألمانية
أن الوجود "الإسرائيلي" في كردستان العراق كان قراراً اتخذه رئيس
وزراء "إسرائيل" شارون، بهدف خفض الأضرار الناتجة عن عدم نجاح الحرب
الأمريكية في العراق، على مركز "إسرائيل" الاستراتيجي، وأن "إسرائيل"
لم تكن مرتاحة لما توصلت إليه من أن الولايات المتحدة ليست راغبة في
مواجهة مع إيران، بالرغم من أن إدارة بوش لم تكن تتجاهل التقارير
التي تلقتها من المخابرات "الإسرائيلية" عن إيران.
وهذه النقطة
جاءت على لسان باتريك كلاوسن نائب وزير معهد واشنطن لسياسة الشرق
الأدنى الذي تربطه علاقة وثيقة بالبيت الأبيض. مع الأخذ في الاعتبار
أنه مثلما كانت الحرب ضد العراق مطلباً "إسرائيلياً"، فإن اكمالها
بضربة عسكرية على إيران كان أيضاً مطلباً ل "إسرائيل".
وكان شارون
قد صرح لصحيفة "التايمز" البريطانية قبل حرب العراق بفترة قصيرة بأنه
يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا أن تتجها في اليوم التالي للحرب
على العراق، إلى العدو البعيد الآخر.. إيران.
* * *
لكن هذا
الوجود "الإسرائيلي" الواسع النطاق في العراق، والمتركز في بغداد
وغيرها، وليس في كردستان فقط ليس مجرد قرار لشارون، انفرد به، أو أنه
لا يوجد أحد في أمريكا لا يستطيع أن يقول ل "إسرائيل" ما الذي يجب
عليها أن تفعله، لأن القرار السياسي أكثر تعقيداً من النظر إليه على
هذا النحو، ثم إن الوجود "الإسرائيلي" الظاهر والخفي في العراق، يمثل
اتجاهاً أساسياً ومبدئياً لصناع السياسة الخارجية في واشنطن.
وكانت عمليات
تقصي الإعلام الأمريكي لما يحرك جماعة "المحافظون الجدد" التي تقود
السياسة الخارجية في حكومة بوش، قد اتفقت على أن التمكين ل "إسرائيل"
من فرض طموحاتها الإقليمية في الشرق الأوسط، كان أحد أهم أهدافهم من
وراء الحرب على العراق.
نشر الكثير
في هذا المعنى في واشنطن، وأستشهد هنا بنموذج منه، معلومات كشفتها
(رين كوا ياتوفسكي) وهي برتبة كولونيل متقاعد في الجيش الأمريكي، كان
آخر عمل لها في إدارة الشرق الأوسط في البنتاجون، وجاء في مقال لها
في "أون لاين جورنال صالون" ذكرت فيه كيف استولى المحافظون الجدد على
حلقات العمل السياسي للمخابرات، في جهودهم لدفع قرار الحرب على
العراق، والاستيلاء على زمام سياسة الشرق الأوسط، وكان هذا ظاهراً
للعاملين في هذه الإدارة، وأنهم لم يكتفوا باستبعاد أصحاب الخبرة
بالشرق الأوسط، بل ملأوا أجندة الشرق الأوسط بالمعلومات التي أصبحوا
يتلقونها من عدد متنوع من مراكز البحوث المعروفة بارتباطها ب
"إسرائيل"، مثل معهد بحوث الشرق الأوسط (ميمري)، ومعهد واشنطن لسياسة
الشرق الأدنى، والمعهد اليهودي للأمن القومي.
وكانت
النتيجة أن العراق بعد الاحتلال تحول إلى باب مفتوح ل"الإسرائيليين"،
إذا كان لخدمة أهداف السياسة الأمريكية، فهو في المقام الأول بالنسبة
ل"إسرائيل" لخدمة أهداف متعددة لها في العراق، وفيما هو أبعد من
العراق في الدول المجاورة.
ولو اننا
رجعنا إلى معلومات سيمور هيرش بالنسبة للمنطقة الكردية من العراق فهو
يقرر:
* أن
المخابرات والوحدات العسكرية "الإسرائيلية" نشطة الآن في كردستان،
وأنها تدير عمليات سرية قرب إيران وسوريا، وتتستر عناصر من الموساد
تحت صفة رجال أعمال وأحياناً لا يحملون جوازات سفر "إسرائيلية".
* هدف
"إسرائيل" حسب ما قاله مسؤول كبير بالمخابرات الأمريكية بعد انتقال
السلطة في بغداد بعد 30 يونيو/ حزيران، هو إقامة وحدات كوماندوز في
شمال العراق، لموازنة ميليشيات الشيعة خصوصاً الذين يعارضون منهم
طبيعة النظام الذي تريده "إسرائيل" في جنوب العراق. وهذا بالطبع يثير
مخاوف من إشعال الفوضى والخلافات في العراق.
* * *
أما عن
الوجود "الإسرائيلي" في العراق ككل، فلا تتوقف المعلومات النابعة من
هناك، عن وصف الوجود "الاسرائيلي" الكبير في شكل رجال أعمال
ومقاولات، ومتعهدين لشركات صناعية وتجارية، ومراكز بحوث وشركات
استشارية لدراسات المشروعات، وقوات أمن ضمن عشرات من شركات الأمن
الخاصة من مختلف الدول التي تقوم بعمليات معاونة للجهد العسكري
للبنتاجون، وكثير منها شركات "إسرائيلية"، مسجلة بترخيص من عواصم
خارجية، حتى أن الشركات "الإسرائيلية" في العراق قدر عددها بمائة
وخمسين شركة، يتستر "الموساد" وراء لافتتها الخارجية، حتى لقد قيل من
مصادر عراقية تراقب الوضع ميدانياً، أنه صار هناك نوع من الجسر الجوي
بين "إسرائيل" والعراق.
إن الوجود
"الإسرائيلي" الذي يتسرب إلى العراق تحت شعار عمليات مشروعة في
ظاهرها، وبعض عناصره بجوازات سفر غير "إسرائيلية"، لا يقصد العراق
وحده، لكنه يعتبر وجوده النشط هناك وفي مناخ دولة لم تنعم بعد
بالاستقرار الأمني فرصة ليجعل من موقع وجوده هناك، مركز الزلزال
لعمليات تشكل فوضى إقليمية، وهي الفوضى التي هي في الأصل جزء من
استراتيجية "إسرائيل" بالنسبة للعالم العربي.
وحسبما ورد
في معلومات سيمور هيرش عن قيام الموساد بعمليات تسلل عبر الحدود،
لإقامة مراكز تنصت وأجهزة مراقبة حساسة، واعتراف من مسؤولين امريكيين
بأن ما تفعله "إسرائيل" سيخلق مزيداً من العنف والفوضى، وقيام
مخابرات "إسرائيل" بإدارة عمليات سرية قرب حدود سوريا وايران، ثم
إضافة إلى ذلك معلومات عن قيام "إسرائيل" بتدريب فرق اغتيال، فإن هذا
يجعلنا نتساءل: أليست عمليات التفجير في السعودية منسجمة تمام
الانسجام مع هذا التفكير والتخطيط "الإسرائيلي"؟ ثم ان السعودية ليست
بعيدة عن العراق. ثم ما هي الدول التالية في قائمة هذه الأهداف؟
|