الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

لمدى عشرات السنين تدمر "إسرائيل" المساجد

 

إبراهيم العابد

صحيفة الوطن القطرية 19/9/2005

 

ألصق القادة الإسرائيليون بالفلسطينيين أقسى الأوصاف والاتهامات بسبب احتراق أحد المباني الخالية والآيلة للسقوط التي كان يستخدمها بعض المستوطنين كمكان للصلاة متجاهلين حقائق أساسية أولها أن المحكمة الإسرائيلية العليا أمرت بهدم هذه المباني، وثانيها أن هذه المباني ليست مباني تاريخية بل مؤقتة عمرها سنوات قليلة إضافة إلى أن المستوطنين قاموا بنقل كل مظاهر العبادة منها، الحادث المحدود الذي أدى إلى احتراق أحد الكنس في قطاع غزة نقل في بث مباشر من قبل العديد من محطات التلفزة في العالم إضافة إلى التلفزة الإسرائيلية بالطبع.

 

أما ما يحدث منذ عشرات السنين من تدمير متعمد للمساجد في فلسطين، وتحويل أغلبيتها إلى كنس أو إلى إسطبلات وأماكن لهو، فلا يلفت انتباه أحد ولا يتكلم عنها قريب أو بعيد اللهم إلا عرب فلسطين الذين مازالوا في أرضهم «غرباء» في أرضهم يشاهدون يومياً سياسة القمع والعنصرية ويرون ما يحدث لكل أثر عربي أو إسلامي من انتهاك وتدنيس وتدمير، من الضروري أن تطرح هذه القضية أمام العالم ليرى "إسرائيل" على حقيقتها من ناحية وكمحاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ناحية أخرى.

 

ولأننا نكتب عن بعد، فإننا نعتمد على شهادات إسرائيلية تتحدث عن مصير هذه المساجد وتكشف أبعاد المأساة، صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية نشرت يوم 16 سبتمبر الحالي معلومات مخيفة عن مصير 34 مسجداً أغلبيتها تحولت إلى كنس أو متاحف وبعضها تحول إلى مساكن أو مخازن، واثنان على الأقل تحَولا إلى مقاه وواحد تحَول إلى إسطبل.

 

كما نشرت «هآرتس» معلومات عن 39 مسجداً آخر متروكة ولا سبيل للوصول إليها.

 

ويقول الصحفي الإسرائيلي ميرون ربوبورت إنه حاول الحصول على معلومات من مصادر رسمية عن هذه المساجد ولكن محاولاته «ذهبت أدراج الرياح»، فقد تم حل وزارة الأديان وانتقلت صلاحياتها إلى رئاسة الوزراء، وحين توجه بالسؤال إلى ديوان رئاسة الوزراء قيل له إن مسؤولية الأماكن المقدسة انتقلت لوزارة الداخلية وهي بدورها أبلغته أن وزارة السياحة هي المسؤولة.. الحلقة المفرغة دفعت بالصحفي الإسرائيلي أن يقوم بنفسه بجولة ميدانية للتحقق من القائمتين اللتين أرسلهما له مواطن فلسطيني اسمه سامي حلمي من مؤسسة الأقصى، يقول ربوبورت إنه تبين له بعد رحلة قصيرة أن قائمة حلمي هي بالفعل قائمة جزئية وأن الواقع يشتمل على ما هو أكثر منها بكثير.

 

اثنان من المساجد في منطقة الوسط تحولا إلى كنس بالفعل، مكانان آخران في داخل تل أبيب، هذان المكانان الأول فيهما استخدم كنادٍ شبابي ومؤخراً كاسطبل للجياد إلى أن تم تركه، أما الثاني فيستخدم ككنيس وهذان المكانان لا يظهران بالمرة في القائمة التي حصلت عليها «هآرتس».

