الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

وثائق إدانة‏..‏ وإشارات خطر‏!‏

بقلم ‏:‏ مرسي عطاالله

صحيفة الأهرام 22/1/2004

 

على مدى السنوات الأخيرة احتفت صحافتنا العربية وبعض مراكز الأبحاث السياسية والأكاديمية بمن أطلق عليهم اسم تيار المؤرخين الجدد في "إسرائيل" المنتمين لفكر اليسار الذي يتصادم تلقائياً مع الفكر الصهيوني،‏ وبرز على السطح اسم المؤرخ الإسرائيلي (بني موريس) الذي قدم نفسه كمتعاطف مع مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وداعيا "إسرائيل" إلى ضرورة التعامل مع العرب والفلسطينيين على قدم المساواة،‏ بعيداً عن نزعات العنصرية التي تريد أن تجعل من "إسرائيل" امتدادا للغرب وواجهة للحضارة الأوروبية‏..‏ ولكن - فيما يبدو - فإن متغيرات الواقع الدولي وبروز آليات الهيمنة الأمريكية على المنطقة التي تصب في خدمة المشروع الصهيوني دفعت بني موريس المعبر عن فكر اليسار وتيار المؤرخين الجدد في "إسرائيل" إلى أن يرتد بأفكاره ومعتقداته إلى أقصى درجات الغلو والتشدد لليمين العنصري المتطرف‏.‏

 

إن (بني موريس) ورغم أنه مازال يشكك في صحة المشروع الصهيوني وقدرته على الاستمرار إلا أنه في حديث أخير أجرته معه صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم الجمعة الماضي تقيأ ضد العرب بما لم يسبق لغلاة المتطرفين الإسرائيليين أن تقيأوه إلى حد وصف العرب بأنهم برابرة العصر الحديث،‏ وأن قدر "إسرائيل" اليوم هو أن تقف في جبهة صدام الحضارات بين الغرب ومفاهيمه المتحضرة ضد العالم العربي والإسلامي ومفاهيمه المتخلفة‏!‏

 

وليس هذا فحسب،‏ وإنما يسعى الرجل الذي هللنا له في بعض صحفنا العربية إلى تبرير جرائم "إسرائيل" فيقول في ذات الحديث إن جرائم الحرب التي اقترفتها "إسرائيل" عام ‏1948‏ من مجازر واغتصاب وإعدام ليست شيئاً يذكر إذا قورنت بما ارتكبه الروس والصرب وغيرهم من مجازر‏!‏

 

وهذا الرجل الذي كان يتظاهر لسنوات بأنه يبدي تعاطفاً مع اللاجئين الفلسطينيين يقول لصحيفة هآرتس إن طرد مئات الألوف من الفلسطينيين عام‏ 1948‏ لم يكن خطأ أو جريمة حرب،‏ بل إن الخطأ الذي ستدفع "إسرائيل" ثمنه هو عدم إكمال ديفيد بن جوريون مهمة تنظيف فلسطين من العرب،‏ ورغم ذلك فإن الظروف المقبلة يمكن أن تجعل عملية طرد العرب من فلسطين ضرورة لابد منها - على حد زعمه‏!‏

 

وطبقاً لما ورد في حديث (بني موريس) لصحيفة هآرتس فإن كماً هائلاً من الجرائم اللاإنسانية والبشعة التي ارتكبتها "إسرائيل" تستحق أن تصدرها الجامعة العربية في كتاب أسود لم يكن لنا دخل في جمع معلوماته،‏ وإنما الذي جمعها ونشرها وتحمل مسئوليتها أكاديمي إسرائيلي يعبر عن تيار محسوس في المجتمع الإسرائيلي‏!‏

 

وإذا جاز لي أن أنتقي بعض ما ورد في حديث بني موريس من جرائم إسرائيلية سعى في سياق الحديث لتبريرها بمغالطات مضحكة،‏ فإنني أنتقي هذه الجرائم على النحو التالي‏:‏

 

إن عمليات الاغتصاب التي مارستها القوات الإسرائيلية عام ‏1948‏ أكبر من أي حصر دقيق لسبب أساسي يتعلق بالثقافة العربية وإحجام غالبية الضحايا عن الإبلاغ عن هذه الحوادث،‏ ومع ذلك فإنه في عكا اغتصب أربعة جنود إسرائيليين شابة فلسطينية وقتلوها وأباها‏..‏ وفي يافا اغتصب الجنود فتاة وحاولوا اغتصاب أخريات‏..‏ وفي وسط الخليل اغتصبوا فتاتين وقتلوهما‏..‏ وهناك حالة اغتصاب لواحدة أو اثنتين في قرية طنطورة وحالة اغتصاب في قرية كولا‏..‏ أما في قرية أبوشوشة فقد تم اغتصاب ‏4‏ أسيرات واحدة منهن اغتصبت مراراً‏..‏ وهناك حالات أخرى كثيرة،‏ وفي الغالب كان الاغتصاب يتم على يد أكثر من جندي واحد وفي قسم كبير من هذه الجرائم كانت العملية تنتهي بالقتل‏.‏

