الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

«الإيباك».. بوابة "إسرائيل" إلى الولايات المتحدة الأمريكية

 

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

صحيفة أخبار الخليج البحرينية 30/6/2005

 

يبدو أن اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة، والمعروفة اختصارًا بـ «الإيباك»، لم تعد مجرد أبرز وأهم أذرع اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة فحسب، بل باتت توصف بأنها «دولة داخل دولة» بعد أن اختطفت النظام السياسي الأمريكي من خلال دفع شخصيات مثل «مارتن إنديك» و«دينس روس» و«دوجلاس فيث» و«جوزيف ليبرمان» و«نيوت جنجريتش»... وغيرهم إلى مواقع صنع القرار داخل الإدارة الأمريكية وداخل الكونجرس بصفة خاصة، حتى باتت هذه المنظمة تمتلك القدرة على التحكم في مجريات الحياة السياسية الأمريكية بما يخدم توجهاتها وأهدافها، رغم كل ما يثار من شكوك واتهامات حول علاقاتها المشبوهة بـ"إسرائيل"، التي أكدتها سلسلة من الفضائح، كان آخرها: قضية اعتقال «لاري فرانكلين» المحلل بالبنتاجون الذي نقل معلومات مهمة وخطيرة عن موقف القوات الأمريكية في العراق لإسرائيل عبر مسؤولين بمنظمة الإيباك.

 

ففي مشهد استعراضي للقوة والنفوذ، نجح القائمون على المنظمة المذكورة في حشد أكثر من 5 آلاف مؤيد لإسرائيل يتقدمهم رئيس الوزراء الإسرائيلي «أرييل شارون» ووزيرة الخارجية الأمريكية «كونداليزا رايس» والعشرات من أعضاء الكونجرس لحضور المؤتمر السنوي للمنظمة المنعقد في الثالث والعشرين من شهر مايو 2005م وهو أكبر عدد لحضور مؤتمرات تلك المنظمة التي تأسست عام 1951م. ورغم الأزمة السياسية التي كانت – ولا تزال - تمر بها العلاقات الإسرائيلية - الأمريكية بسبب عمليات التجسس التي تكتشف من وقت لآخر على الولايات المتحدة من جانب "إسرائيل"، والخلاف بين تل أبيب وواشنطن حول الصفقات العسكرية الإسرائيلية لكل من الصين والهند، فإن المشاركين في المؤتمر تسابقوا على كسب ود «إيباك» واللوبي اليهودي من خلال: إبداء دعمهم المطلق لإسرائيل، والتعهد بضمان تفوقها النوعي في شتى المجالات على كل جيرانها مجتمعين، والعمل على احتواء أعداء "إسرائيل" والسعي الدؤوب لإسقاطهم أو تبديل أيديولوجياتهم واستراتيجياتهم، وكأن لسان حال المؤتمر يقول: إن العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية أكبر من أي اعتبارات أخرى حتى إن كانت المصلحة الوطنية الأمريكية ذاتها.

 

وضمن هذا السياق، اختار شارون هذا المؤتمر - الذي اعتبرته صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية يوم 22/5/2005م أنه «أكبر منتديات اليهود في العاصمة الأمريكية» - ليعلن فيه رؤيته أو السيناريو الكامل الذي سيقوم بتنفيذه في المرحلة القادمة والمتعلق بالجانب الفلسطيني، وهو السيناريو الذي يختلف كليًا مع الطرح الأمريكي ولا يتفق معه سوى فيما يتصل بتطبيق الوعود الأمريكية التي منحها الرئيس بوش لشارون في زيارته خلال العام الماضي 2004م، خاصة أنه يقوم على لاءات عدة، هي: لا للتفاوض حول القدس، لا لتفكيك المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية، لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، لا للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو عام 1967م. الأمر الذي أثار العديد من علامات الاستفهام حول هوية تلك المنظمة «إيباك» التي اختارها شارون ليعلن فيها وبين أعضائها تحديه للمطالب الأمريكية ذاتها.

