الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

من سيضرب إيران... أميركا أم "إسرائيل"؟

 

غازي العريضي   

صحيفة الاتحاد الإماراتية 29/1/2005

 

يبدو أن ثمة اتفاقاً أميركياً إسرائيلياً على هدف جديد مشترك ألا وهو ضرب إيران. لكن الخلاف قائم على الجهة التي تبادر إلى تبني هذه العملية وتنفيذها. فمنذ مدة تم تسريب أنباء وتقارير صحافية تتحدث عن لجوء "إسرائيل" إلى ضرب المفاعلات النووية الإيرانية على غرار ما قامت به في العراق عندما دمرت مفاعل تموز. وكانت تلك الضربة الأولى للقدرات العراقية وحظي العدوان بحماية أميركية كاملة وصمت دولي باستثناء بعض ردود الفعل الخجولة. وبعدما أنجزت إيران اتفاقاً مع اللجنة الثلاثية الأوروبية - بريطانيا - فرنسا - وألمانيا - ثم اتفاقاً مع وكالة الطاقة الذرية الدولية، وقطعت الطريق على كل محاولات حصارها وفرض عقوبات عليها بعد إحالة ملفها إلى مجلس الأمن، وبعدما نجحت في قطع الطريق على أميركا و"إسرائيل"، عاد الحديث إلى العدوان المباشر، فأعلن نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني: "أن "إسرائيل" قد تشن ضربة استباقية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية"، مضيفاً "أن على العالم أن يتحمل مسؤولياته"!.

وكان قد سبق ذلك نشر معلومات في مجلة "نيويوركر" الأميركية تفيد أن قوة أميركية تنفذ سراً مهمات استطلاعية داخل إيران بحثاً عن المواقع النووية... وبالتالي أعطت الإدارة الأميركية الضوء الأخضر لإسرائيل للقيام بهذا العدوان ومهـّدت له بتقديم المعلومات المطلوبة، ووفرت التغطية المسبقة!.

وكنا قد أشرنا في المقالة السابقة إلى مثل هذا الاحتمال خصوصاً بعد تكوّن قناعة لدى الأميركيين بأن الموالين والمعارضين في إيران يصرون على حق دولتهم في الحصول على الأسلحة النووية والقدرات الذاتية التي تحميها. والتقيت منذ مدة قصيرة أحد المسؤولين العرب المطـّلعين على مجريات الأمور وأبلغني أنه سمع كلاماً من بعض الموفدين الدوليين يؤكد إصرار الأميركيين على ضرب إيران قريباً، وأبلغني أيضاً رفض عدد من المسؤولين العرب لهذا التوجَه وأنهم أبلغوا الأميركيين ذلك.

أما "إسرائيل" فهي صاحبة مصلحة أساسية في ضرب إيران. فهي وبعد ضرب المفاعل العراقي، كانت شريكاً أساسياً في التحضير للحرب التي قادتها أميركا، ثم في القرارات التي اتخذها المسؤولون الأميركيون عن الإدارة في العراق والتي فككت كل المؤسسات، ثم أخيراً عن عمليات قتل العلماء، والمشاركة في تسعير الصراع المذهبي والطائفي في البلاد. في النتيجة "إسرائيل" استفادت من انهيار قوة عربية حقيقية كبيرة، ومن إفقار شعب مثقف متعلم قوي قادر ومحصن بمعرفة كبيرة إضافة إلى إمكاناته المادية الهائلة وقوته العسكرية الكبيرة.

صحيح أن تلك الإمكانات كانت تستخدم من قبل نظام مستبد لكنها في النهاية إمكانات الشعب العراقي ولابد من تدميرها إما عن طريق هذا النظام، وهذا ما حصل في مرحلة معينة عندما دعمته أميركا وورطته في حروب متلاحقة، وإما عن طريق إسقاط النظام لاحقاً وهذا ما حصل في الحرب. وبعد العراق تستهدف "إسرائيل" سوريا وإيران. إنها تريد تجريد كل الدول العربية والإسلامية من طاقاتها وإمكاناتها لتستفرد بها دولة وراء دولة ولتفرض سيطرتها، وقد امتدت التهديدات الإسرائيلية إلى السعودية ومصر اللتين اتهمتهما الأجهزة الإسرائيلية بتطوير قدراتهما النووية في إشارة إلى ما ينتظرهما مستقبلياً وبعد الانتهاء من إيران وسوريا!.

