|
انتقال من إرهاب الدولة إلى الإرهاب الفردي
وليد أبو بكر
صحيفة الوطن
القطرية 8/8/2005
ما حدث في
شفا عمرو يفترض ألا يفاجئ أحداً، هذا لا يعني قط قبول ما حدث، لأن
"إسرائيل" مؤهلة تماماً كي تسمح بتفرع إرهاب الفرد، أو الجماعة
الصغيرة، أو الكبيرة، من داخل إرهاب الدولة، وهو إرهاب لم يتأخر حتى
هذا الوقت، لأنه كإرهاب فردي، كان السابق في المنطقة، وربما في
العالم المعاصر، إلى حد كبير، ولو رجعنا إلى الماضي القريب، لاكتشفنا
أن الجنود الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة، «يتسلون» بإطلاق
النار على العرب، من أجل تزجية الوقت، وغالباً ما يستهدفون بلهوهم
القاتل، أطفالاً يلعبون، كما اعترف بعض هؤلاء الجنود، عندما صحت
ضمائرهم.
وليس هناك من
يمكنه أن يصف تصرفات الجيش الإسرائيلي، كُلاً وأفراداً، خلال انتفاضة
الأقصى، بغير صفة الإرهاب، أو يتصور أن اغتيال محمد الدرة، بين يدي
والده، شيء آخر غير الإرهاب، إلا إذا كان منحازاً للاحتلال
الإسرائيلي، الذي يشكل بطبيعته إرهاب دولة، أو كان يخشى على مصالحه
من القوة الصهيونية في العالم، أو يحاول التقرب منها، تقرباً من
الولايات المتحدة الأميركية، التي تكيف سياستها باستمرار، وحتى
عدوانها، من أجل دعم "إسرائيل"، الدولة التي قامت على الإرهاب.
ولعل
البدايات الأولى لانتفاضة الأقصى تعطي مثلاً على الإرهاب الإسرائيلي
المستمر، والمتوقع كل الوقت، فقد أطلقت النار على المتظاهرين من عرب
الأرض المحتلة، فسقط كثير من الشهداء، كانوا في مسيرة احتجاج سلمية
ضد التنكيل بأهلهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، على أيدي الجيش
الإسرائيلي، وهو الحادث الذي ستتذكره جماهير الأرض المحتلة وهي
تتظاهر ضد العملية الإرهابية التي قام بها جندي إسرائيلي، في حافلة
مدينة شفا عمرو العربية في "إسرائيل"، والتي تشكل نموذجاً خاصاً
للتعايش العربي، والتعاون العربي ضد الاحتلال، بوجود كل الطوائف التي
حاولت "إسرائيل" أن تفرّق بينها، في التعامل، وحتى في الهوية، كما
أنها من أكثر المدن العربية حساً وطنياً، ومنها خرجت قيادات عديدة،
صمدت في وجه الحكم العسكري، وناضلت ضد التفرقة العنصرية الإسرائيلية،
بكل الوسائل، وخرج منها قادة أحزاب وحركات سياسية، وأعضاء كنيست، لهم
مواقفهم الوطنية المعروفة، ربما بنسبة أكثر من غيرها من المدن.
وإذا عدنا
إلى الوراء قليلاً قليلاً، فلن نستطيع أن نسرد المجازر التي قام بها
الجيش الإسرائيلي، في الأراضي الفلسطينية، محتلة، وقبل أن تحتل، ولا
أن نعدد المجازر التي قامت بها منظمات الإرهاب الصهيونية، قبل الدولة
وبعدها، ولا الأفراد من المتطرفين اليهود، عبر الزمن الممتد كله، منذ
أعلنت المنظمة الصهيونية الدولية عن خطتها لإقامة دولة يهودية على
الأرض الفلسطينية، حتى اللحظة التي أطلق فيها جندي إسرائيلي النار
على ركاب حافلة شفا عمرو، مع سبق التخطيط لذلك، كما روى شهود عيان
قالوا إنه ركب الحافلة في اليوم السابق للعملية الإرهابية، وكأنه كان
يضع خطته، حتى يتمكن من إصابة أكبر عدد من الركاب.