 

وبنظرة سريعة على تاريخ عمل تلك المنظمة - التي وصفتها مجلة «فورتشن» بأنها واحدة من أهم خمس جماعات ضغط في أمريكا كلها - سنصل إلى نتيجة مفادها أن النفوذ الذي تمتلكه إيباك داخل الحياة السياسية الأمريكية لم يكن لأنها مجرد جماعة ضغط صهيونية فاعلة داخل الولايات المتحدة، وإنما لكونها العمود الفقري والقطب المركزي لجميع المنظمات الصهيونية الموجودة في هذا البلد والناشطة في مختلف المجالات، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، التي تتحرك وفق الأولويات والأدوار التي تحددها وترسمها «إيباك» لتحقيق عدة أهداف رئيسية، هي: ضمان تقديم مساعدات مالية أمريكية لإسرائيل تفوق أي مساعدات تقدم لدول أخرى، وتوفير حماية دبلوماسية غير مشروطة لتل أبيب في الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، والدفاع عنها ضد التهديدات في الحروب المستقبلية، وإعداد أجيال أمريكية جديدة تؤيدها في المستقبل.

 

ولم يأت هذا الدور المركزي والمهيمن لـ «إيباك» من فراغ، وإنما نتيجة لتفاعل وتشابك عدة عوامل موضوعية، لعل أبرزها: الإمكانات المادية والمعنوية التي يمتلكها التيار الصهيوني داخل المجتمع الأمريكي مقابل غياب أو ضعف التأثير العربي والإسلامي، والحرية الممنوحة لجماعات الضغط الأمريكية، والمصالح المشتركة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، إضافة إلى البعد الديني المؤثر في تركيبة المجتمع الأمريكي والمتمثل فيما بات يعرف باسم «الصهيونية المسيحية» التي يمثلها بعض الطوائف المسيحية - التي تشكل ثلث سكان الولايات المتحدة - التي ترى في دعم "إسرائيل" وضمان قوتها جزءًا أساسيًا من معتقداتها الدينية.

 

وقبل هذا وذاك، امتلاك «إيباك» قدرات وإمكانات لم تتوافر لغيرها من المنظمات الصهيونية الأخرى، فميزانيتها تقدر بمليارات الدولارات، ويتجاوز عدد أعضائها 65 ألف شخص غالبيتهم من العناصر السياسية الفعالة في مختلف الولايات الخمسين في أمريكا، كما ترتبط إدارتها بشبكة واسعة ومعقدة من العلاقات والمصالح مع المئات من أعضاء الكونجرس الأمريكي والإدارة الأمريكية ومجالس المحافظات والشخصيات المحلية والأحزاب والقوى والمنظمات والأفراد والجماعات الأخرى التي يتشكل منها النسيج الاجتماعي الأمريكي، حتى تحولت إلى مركز لصياغة القرارات في كل القضايا التي تخص "إسرائيل" ومنطقة الشرق الأوسط في السياسة الخارجية الأمريكية.

 

كما تمتلك «إيباك» شبكة واسعة من لجان العمل السياسية المحلية، التي بلغ عددها حتى عام 2002م أكثر من 126 لجنة في مختلف الولايات الأمريكية، ومهمتها الأساسية تتمثل في تنسيق الجهود لدعم المرشحين المؤيدين لإسرائيل في الانتخابات الفيدرالية، كما تمتلك ما لا يقل عن 50 لجنة عمل سياسي تمنح المرشحين الذين يواجهون تحديات انتخابية في دوائرهم أموالاً تبلغ نحو نصف مليون دولار بما يكفي المرشح لتغطية نفقات أوقات الدعاية الانتخابية التليفزيونية، وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أنه في انتخابات عام 2002م ساعدت «إيباك» في جمع 6.5 ملايين دولار لمساعدة المرشحين المفضلين لديها من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

 

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد أيضًا إلى مجالات التنشئة السياسية، حيث تولي «إيباك« أهمية خاصة بشباب الجامعات بغية إيجاد جيل جديد من الناشطين السياسيين الموالين لإسرائيل والمعادين للعرب والمسلمين، وذلك من خلال الاهتمام بما يكتب في «صحيفة الطلبة»، وتنظيم الدورات التدريبية والتعليمية التي تستهدف هذه الفئة من المجتمع الأمريكي، ومن أبرزها: «برنامج تنمية الزعامة السياسية» الذي بدأ عام 1980م واستقطب أكثر من 5 آلاف طالب وطالبة، ويتضمن تنظيم العديد من الدورات التدريبية في جامعات وكليات أمريكية تتوزع على خمسين ولاية. وهناك أيضًا المعسكر الصيفي لطلاب الجامعات والمدارس العليا الذي تنظمه إيباك سنويًا، وتستقطب من خلاله العشرات من الطلاب الذين يتحولون في المستقبل إلى مدافعين عن السياسات الإسرائيلية داخل أمريكا وخارجها بعد أن تم تلقينهم كل المعلومات بشأن "إسرائيل" وصراعها مع العرب من وجهة النظر الإسرائيلية، الأمر الذي جعل من «إسرائيل» قضية أمريكية داخلية تحظى باهتمام ودعم غالبية الشعب الأمريكي.

