|
من هم أسياد الأرض؟
زهير أندراوس
صحيفة السفير
اللبنانية 13/7/2005
أبرزت وسائل
الإعلام العبرية خبر اللقاء الذي جمع بين رئيس جهاز الأمن العام
(الشاباك الإسرائيلي)، يوفال ديسكين، والحاخام أبراهام شابيرا، الذي
يعتبر المرجعية الدينية لما يطلقون عليه اسم الصهيونية الوطنية.
اللقاء بين الرجلين وصف بالإيجابي، ونوقشت خلاله قضية البدء بتنفيذ
خطة فك الارتباط وتصرفات المستوطنين، الذين نظموا أعمالاً بربرية
وأحرقوا الأخضر واليابس، وأغلقوا الشوارع وشلوا الحياة العامة في
الدولة.
رد الأجهزة
الأمنية الإسرائيلية على هذه الأعمال البربرية كان وما زال متهاوناً،
الأمر الذي يقطع الشك باليقين أن سوائب المستوطنين الكولونياليين هم
أسياد هذه البلاد. السيد ديسكين، الذي ابتكر طريقة اغتيال النشطاء
الفلسطينيين، تلقبه الصحافة العبرية، طبعاً بتحبب، ب"الرجل الذي
يتجول والسكين في فمه"، حاول إقناع الحاخام شابيرا بالعمل على لجم
المستوطنين وإصدار فتوى للحد من هذه الأعمال التي تمس مساً سافراً
بما يسمى الديموقراطية الإسرائيلية.
والأمر
المثير في هذا اللقاء أن الإعلام العبري تجاهل عن سبق الإصرار
والترصد التنويه بأن غزاة الأرض سلبوا أراضي الفلسطينيين في المناطق
التي احتلتها دولتهم في عدوان حزيران من عام 1967 بدعم من
"الديموقراطية" الإسرائيلية. فحكومات "إسرائيل المتعاقبة" من الليكود
والعمل هي التي أعطت هؤلاء الغزاة الضوء الأخضر لسرقة الأرض
واعتبرتهم "ملح الارض"، لأن الحركة الصهيونية منذ نشأتها حاولت وما
تزال السيطرة بجميع وسائل الاحتيال على الأراضي العربية في فلسطين،
مستعملة مقولتها الكاذبة بأن فلسطين هي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
لقاء ديسكين
وشابيرا يثبت أن "إسرائيل" هي دولة تعتمد على المرجعيات الدينية
اليهودية لتحقيق مكاسب سياسية، وفي نفس الوقت يقوم أركان هذه الدولة
بمهاجمة ما يسمونه التطرف الإسلامي في العالم، وبرز ذلك جلياً في
تعقيب الثعلب الأبدي شيمعون بيريز، الرجل الثاني في حكومة شارون
ورئيس حزب العمل، حول نتائج الانتخابات التي جرت مؤخراً في إيران
والتي فاز فيها المتشدد محمود أحمدي نجاد، حيث قال إن انتخاب أحمدي
نجاد يشكل خطراً على الأمن العالمي. أما الصحافة العبرية المتطوعة
لصالح ما يسمى الإجماع القومي الصهيوني، فقد نشرت المقالات التحليلية
للمستعربين في الإعلام والذين قرروا أن الشعب الإيراني بتصويته
لأحمدي نجاد اختار التخلف.
المنطلقات
الإسرائيلية في التعامل مع الآخر أو مع الغير واضحة: يجوز لهذه
الدولة مهاجمة "التطرف الإسلامي" متناسية أن التطرف الديني في
"إسرائيل" هو من صنعها، وأكبر دليل على ذلك هو الاجتماع بين ديسكين
وشابيرا.
والشيء
بالشيء يذكر: الخبر عن اللقاء المذكور نشر في نفس اليوم الذي قررت
فيه لجنة الثلث التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية إطلاق سراح الشيخ
رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية في مناطق ال48 حتى موعد أقصاه
الثامن عشر من الشهر الجاري. وفي "إسرائيل" وضعت اللجنة شرطاً ينص
على منع الشيخ صلاح من زيارة المسجد الأقصى المبارك لمدة أربعة اشهر
من يوم إطلاق سراحه. هذا الشرط يحمل في طياته أبعاداً كبيرة،
فالمؤسسة الإسرائيلية تريد عبره توجيه رسالة غير قابلة للتأويل بأنها
ماضية في ملاحقة الحركة الإسلامية وقياداتها في البلاد.
ولا ضير في
هذا السياق أن نتذكر جميعا الحملة الشعواء التي قادها في عام ألفين
القائد السابق للواء الشمال في الشرطة الإسرائيلية اليك رون، ضد شخص
الشيخ صلاح وضد الحركة الإسلامية، ووصلت به الوقاحة إلى نعت الشيخ
بأنه إنسان رذيل.
المؤسسة
الإسرائيلية كانت على ما يبدو تخطط لزج العرب الفلسطينيين في هذه
البلاد في مواجهات مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وهذا ما حصل،
فعندما هبت الجماهير العربية ضد الزيارة الاستفزازية التي قام بها
شارون إلى الحرم القدسي الشريف، في أكتوبر الأسود، أعلنت "إسرائيل"
الحرب علينا وقتلت أجهزتها الأمنية 13 شاباً عربياً من الداخل
الفلسطيني، وشكلت لجنة تحقيق رسمية وطبعاً لم تنفذ توصياتها.
يحق لنا أن
نسأل صناع القرار في الدولة العبرية: رئيس الشاباك يستجدي الحاخام
شابيرا للعمل على تهدئة المستوطنين، فلماذا لم تفعلوا ذلك مع قيادة
الجماهير العربية في البلاد؟ لماذا لم تبادروا إلى عقد لقاءات مع
قياداتنا لاحتواء الأزمة؟
الجواب عن
هذا السؤال بسيط للغاية: "إسرائيل" هي ديموقراطية لليهود ويهودية
للعرب. وأكثر من ذلك، شاباك ديسكين كان وما زال وسيبقى يصنفنا بأننا
أعداء، بدليل أنه أصدر أوامره لجميع الوزراء الذين يصولون ويجولون في
القرى والبلدات والمجمعات العربية بأن يلتحقوا بالدروع الواقية
ويسافروا بسيارات مصفحة، وعندما يطرح تيار عربي في هذه الديار
(التجمع الوطني الديموقراطي بقيادة الدكتور عزمي بشارة) أن "إسرائيل"
يجب أن تكون دولة لجميع مواطنيها لأن هناك تناقضاً جوهرياً بين
اليهودية والديموقراطية، فإن هذا التيار يتحول في نظر المؤسسة
الحاكمة إلى تيار متطرف يسعى للقضاء على "إسرائيل".
(*) كاتب فلسطيني
|