هل علينا أن
نتذكر الآن مذبحة دير ياسين، أم مذبحة كفر قاسم، أو مذبحة قبية، أم
علينا أن نتذكر مذبحة الأقصى، ومذبحة الحرم الإبراهيمي الشريف، وغير
ذلك من المذابح التي تعتبر جزءاً من السيرة الإسرائيلية، التي أوصلت
بعض من قاموا بها إلى أعلى مناصب الدولة، كما حدث مع مناحيم بيغن،
الذي قاد منظمة إرهابية شهيرة، جعلت الانتداب البريطاني يضعه في صف
المطلوبين يتهمه الإرهاب، حتى رئيس الوزراء الحالي، الذي تمتلئ كل
حياته بالفعل الإرهابي، والذي أشرف على مجازر صبرا وشاتيلا في بيروت،
وحمّلته الحكومة التي كان وزير دفاع فيها مسؤولية ما حدث، وأقالته من
منصبه في ذلك الوقت.
والتاريخ
الإسرائيلي لا ينكر أنه لجأ إلى الإرهاب حتى يحقق أهدافه، بل إن بعض
المؤرخين باتوا يتجرأون على كشف الكثير من الخفايا، التي تعرض بعضها
لليهود أنفسهم، أو لبعض حلفائهم، من أجل تحقيق الأهداف.
ويمكن القول
إن كثيراً من الإرهاب الذي ترتكبه "إسرائيل"، دولة أو جماعات أو
أفراداً، غالباً ما يحدث وقت الأزمات الوجودية التي تمر بها، سواء
أكان ذلك بسبب صراعاتها مع الدول العربية، أو بسبب الصراعات التي
تحدث داخلها: لقد ارتكبت مذبحة كفر قاسم سنة صعود قوة الرئيس الراحل
جمال عبد الناصر، بعد تأميم قناة السويس، التي جاءت بعد صفقة أسلحة
شهيرة، ومع العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه "إسرائيل" دون مبرر، سوى
رغبتها في إضعاف القوة العربية الناهضة، عن طريق تدخل القوى الكبرى،
والمشاركة معها إذا أمكن، كما هي طبيعتها في كل الحالات، وحاول شمعون
بيريس مثلاً أن يحل مشكلته الشخصية في التردد وضعف القيادة، بعد
اغتيال سلفه القوي إسحق رابين، من خلال مجزرة قانا في الجنوب
اللبناني، ومن السهل إيجاد مأزق ما يرافق ارتكاب المجازر التي
ترتكبها "إسرائيل"، وغالباً ما لا يكون السبب المعلن.
العملية
الإرهابية في شفا عمرو ليست منقطعة عن هذا السياق، وهي لن تكون
الأخيرة في المأزق الحالي، الذي تعيشه "إسرائيل"، لا مع استمرارها في
احتلال الأرض الفلسطينية، وسعيها للضم والفصل العنصري والتوسع بفرض
الأمر الواقع وحسب، وإنما لأن خطط الحكومة الحالية ترى أن تنسحب من
بعض الأراضي المحتلة، التي يثقل عليها الاحتفاظ بها، من أجل أن تتمسك
بأراض أخرى، تراها أكثر أهمية، وأقرب إلى إمكانية فرض واقع فيها،
ينتهي بضمها إلى "إسرائيل"، وخاصة تلك المناطق المحيطة بمدينة القدس،
والأخرى التي تضم تجمعات استيطانية كبرى، أقرب إلى الخط الأخضر، الذي
يعتبر حدوداً دولية إلى حد كبير.
هذه الرؤية،
التي تجسدت في خطة فك الارتباط، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع
غزة، وإخلاء المستوطنات هناك، بعد احتلال اقترب من العقود الثلاثة،
لا تروق لليمين الإسرائيلي، متطرفاً وأقل تطرفاً، لأن الأساس الذي
استندت إليه "إسرائيل" في قيامها، هو الأساس الصهيوني الذي يعتبر
فلسطين كاملة، منحة من الرب لشعب "إسرائيل"، وهو الأساس الذي يتمسك
به اليمين الإسرائيلي، متديناً وغير متدين، دون أن يشعر بأن الواقع
يرفض ذلك، وأن الأساطير التي قام عليها هذا الادعاء لا تشكل حجة
شرعية، وأن الواقعية السياسية هي التي فرضت على زعماء المرحلة من
الفلسطينيين، وربما العرب، القبول بالوجود الإسرائيلي على جزء أكبر
من الأرض، شريطة أن تفرض هذه الواقعية على زعماء "إسرائيل" الحاليين
قبول الواقع الذي ينفي مقولة أرض بلا شعب، التي قام عليها ادعاؤهم
القديم، لأن هذا الشعب موجود بكثافة منذ القدم، وهو يضحّي منذ عقود،
من أجل المحافظة على وجوده فوق أرضه.
