|
بضاعة "إسرائيلية" بامتياز
عوني صادق
صحيفة الخليج
الإماراتية 14/8/2005
العمل
الإرهابي الذي نفذه المتطرف الصهيوني، الجندي الهارب من الجيش، عيدان
نتان زاده في مدينة شفا عمرو الفلسطينية المحتلة عام 1948 والذي راح
ضحيته أربعة شهداء وأكثر من ثلاثين جريحاً، يوم الرابع من آب/ أغسطس
الجاري، لم يضف إلى الصورة الحقيقية ل (دولة "إسرائيل") وما يعرفه
الجميع عن هذه الدولة، واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، أي جديد.
فهذه الدولة، منذ اللحظة الأولى، قامت وتأسست على القتل والإرهاب
والاغتصاب، واستمرت إلى يومنا هذا من دون تغيير يذكر في مكوناتها أو
مقوماتها أو تركيبتها السياسية أو الاجتماعية. كل ما في الأمر أن هذا
العمل الإجرامي كان فرصة ليمارس بعض الصهاينة ما عهد عنهم من كذب
ونفاق وتضليل، وفرصة للعالم ليكشف كذب ونفاق وتضليل كبار دعاة
(محاربة الإرهاب) الذين لم نسمع على ألسنتهم شيئاً حول الموضوع.
لقد تحركت
الوفود "الإسرائيلية"، رسمية وحزبية، إلى شفا عمرو لتقدم العزاء لذوي
الشهداء. وكان على رأس هذه الوفود وزير الداخلية أوفير بنيس،
والقائمان بأعمال رئيس الوزراء إيهود أولمرت وشمعون بيريز، ويوسي
بيلين وبنيامين بن اليعازر، عن حزبي العمل وميرتس، وعمير ميرتس عن
(الهستدروت) اتحاد نقابات العمال. ومع (الاستنكار والتنديد) بالعمل
الإرهابي، حاولوا جميعاً إظهار أن ما أقدم عليه زاده ليس أكثر من
(حادث فردي)، مع محاولات للتنصل منه، وقبل ذلك تبرئة الحكومة
"الإسرائيلية" من أي مسؤولية عنه.
الصحف
"الإسرائيلية"، بدورها، أدانت واستنكرت العمل الإرهابي، وزادت على
ذلك أن استغربت كيف أن جهاز المخابرات (الشاباك) على علم بخلفية
المجرم، وأن الجيش كان يعرف عن هربه من الخدمة، ثم لم يقم أحد من
الجهازين بتعقبه واعتقاله قبل أن يقدم على جريمته، وهكذا وجد من
يتساءل عن (دور الشاباك) في القصة، حتى انتهى الموقف إلى اتهامات
متبادلة بين قيادة الشاباك وقيادة الجيش. وقد تكون هذه الاتهامات
المتبادلة جزءاً من السيناريو العام، ألم تعلن وزيرة المعارف
السابقة، شالوميت آلوني في مقابلة صحافية، قبل الجريمة بيومين فقط،
أن ما يفعله المستوطنون يتم بالتنسيق مع شارون وحكومته؟
لم يكن القتل
في شفا عمرو (حادثاً منفرداً)، إذ لم يكن (زاده) الأول من نوعه الذي
يقترف مثل هذه الجريمة، وقد سبقه كل من نعوم فريدمان في عام 1997،
وباروخ جولدشتاين في عام 1994، وعامي بوبر في عام 1990، وقد قتل
هؤلاء 38 فلسطينياً في عمليات مماثلة وإن اختلفت التفاصيل. وثانياً،
زاده لا يمثل في (دولة "إسرائيل") ظاهرة بأي قدر. فأي ظاهرة يمثلها
(زاده) في دولة يحتل كبار إرهابييها ومجرميها، الموثق إجرامهم
عالمياً، إلى أعلى منصب في الدولة؟ وليس مناحيم بيجن وإسحق شامير
وأرييل شارون سوى أمثلة. وهو أيضاً لم يفعل ما فعله لأنه (تصادف)
وجوده (في فترة التحريض العنيف عشية فك الارتباط)، فالتحريض ضد العرب
مقرر على الطفل اليهودي منذ الحضانة، بل قبلها، وحتى يصبح رئيس وزراء
في الدولة.
إن شارون لم
يتردد، بعد وقوع جريمة شفا عمرو، في أن يصرح بالقول: "هذا عمل إجرامي
قام به إرهابي يهودي متعطش للدماء"! و(صادف) أن هذا اليهودي المتعطش
للدماء كان مستوطناً وجندياً في الجيش "الإسرائيلي"، ولا بد أن شارون
كان أحد أهم آبائه الروحيين. وبعد هربه، وجدوه قد ترك في القاعدة
العسكرية التي كان يخدم فيها قصاصة من الورق كتب عليها: "يهودي لا
يطرد يهودياً"! هذه العبارة هي أحد التنويعات الشهيرة التي رددها
دائماً قادة "إسرائيل" السياسيون والعسكريون منذ دافيد بن جوريون
وأكثر من رددها شارون نفسه، وهي عبارة (لا يؤتمن على اليهود غير
اليهود).
عيدان نتان
زاده ليس ظاهرة منعزلة عن التجمع الصهيوني في فلسطين المحتلة، بل هو
أكثر ظواهر هذا التجمع تعبيراً عنه وعن طبيعته العنصرية والإرهابية
المجرمة. وما قام به ليس عملاً (منفرداً) بل من فعل تنظيم، هو واحد
بين تنظيمات عديدة كلها إرهابية متطرفة بدءاً بحزب العمل وانتهاء
بحزب الليكود وما بينهما وما على يمين أو يسار. وبالمناسبة، فقد تبنى
عملية شفا عمرو تنظيم إرهابي باسم (كتائب شلهفيت جلعاد)، وكان قد سبق
الإعلان عنه في عام 2001 بعد عملية إطلاق نار على سيارة وقتل فيها
مواطن فلسطيني.
لقد استعمل
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، الكلمة
الأدق وهو يدين عملية شفا عمرو قائلاً: "إن الأمر لا يتعلق فقط
بمأساة كبيرة بل كذلك بمثال يجسد بقسوة أخطار تعصب لا حد له". نعم،
إن جريمة زاده هي على وجه الدقة فعل ناجم عن (تعصب لا حد له). وهذا
التعصب ليس إلا بضاعة عنصرية يهودية صهيونية، ولعلها السلعة الأولى
التي تستحق أن يوضع عليها بامتياز عبارة (صنع في "إسرائيل").
|