 

وتتوالى المشاهد المأساوية: نس تسونامي كانت حتى حرب 1948 تجمعاً سكنياً مختلطاً، في موقع مجلس نس تسونامي الرسمي يكتب آفنر كهانوف، بأن الحي العربي أقيم شرقي الشارع الرئيسي في الثلاثينات، كان فيه ألف مواطن عربي بنوا فيه مسجداً في العام 1934. مسجد الأمس يستخدم اليوم ككنيس لأتباع حركة شاس، كهانوف يتذكر مأذنة المسجد التي غابت عن الوجود اليوم، أحد سكان نس تسونامي القدامى أوضح لنا هذه الأحجية «في 15 مايو 1948 احتشدت القرية التعاونية في نس تسونامي حول المسجد حيث كان العرب قد اختفوا من وسطها في اليوم السابق، أهالي نس تسونامي نهضوا في الصباح ولم يجدوا لهم أثراً، وقفنا حول المسجد حيث كان بعض عناصر البالماخ (قوات الصاعقة التابعة للهاجانا) يتواثبون على المأذنة ومن ثم ربطوا فيها حبلاً وشدوها إلى الأسفل فسقطت»، هذا الشخص المعروف والمشهور قال إنه شعر بالخجل مما رآه، ولكنه مع ذلك ليس مستعداً ليفصح عن اسمه فالحساسية مازالت كبيرة جداً، يقول الصحفي الإسرائيلي.

 

ويواصل حديثه فيقول من يسافر على الطريق القديم بين تل أبيب والقدس يعرف «مبنى القبب» الموجود بجوار الشارع تماماً، على مدخل المنطقة قبالة المنطقة الصناعية في حولون، المبنى أصبح مخفياً اليوم من خلف الجدار الذي يفصل بين المباني الجنوبية في المنطقة وبين الشارع، ولكن مازال من الممكن ملاحظة خصوصيته، موقع الانترنت الرسمي لمجلس ازور المحلي، تماماً مثل موقع يازور الفلسطيني على الأنترنت (موقع فلسطيني مكرس لتاريخ النكبة) يتفقان على تاريخ هذا المبنى: مسجد بني في القرن الثاني عشر تقريباً، المكان تحول إلى كنيس بعد 1948 ويسمى «أبواب صهيون» هذا الاسم الذي أطلق اليوم على الكنيس، ويقول الصحفي الإسرائيلي إن جدران المبنى مرممة ولكن التمعن في القبب الموجودة على السطح يظهر لك طرازاً مملوكياً مثل الذي نشاهده في كثير في مباني البلدية القديمة في القدس.

 

مشهد آخر.. مركز حي كفار شليم - كان ذات مرة حياً فقيراً تابعاً لتل أبيب، وفي الماضي الأبعد كان قرية فلسطينية اسمها سلمة، حتى الثمانينات كانت هناك بيوت عربية متقاربة للسكان الأصليين كما يقول سكان الحي اليهودي، حيث حل بها السكان اليهود بعد أن هجرها أصحابها بعضهم لاجئون من معارك المنشية، الحي اليهودي العربي على حدود يافا - تل أبيب «المكان بدا مثل القصبة» يقول شاب ترعرع في الحي بحنين.

 

السكان يذكرون المبنى الكبير المحاط بالسور الذي يقف الآن قبالة المتنزه الجديد، مسجد سلمة الأصلي، هم يذكرون أيضاً أن المكان كان نادياً شبابياً حتى الثمانينات، بعد المدرسة كنا نأتي إلى المكان لنتعلم الألعاب المختلفة» يقول الشاب، قاعة الصلاة قسمت إلى غرف، وفي الساحة المحيطة بالمسجد كانوا يلعبون كرة القدم، الجميع يعرف أن هذا كان مسجداً، وهذا الأمر بدا لهم طبيعياً.

 

في منتصف الثمانينات أغلق النادي، المسجد السابق تحول طوال عدة سنين إلى إسطبل، بواباته الحديدية في قاعة الصلاة ومرابط الجياد القاسية ملقاة على الأرض تدل هذا الماضي غير البعيد، المبنى أصبح اليوم فارغاً خاوياً.

 

أحد سكان سلمة في السابق الذي يقطن اليوم في اللد يقوم بتنظيفه بين الحين والآخر، علي يتيم، أحد سكان يافا الذي انحدر والداه من سلمة يقول إن كل محاولاتهم لاستعادة المسجد قد فشلت، الشاب يقول إن البلدية تخطط لتحويل كل المنطقة إلى منتزه كبير وتدمير المنازل المتبقية والإبقاء على «المسجد» في المنتصف فقط.

 

لا نذكر هذه البيانات والشهادات لنبَرر ما حدث في غوش قطيف، ولكن لنبَين أن هناك مأساة كبيرة ومذبحة بحق التاريخ تحتاج لمن يسلط عليها الضوء ويرفع الصوت احتجاجاً.. فلعلَّ وعسَى.