هذه هي السياسة الإسرائيلية الواضحة الأهداف والمتلاقية في الأهداف مع السياسة الأميركية. ولذلك يتم التركيز على إيران اليوم وضرب منشآتها النووية. وبعد تصريحات ديك تشيني عن احتمال قيام "إسرائيل" بتوجيه الضربة لإيران قال نائب رئيس الحكومة الإسرائيلية شيمون بيريز:" يجب أن يعبّأ العالم ضد الخيار النووي الإيراني. فإيران أصبحت مركز جميع الأخطار في الشرق الأوسط وهذا الأمر يعني كل الأسرة الدولية لا "إسرائيل" وحدها". إنها عملية تحضير للرأي العام الدولي وتعبئته ضد إيران لتبرير ما يمكن أن يحصل. وقد دعم بيريز كلامه هذا بالقول: "إذا تصرفنا لوحدنا فسنبقى لوحدنا. الجميع يعلم قدراتنا لكن يتعين علينا أن ندرك حدودنا. طالما أن ثمة احتمالاً لأن ينتظم العالم لمحاربة الخيار النووي الإيراني فلندع العالم ينظم نفسه"!. ودعا بيريز الولايات المتحدة إلى القيام بالعمل العسكري ضد إيران لا "إسرائيل" لأن "لدى أميركا أدوات أكثر ومجالاً أوسع للمناورة". ورمى الكرة في الملعب الأميركي أيضاً عندما قال: "الأميركيون أنفسهم يقولون بأنهم يفضلون سلوك الطرق الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية (من أجل ردع إيران عن حيازة السلاح النووي) وهم لا يستبعدون الخيار العسكري إلا أن القرار يعود إليهم وليس إلينا". وكأنه يقول: ما دمنا متفقين على الهدف لماذا يريد الأميركيون دفعنا إلى التنفيذ وتحميلنا المسؤولية وهم يختارون طريق التفاوض أو العقوبات. وبالتالي فإن الخلاف ليس على المبدأ بل على الطرف الذي يجب أن ينفذ كما ذكرت!.

أما رئيس الموساد الإسرائيلي مائير دغان فقد أعلن: "أن إيران ستصل في نهاية عام 2005 إلى نقطة اللاعودة من الناحية التكنولوجية وهي مرحلة يمكن لإيران خلالها إنتاج مادة مخصبة من دون مساعدة خارجية ومن تلك المرحلة الطريق إلى القنبلة النووية قصير". وأضاف مشيراً إلى الاتفاق الإيراني - الأوروبي، إن " الإيرانيين يجاهدون لضمان اتفاق مع الأوروبيين يسمح لهم بمواصلة التخصيب حتى على مستوى مكثف وتحت المراقبة ومع ضمانات...".

الأميركيون يدفعون الإسرائيليين لتوجيه ضربة إلى إيران. والإسرائيليون يحرضون ويدفعون أميركا إلى القيام بهذا العمل مباشرة. وبالتالي علينا أن ننتظر في أي لحظة عدواناً على إيران وليس مهماً من أين سيأتي، من أميركا أو من "إسرائيل". ولكن هل هذا يعني أن الأمر قد يمر بلا انعكاسات؟ الخطة الأميركية خبيثة فهي تريد أن تدفع بإسرائيل لتنفيذ العملية، ولا أعتقد أن "إسرائيل" بريئة وصادقة فيما تعلنه من تردد ومحاولة رمي المسؤولية على أميركا. "إسرائيل" لا تمانع في القيام بهذا العمل ولكنها تريد الثمن مسبقاً. فإن هي أقدمت على الضربة أزاحت المسؤولية المباشرة عن أميركا وحققت لها ما يريحها. ولكن ربما تعرضت لعمليات مكثفة في الداخل الفلسطيني من قبل منظمات تساندها إيران وربما تعرضت مراكزها في الخارج لعمليات - ربما - وبالتالي يجب أن تكون طليقة اليد في الرد على كل شيء للاستفادة مما يحصل لتحقيق الأهداف الاستراتيجية أولاً في فلسطين وتالياً في المنطقة.

وأميركا تريد أن تتجنب الضربة المباشرة لإيران لأن لهذه الأخيرة القدرة على زعزعة الوضع في العراق وقلب المعادلة في وجه الإدارة الأميركية. وموضوع العراق هو قضية حياة أو موت بالنسبة إليها. وفي كلتا الحالتين فإن إيران لن تسكت وهي تمتلك أوراقاً كثيرة لابد أنها ستستخدمها في العراق وخارجه للدفاع عن نفسها. وإذا كان المقصود تغيير النظام فإن مثل هذا العدوان على المنشآت الإيرانية قد يعزز حضوره ودوره ويثير كل الإيرانيين ضد أميركا و"إسرائيل". ولذلك فإن عملية من هذا النوع ليست مضمونة النتائج الإيجابية كما يفكر الأميركيون والإسرائيليون إضافة إلى أن المجتمع الدولي ليس مسانداً لمثل هذا العمل في ظل التجاوب الإيراني مع اللجنة الأوروبية ووكالة الطاقة الدولية.

هل يعي الأميركيون والإسرائيليون هذه الحقيقة؟. الكرة في الملعب الأميركي لأن "إسرائيل" هي المستفيد الأكبر من كل ما يجري. ولكن مهما كان التصرف الأميركي فإن الحملة على إيران لن تتوقف وعلى العرب ألا ينسوا أنها ستشملهم لاحقاً. ولذلك فإن الجميع معني بمخاطر هذه السياسات والتوجهات وهذا سبب إضافي لتعزيز العلاقات الإيرانية - العربية على قاعدة احترام المصالح المشتركة والخصوصيات في الوقت ذاته!.