شارون يشارك أمريكا ضغطها على سوريا
د. عصام
نعمان
صحيفة
الخليج الإماراتية 2/10/2004
لعل المعنى
الأبرز، في هذه الآونة، لعملية اغتيال القيادي في "حماس" عز الدين
الشيخ خليل في قلب دمشق هو دخول حكومة أرييل شارون بشكل فاعل ومدوٍ
في حملة الضغوط الأمريكية على سوريا. للعملية أغراض أخرى، بطبيعة
الحال، لكن توقيتها يشي بصلة مريبة بالحملة الأمريكية المتصاعدة على
دمشق. كانت الحملة بدأت بقانون "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"
مروراً باستصدار القرار 1559 عن مجلس الأمن، وصولاً إلى إعادة تفعيل
مطالبة دمشق وفق ما تسميه واشنطن "دعم التنظيمات الإرهابية والأفراد
الإرهابيين في أراضيها" وإعطائها تل أبيب ضمناً دوراً ساخناً فيها.
صحيح أن لـ
"إسرائيل" مصلحة في الرد على عملية "حماس" الأخيرة في بئر السبع. غير
أن الانتقام كان يمكن أن يستهدف أشخاصاً ومواقع في الداخل الفلسطيني،
كما يحدث دائماً، من دون المجازفة المحسوبة بتعريض الهدنة السورية
–"الإسرائيلية" لخطر التصعيد الثأري المتبادل.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن إيران مرشحة لأن تصبح قوة نووية في مدى 5 إلى 7
سنوات. أمريكا تريد تعطيل هذا التطور الخطير وانعكاساته السلبية على
مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين. غير أن إيران لا تشكّل، في الوقت
الحاضر والمستقبل المنظور، تهديداً محسوساً يبرر لأمريكا ضربها. من
هنا تتولد حاجة واشنطن إلى اعتماد "إسرائيل" أداةً لضرب إيران في
الوقت المناسب بدعوى أن سياستها تهدد الدولة العبرية في أمنها
وكيانها ومصالحها الإقليمية. لكن "إسرائيل" لن تجازف بضرب إيران إلاّ
بعد توفير ضمانات سياسية وعسكرية لها في محيطها. من هذه الضمانات عدم
دخول سوريا ومنظمات المقاومة المتحالفة معها، كحزب الله و"حماس"
و"الجهاد الإسلامي"، طرفاً في الصراع الساخن. الحصول على هذه
الضمانات يتطلب إضعاف سوريا ومنظمات المقاومة المتحالفة معها إلى
درجة تعجز معها عن القيام بأي دور عسكري مؤثر. في هذا السياق يمكن
تفسير عملية دمشق الأخيرة.
لأمريكا غرض
آخر من وراء تشجيع "إسرائيل" على ضرب سوريا. إنه إرهاب دمشق لحملها
على تقديم تنازلات محسوسة لها في العراق وعلى طول حدودها معه. ثم إنه
إرهاب لها أيضاً لحملها على سحب قواتها من لبنان والتوقف عن دعم حزب
الله المتربص ب "إسرائيل" في الجنوب اللبناني لتحرير ما تبقى منه،
وبالتصدي لاعتداءاتها المتواصلة.
ثمة من يرى
أيضاً أن لأمريكا غرضاً ثالثاً من وراء إضعاف سوريا. إنه "إعداد"
دمشق لتتولى دوراً أمنياً وربما سياسياً في العراق على غرار ما قامت
وتقوم به في لبنان. غير أن احتمال إسناد مثل هذا الدور لسوريا يجب
ألاّ يؤدي، في نظر أمريكا، إلى تكبير حجمها الإقليمي. من هنا تستبين
حاجة أمريكا و"إسرائيل" إلى تحجيم نفوذ سوريا في لبنان وبين منظمات
المقاومة الإسلامية على نحو يضطرها، في إطار المحافظة على أمنها
القومي، إلى تقليص حضورها ودورها في لبنان كي تستطيع الوفاء بمتطلبات
دورها في العراق.
سوريا لن
تسمح لنفسها بالانزلاق إلى فخ المخطط الأمريكي. ستقاوم بضراوة
محاولات أمريكا إزاحتها من لبنان الذي بات جيوسياسياً وعسكرياً
جزءاً بالغ الأهمية من أمنها القومي. لكنها لن تخاطر بمناطحة أمريكا
و"إسرائيل" مجتمعتين وبصورة مباشرة في ما يخص منظمات المقاومة
الفلسطينية. لذلك فهي تتدارس مع مصر خطة لتوزيع القيادات الفلسطينية
الناشطة خارج الأراضي المحتلة على نحوٍ يحمي وجودها وحركتها من جهة
ولا يحرج العواصم العربية المضيفة من جهة أخرى. في هذا السياق، يبدو
أن القاهرة ودمشق اتفقتا على محاولة كسر حدّة الهجمة الأمريكية على
سوريا بإبراز استعداد دمشق لإحياء عملية السلام بالعودة إلى طاولة
المفاوضات. لعل هذا ما يفسر حرص فاروق الشرع، وزير خارجية سوريا، على
تضمين خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إشارة إلى "تهرّب
"إسرائيل" الواضح من استئناف مباحثات السلام برغم وجود يد ممدودة
فلسطينية وسورية ولبنانية".
