عندما يفجر الإسرائيليون في دمشق
فايز سارة
صحيفة
السفير اللبنانية 29//9/2004
للمرة
الأولى، تقتحم المخابرات الإسرائيلية قلب العاصمة السورية، وتغتال
أحد كوادر حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين "حماس" بتفجير سيارته.
وأضافت "إسرائيل" إلى فعلتها تلك إعلان مسؤوليتها عن العملية في
واحدة من الاعترافات الإسرائيلية القليلة في تاريخ عمليات المخابرات
الإسرائيلية.
الكلام عن
العملية ذاتها، يستدعي محاولة رؤية ما يحيط بها من ظروف وشروط، تمثل
البيئة العامة للعملية الإسرائيلية، والتي من بين أهم ملامحها، أنها
جاءت متزامنة مع ضغوط كبيرة ومتزايدة على سوريا مستندة في حيثياتها
وتفاصيلها إلى الموقف السوري مما يحدث في العراق وفلسطين، وما شهده
لبنان في موضوع الاستحقاق الرئاسي، حيث جرى استغلال الموقف السوري
منه لإطلاق حملة أميركية فرنسية، أثمرت إصدار قرار مجلس الأمن الدولي
1559 الذي يوشك، أن يتحول إلى حملة ضغط دولي على سوريا.
وجاءت
العملية الإسرائيلية بعد سلسلة مزدوجة من التهديدات الإسرائيلية، كان
طرفها الأول موجهاً ضد سوريا بدعوى علاقاتها مع حزب الله اللبناني
والمنظمات الفلسطينية، التي تتهمها إسرائيل بـ "الإرهاب"، والطرف
الثاني موجهاً ضد القيادات الفلسطينية خارج الأراضي المحتلة وخاصة
المقيمين منهم في سوريا بدعوى مسؤوليتهم في التخطيط للعمليات التي
يقوم بها الفلسطينيون في الداخل ضد "إسرائيل".
وترافق ما
سبق مع رفض إسرائيلي وعدم مبالاة أميركية حيال دعوات عدة صدرت هدفت
إلى استئناف مفاوضات التسوية بين سوريا و"إسرائيل"، الأمر الذي يعني
استبعاد إسرائيلي أميركي لخيار التفاوض، وتأكيد اللجوء إلى سياسة
القوة بدلاً من قوة السياسة، وهو نهج صار ثابتاً وواضحاً في سلوك
اليمين الأميركي المحافظ برئاسة جورج بوش واليمين الإسرائيلي الحاكم
برئاسة أرئيل شارون.
وسط هذه
البيئة، جاءت عملية "إسرائيل" في دمشق، التي تعني وفق مجرياتها
وإعلان "إسرائيل" تبنيها ثلاثة أمور أساسية:
الأول:
التأكيد أن "إسرائيل" جادة في التهديدات التي أطلقتها بملاحقة قيادات
وكوادر المنظمات الفلسطينية خارج الأراضي المحتلة في إطار
استراتيجيتها المعلنة لتصفية القيادات والكوادر الفلسطينية في الداخل
والخارج، ولا سيما تلك التي تقول عنها، إنها تواصل الحرب على
"إسرائيل".
الأمر
الثاني، إن العملية الإسرائيلية، تنقل الصراع مع سوريا من طابعه
السياسي والعسكري في صيغته التي تكرست منذ أواسط السبعينات، وفق ما
هو معروف، إلى صراع بين الأجهزة الأمنية، وهو تطور غير مسبوق من حيث
جعل الأراضي السورية ميداناً للصراع وجعل القيادات الفلسطينية
الموجودة في سوريا أهدافاً له، وكلاهما لم يكن قائماً في إطار الصراع
السوري الإسرائيلي.
أما الأمر
الثالث الذي تطرحه العملية الإسرائيلية في دمشق، فهو طابعها
التصعيدي، إذ أنها بانتهاكها الأمن الداخلي السوري من خلال نشاط سري
دموي، يماثل في خطورته الاعتداء الإسرائيلي الجوي على معسكر عين
الصاحب قبل أكثر من عام، ما يدفع سوريا إلى الرد على هذا التصعيد
بطبيعة
الحال، فإن ما يحيط بالعملية الإسرائيلية، يطرح تحديات سياسية
وعسكرية وأمنية على سوريا، وعلى القيادات والتنظيمات الفلسطينية
الموجودة فيها، لكن من المبكر التنبؤ بما يمكن لسوريا وللقيادات
الفلسطينية فيها القيام به من خطوات لمواجهة الخرق الأمني الإسرائيلي
وحصار نتائجه في الداخل السوري، وتداعياته على العلاقات السورية مع
الجماعات والقيادات الفلسطينية الموجودة في سوريا، وهي علاقات لا
تتصل فقط بالموقف السياسي الذي تتخذه دمشق من القضية الفلسطينية
والصراع العربي الإسرائيلي، بل تتصل بما هو ابعد من ذلك بكثير، إذ
إضافة إلى عوامل تاريخية وجغرافية واجتماعية، فإنها تتصل بوجود نحو
نصف مليون فلسطيني في سوريا، تقيم أغلبيتهم في دمشق، ويشكلون بعد
فلسطيني الأردن ثاني أكبر تجمع للفلسطينيين في الشتات، وهو تجمع من
الصعب أن يكون بعيداً عما يحيط بالواقع الفلسطيني من تطورات وتحديات،
لا تستطيع معها دمشق أن تجعل الفلسطينيين فيها خارج الأحداث
والتطورات، كما لا يمكنها الفصل بين الوجود الفلسطيني وقياداته فيها،
وهو أمر بدا واضحاً في ردها على الضغوط السياسية المتواصلة وخاصة
الأميركية منها بشأن وجود القيادات والمنظمات الفلسطينية فيها.
عملية
"إسرائيل" في دمشق باغتيال كادر "<حماس" عز الدين الشيخ خليل، حدث
جديد وخطير في بيئته ومجرياته، وهو شديد الخطورة في تداعياته، التي
قد تتجاوز في حدودها الصراع السوري الإسرائيلي، والعلاقات الفلسطينية
السورية إلى تداعيات إقليمية ودولية.
* كاتب سوري
|