 

بالنسبة للمجازر التي نفذها الإسرائيليون عام‏ 1948‏ هناك ‏24‏ مجزرة مؤكدة بعضها كان الضحايا يتراوحون بين إعدام أربعة أو خمسة أشخاص،‏ وفي البعض الآخر كان حجم الضحايا يرتفع في المجزرة الواحدة إلى سبعين أو ثمانين أو مائة ضحية‏..‏ ولا يدخل في ذلك عمليات القتل العشوائي التي مارستها القوات الإسرائيلية بإفراط مثل الذي جري في قرية الدوايمة عندما دخل الجنود إلى القرية وبدأوا يطلقون النار من أسلحتهم ويقتلون كل من يتحرك أمامهم‏.‏

 

إن المجازر الأشد خطورة تلك التي وقعت في الصليحة وراح ضحيتها ‏80‏ قتيلاً، وفي دير ياسين وراح ضحيتها ‏110‏ قتلى، وفي اللد‏ 250‏ قتيلاً وفي الدوايمة ‏400‏ قتيل،‏ ومع أنه ليست هناك قرائن قاطعة على حدوث مجزرة كبيرة في الطنطورة إلا أنه قد تأكد وقوع جرائم حرب‏..‏ كما وقعت في يافا مجزرة لم تكن معروفة حتى الآن‏.‏

 

إن نصف هذه المجازر على الأقل كانت جزءاً من عملية أطلق عليها اسم حيرام وشملت قرى الصفصاف والصليحة والجش وعيليون وعرض المواسي ودير الأسد ومجد الكروم وسعسع‏..‏ وقد شهدت عملية حيرام شذوذاً بلغ حد إعدام الفلسطينيين على جدران منازلهم أو قرب آبار المياه بشكل منظم‏.‏

 

‏ *    *    *‏

 

إن (بني موريس) في هذا الحديث دفع بمحاوره الصحفي الإسرائيلي (آري شافيت) إلى الشعور بالصدمة من أقواله التي تعني تبرير المجازر وتبرير عمليات الاغتصاب وتبرير عمليات طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم عام ‏1948‏ بعد أن كان لسنوات يتظاهر برفضه للفظائع التي ارتكبها الإسرائيليون عام‏ 1948.‏

 

يسأله (آري شافيت) قائلا‏ً:‏ كنت طوال عشرين عاماً تبحث في الجانب المظلم من الصهيونية،‏ وأنت خبير في فظائع عام ‏1948‏ وما وقع فيها من عمليات ترانسفير‏.‏ فهل تبرر في نهاية المطاف كل ذلك؟

 

ويجيب بني موريس قائلاً: في ظروف معينة فإن الطرد لا يشكل جريمة حرب وأنا لا أعتقد أن عمليات الطرد عام‏ 1948‏ كانت جرائم حرب،‏ إذ ليس بوسعك أن تقلي‏.‏ عجة من دون أن تكسر البيض‏..‏ يجب عليك أن توسخ يديك‏!‏

 

‏*‏ ولكن الأمر يتعلق بقتل الآلاف من الناس وتدمير مجتمع كامل؟

 

‏**‏ مجتمع ينهض لقتلك يجبرك على تدميره‏..‏ عندما يكون الخيار بين أن تدمر عدوك أو يدمرك فمن الأفضل أن تدمره‏!‏

 

‏* ثمة شيء مثير للصدمة في الهدوء الذي تقول به ذلك؟

 

‏**‏ إن كنت تتوقع أن أنفجر في البكاء يؤسفني أنني خيبت أملك لأني لن أفعل ذلك‏!‏

 

‏* إذن عند ما يقف قادة عملية داني وينظرون باستخفاف إلى الطابور الفظيع والطويل لخمسين ألف مطرود فلسطيني من مدينة اللد،‏ فأنت بذلك تبرر ذلك‏!‏

 

‏**‏ إنني بالتأكيد أفهمهم وأفهم دوافعهم ولا أعتقد أنهم أحسوا بوخز الضمير،‏ ولو كنت مكانهم لما شعرت بوخز الضمير فلولا الذي فعلوه لما انتصرنا في الحرب ولما قامت دولة "إسرائيل"‏.‏

 

‏* ألا تستنكر ما فعلوه من الناحية الأخلاقية‏!‏

 

‏**‏ لا.