لا يبدو
شارون في وارد التجاوب مع مساعي مصر وسوريا في شأن إحياء عملية
السلام. ذلك أن برنامجه التوسعي ما زال أولوية مطلقة لديه. هذا
بالإضافة إلى اعتبار آخر هو حرصه على استغلال موسم انتخابات الرئاسة
الأمريكية إلى أقصى حدّ ممكن. ففي هذا الموسم يكون الابتزاز مجدياً
ومجزياً، خصوصاً مع وجود تماثل في الرؤية بين بوش وشارون تجاه ما
يسميانه "الحرب على الإرهاب".
ماذا على
جدول أعمال شارون في مجال الابتزاز؟
ثمة إشارات
إلى احتمالات متعددة في هذا السبيل. بعضها يتعلق بإمكانية انتهاج
مبادرة عدائية ضد المسجد الأقصى بعد صدور تحذيرات صهيونية متفاوتة في
خطورتها حول احتمال تداعي جزء من صحن المسجد تحت وطأة جموع المصلين
في شهر رمضان المبارك. يقال في هذا الصدد إن المبادرة العدائية
الصهيونية تهدف إلى خلق مشكلة جديدة للفلسطينيين ينصرفون إلى
معالجتها على نحوٍ يمكّن شارون من صرف النظر نهائياً عن خطة الفصل،
أي الانسحاب من مستوطنات قطاع غزة والمستوطنات الأربع في الضفة
الغربية. بل إن طموح شارون يتعدى هذه المسألة إلى إمكانية طيّ مشروع
"خريطة الطريق" الذي اعتمدته، بمبادرة من بوش، اللجنة الرباعية
الدولية. ويتردد أيضاً أنه إذا ما سقط بوش في انتخابات الرئاسة، فإن
"خريطة الطريق" سوف تسقط معه بالتأكيد.
ثمة إشارة
أخرى إلى إمكانية قيام "إسرائيل" بهجوم واسع تحت ستار استهداف مواقع
لحزب الله في لبنان. يتردد أيضاً أن شارون سينتهز صدور توصيات أو
توجيهات عن مجلس الأمن عقب مناقشته تقرير كوفي أنان حول مدى انصياع
سوريا ولبنان لتنفيذ بنود القرار 1559 من أجل تسديد ضربة شديدة لحزب
الله أو للقوات السورية في لبنان أو القيام بالأمرين معاً.
لا شك في أن
سوريا باتت في مركز سياسي ودبلوماسي أفضل بعد إنجازها عملية إعادة
انتشار واسعة لقواتها في لبنان. لذلك يخشى مراقبون في بيروت أن تتركز
الضربة "الإسرائيلية" المرتقبة على مكاتب ومنازل مسؤولين قياديين
كبار في حزب الله أو على وسائل إعلامه الإذاعية والتلفزيونية التي
يتهمها مسؤولو الأجهزة الأمنية الصهيونية بأن لها دوراً فاعلاً في
تحريض الفلسطينيين على المقاومة وفي تعبئة الشعب الفلسطيني ضد
الاحتلال.
هجوم
"إسرائيل" على قياديي حزب الله ووسائله الإعلامية لن يكون نزهة، ذلك
بأن الحزب قادر، دونما شك، على الرد بقوة وعنف بالغين بفضل ذراعه
الصاروخية الطويلة من جهة، وبفضل خبرته المتراكمة في منازلة العدو في
أكثر من جبهة وميدان من جهة أخرى.
لبنان مرشح،
على ما يبدو، ليكون ساحة صراع ساخن على المستويين السياسي والأمني.
غير أن امتلاك حزب الله، ومن ورائه سوريا، إرادة التصدي المقرونة
بقوة ردعية صاروخية فاعلة يعطي اللبنانيين، رغم التوتر والترقب،
شعوراً ضمنيا بالطمأنينة. ف "إسرائيل" ستفكّر مرتين قبل أن تجيز
لنفسها اقتراف عدوان جديد قد تتأذى منه وتتوجع رغم امتلاكها قدرة
متقدمة على الإيذاء.
|