 

ولا يتوقف طموح «إيباك» عند إيصال مرشحيها إلى الكونجرس أو الإدارة الأمريكية، بل يتسع ليشمل أيضًا التحرك داخل مؤسسات الدولة المختلفة لكسب أصدقاء ومؤيدين جدد من خلال شرح وجهة النظر الإسرائيلية وتحسين صورة تل أبيب. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى قيام إيباك والمؤسسات التابعة لها بتنظيم جولات سنوية لأعضاء الكونجرس وموظفيهم إلى "إسرائيل" بهدف تعزيز العلاقات بين الزعماء السياسيين في كلا البلدين.

 

وفي المقابل، تستخدم «إيباك» أساليب شتى في تشويه الخصوم والضغط عليهم مستغلة في ذلك سيطرة اللوبي اليهودي على أجهزة الإعلام الأمريكية التي عادة ما تشكل توجهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة، ولذا فإنها تكرس جانبًا مهمًا من نشاطها لرصد جميع الآراء والحملات المضادة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته والإسراع في الرد عليها، وذلك على ثلاثة محاور رئيسية:

 

أولها: أعضاء الكونجرس، وهم أكثر تأثرًا بالضغط الجماهيري والإعلامي الداخلي، ولذا تفضل اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للشؤون العامة أن تمارس ضغوطها على الكونجرس باعتباره أقصر وأسرع الطرائق لاستصدار التشريعات والقوانين المعادية للعرب والمؤيدة لإسرائيل، فهناك قاعدة سياسية متعارف عليها داخل دوائر صنع القرار في واشنطن مفادها: «أن المساندة من جانب اللوبي اليهودي تمثل عنصرًا ضروريًا للنجاح في أي انتخابات رئاسية أو تشريعية، بينما المعارضة العلنية لإسرائيل تساوي الانتحار السياسي»، لهذا تسعى كل إدارة أمريكية إلى خطب ود اللوبي اليهودي وعلى رأسه منظمة إيباك وتنفيذ مطالبه التي هي في الأساس مطالب "إسرائيل"، الأمر الذي يفسر نجاح تل أبيب في فرض أجندتها السياسية على واشنطن وضمان حصولها على مساعدات أمريكية سنوية تقدر بثلاثة مليارات دولار.

 

ثانيها: مجال العمل الصحفي، حيث تخصص إيباك العديد من الخبراء والصحفيين وكتاب المقالات لمراجعة المئات من المجلات والصحف والخطب والتقارير اليومية التي ترد من الولايات الخمسين في أمريكا لتحليل الأحداث والاتجاهات والآراء، ومن ثم الرد والتشهير وملاحقة كل من يكتب أمرًا ضد "إسرائيل".

 

ثالثها: الجامعات الأمريكية، التي تحظى باهتمام خاص من إيباك ليس بهدف استقطاب كوادر شابة جديدة فحسب وإنما لوأد أي ميول جديدة معادية للسياسات الإسرائيلية قد تنشأ في الأوساط الجامعية، سواء على مستوى المحاضرين أو الطلبة، مستخدمة في ذلك العديد من الوسائل غير المشروعة من قبيل الترهيب أو الترغيب.

 

وبصفة عامة، أحدث استسلام المسؤولين الأمريكيين لإغراءات وتهديدات اللوبي اليهودي تحولاً خطيرًا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، فبعد أن كانت اللجنة الإسرائيلية - الأمريكية للشؤون العامة «إيباك» بمثابة بوابة "إسرائيل" الرئيسية للنفاذ إلى الولايات المتحدة، باتت اليوم بوابة الأمريكيين الرئيسية للدخول إلى البيت الأبيض أو الكابيتول.