 

* لقد قاموا بعملية تطهير عرقي‏!!‏

 

‏**‏ هناك ظروف في التاريخ تنطوي على تبرير للتطهير العرقي،‏ وعندما يكون الخيار بين التطهير العرقي وبين إبادة شعبي فأنا اختار التطهير العرقي‏..‏ لقد كانت الضرورة تحتم اقتلاع‏ 700‏ ألف فلسطيني لكي تقوم "إسرائيل"‏..‏ كانت هناك ضرورة لتطهير الجبهة الخلفية وتنظيف مناطق الحدود‏.‏

 

‏*‏ ولكن مصطلح التنظيف فظيع وأقوالك صعبة على الأذن وعسيرة على القلب‏..‏ إنك تبدو كما لو أنك بدون قلب‏!‏

 

‏**‏ إنني أتعاطف مع الشعب الفلسطيني الذي اجتاز مأساة صعبة وأتعاطف مع اللاجئين أنفسهم،‏ ولكن إذا كانت الرغبة في إقامة دولة يهودية هي رغبة مشروعة فإنه لم يكن هناك خيار آخر سوى طرد الفلسطينيين واقتلاعهم‏..‏ وفي النهاية هناك للعرب ‏22‏ دولة ولم تكن لليهود أية،‏ دولة ولذلك فإنني أرى أن الحاجة لإقامة "إسرائيل" في هذا المكان تتغلب على الظلم الذي وقع على الفلسطينيين وعلينا أن نتذكر أن الديمقراطية الأمريكية الكبرى لم يكن بوسعها أن تتحقق دون إبادة الهنود الحمر‏.‏

 

وليت الأمر اقتصر في حديث بني موريس على تبرير الماضي،‏ ولكن أخطر ما فيه أن يمتد إلى المستقبل بإشارات مزعجة وبالغة الخطورة عندما يعتب على مؤسس دولة "إسرائيل" ديفيد بن جوريون أنه لم يكمل مخطط طرد الفلسطينيين بالكامل،‏ ويعتبر ذلك خطأ تاريخيا‏ً.‏

ويسأله‏:‏ (آري شافيت) هل تؤيد الترانسفير اليوم؟

 

ويجيب عليه (بني موريس) قائلاً‏:‏ إن كنت تسألني عما إذا كنت أؤيد الترانسفير وطرد العرب من الضفة الغربية وغزة وربما الجليل والمثلث،‏ فإنني أقول ذلك ليس الآن‏..‏ في الظروف الحالية هذا أمر غير أخلاقي وغير واقعي والعالم لن يسمح بذلك،‏ وهذا سيدمر المجتمع اليهودي من الداخل ولكنني على استعداد للقول إنه في ظروف أخرى - ربما خلال خمسة إلى عشرة أعوام - بوسعي رؤية عمليات طرد إن توفر سلاحاً نووياً حولنا أو وقع علينا هجوم عربي شامل فإن أعمال الطرد ستكون معقولة تماماً ومن الجائز أنها ستكون إلزامية‏!‏

 

‏*‏ وطرد عرب "إسرائيل" أيضا‏ً.‏

 

** إن عرب "إسرائيل" قنبلة موقوتة،‏ وانزلاقهم نحو فلسطنة كاملة حولتهم إلى امتداد للعدو في داخلنا،‏ ومن حيث القدرة فإنهم طابور خامس ديموغرافي وأمني على حد سواء ويمكنهم تقويض الدولة‏..‏ وهكذا إذا وقعت "إسرائيل" مرة أخرى في وضع تتعرض فيه لخطر تهديد الوجود كالذي حدث عام‏ 1948‏ فإن الترانسفير سيكون مبررا‏ً.‏

 

‏ *    *    *‏

 

وأتوقف عند هذا الحد من حديث مليء بأجراس الإنذار والخطر ليس لنا وحدنا،‏ وإنما يحمل أيضاً في ثناياه رؤية تشاؤمية لمستقبل المشروع الصهيوني رغم أنه ينزلق إلى خطأ كبير عندما يبرر بعض السياسات الإسرائيلية الحمقاء التي يجمع عقلاء "إسرائيل" على أنها تنبئ بقرب نهاية الحلم الصهيوني من نوع قدرته على التلاعب بالألفاظ،‏ وتسمية الجدار العنصري بالجدار الحديدي والزعم بأنه السياسة الأكثر معقولية للجيل القادم‏.‏

 

وعندما يسأله (آري شافيت) عما إذا كان ما قاله يعني احتمال عدم قدرة "إسرائيل" على البقاء في ظل اعتماد القرن الحادي والعشرين قرن صراع الحضارات،‏ حيث تقف "إسرائيل" في هذا الصراع في نفس الخندق الذي كان يقف فيه الصليبيون كامتداد لأوروبا يجيب عليه (بني موريس) قائلاً‏:‏

 

إن احتمال الدمار قائم،‏ وكما كان اليهود هم الأضحية الأكبر في مسار التاريخ،‏ فانهم أيضاً الضحية الأكبر المحتملة لاحقاً‏..‏ ورغم إننا نقمع الفلسطينيين،‏ فإننا الطرف الأضعف لأننا أقلية صغيرة في بحر عربي كبير يرغب في إبادتنا‏!‏

 

‏...‏وأكتفي بهذا القدر من حديث طويل مليء بوثائق الإدانة الإسرائيلية،‏ ومليء أيضاً بكل إشارات الخطر لنا ولهم على حد سواء‏!‏