وقد كانت
تضحيته في اتجاهين كلاهما مرّ: الرحيل القسري عن الأرض، للخضوع
للسياسات العربية المضيفة، وهي غالباً ما اتسمت بالقمع، وبحل مشاكلها
الداخلية على حساب من استضافته من الشعب الفلسطيني الذي شرد من وطنه،
وكانت الحكومات العربية، إضافة إلى المجازر الإسرائيلية، ممن حثّوه
على الرحيل الذي وصف في حينه بأنه مؤقت، وما زال الفلسطيني يراه
مؤقتاً، رغم مرور الزمن، لسبب بسيط، هو أنه لا يفقد الأمل في العودة
إلى وطنه، إلى المدى الذي جعل مناحيم بيغن، أول رئيس وزراء يميني في
"إسرائيل"، يشكو من أن أطفال هذا الشعب يولدون لكي لا ينسوا.
أما الخيار
الثاني، فقد لجأت إليه النسبة القليلة من الشعب الفلسطيني، التي
تمكنت من البقاء في أرضها، أو لاجئة في وطنها الذي أقيمت عليه
"إسرائيل"، وهو خيار لم يكن أقل صعوبة، لأن الفلسطينيين فوق أرضهم
عانوا من الحكم العسكري والتمييز، وكل التصرفات العنصرية، ما لم
يعانه أي شعب في العصور الأخيرة، ولم يكتف الاحتلال بحرمانهم من
الاتصال بأمتهم في الخارج، ولا بمنعهم من الاستمرار في التعليم، أو
فتح أبواب العمل أمامهم، ولكنه حدد حركتهم داخل مدنهم أو قراهم، إلا
من خلال تصاريح عسكرية، غالباً ما لا يصل إليها من يحتاجها.
هذا النوع من
الاحتلال صنّف ما أطلق عليه اسم «الأقلية العربية في "إسرائيل"»
كعدو، وعامله كل الوقت كعدو، بعد أن اقتطع منه فئات أراد أن
يستهويها، بفصلها عن التيار الفلسطيني الرئيسي، كما فعل مع الدروز
والشركس، الفئتين اللتين حرمهما من انتسابهما العربي، والفلسطيني،
وصنّفهما كطائفتين منفصلتين، ثم البدو، الذين حاول استغلال حاجتهم،
بتجنيدهم لحاجاته.
معاملة
الفلسطيني كعدو، صنّف بأنه يريد القضاء على "إسرائيل"، لم تكتف
بالفلسطيني الذي صار لاجئاً، أو من بقي في الضفة الغربية، تحت الحكم
الأردني حتى عام 1967، عندما تم احتلالها، لتبقى تحت الاحتلال، مع
قطاع غزة التي كانت تحت الإدارة المصرية حتى ذلك الحين، لكنه تم
تعميمها على الفلسطيني الذي يعتبره القانون الإسرائيلي مواطناً
إسرائيلياً، ولم يرفع عنه الحكم العسكري إلا قبل بضعة شهور من عام
1967، كما لم تحاول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، من اليسار
واليمين، أن تمنحه شيئاً من المساواة التي تفترضها المواطنة، أو أن
تخفف من حدة الموقف العدائي الذي يتربّى عليه الإسرائيلي، من خلال
التعليم والحياة، وما حدث بالفعل هو أنها أخذت تبالغ في تصوير الخطر
الديموغرافي، وتحذر منه.
معادلة
الواقع الآن لها طرفان: الفلسطيني الذي لم يتغير الموقف منه كعدو،
والذي يرى اليمين الإسرائيلي أنه أجبر حكومة "إسرائيل" على «القضاء»
على الاستيطان في غزة، والثاني هو الانشقاق الحالي في المجتمع
الإسرائيلي، بين مؤيد لإخلاء غزة، ورافض له، وهو انشقاق وجودي قد
يستلزم تجاوزه، على الطريقة الإسرائيلية، عمليات إرهابية ضد الجانب
الفلسطيني، الذي يقف وراء ما يحدث، كعدو، كما عرّفته الصهيونية
و"إسرائيل" عبر كل السنوات الماضية، حتى وإن كان مواطناً.
العملية
الإرهابية في شفا عمرو قد تكون الإنذار الأول، ولكنّها قد تكون
الحافز الأهم من أجل الدفاع عن البقاء الفلسطيني فوق الأرض
الفلسطينية، التي يريدها اليمين الإسرائيلي المتطرف، خالصة له.
|