|
أغرب من الخيال؟.. لا إنها ممارسات يومية
إبراهيم
العابد
صحيفة
الوطن القطرية 27/12/2005
في ملحق
لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية 23/11/2005 يروي جدعون ليفي قصة
الفلسطيني محمود شوارة، ابن 43 سنة. أب لتسعة أطفال، خرج للعمل على
حماره من بيته في قرية نعمان قرب بيت لحم. اعتقله جنود حرس الحدود
الإسرائيليون. وبعد أن رفض مرافقة الجنود دون حماره رُبط بحماره.
واندفع الحمار بفزع نحو القرية. شوارة أصيب بجراح خطيرة في كل أجزاء
جسده. وفي نهاية المطاف توفي متأثراً بجراحه في المستشفى الذي نقله
إليه أشخاص شهدوا الواقعة، ومع أن قسم التحقيق مع الشرطة لم يجد أي
صلة بين سلوك جنود حرس الحدود وبين موت شوارة. فإن هناك أدلة على أن
الحديث يدور عن نظام تنكيل يعرفه الفلسطينيون وحصل على لقب «نظام
الحمار».
وتقول صحيفة
«هآرتس» في تعليق لها على الموضوع. إنها عثرت أول في 21/12 على رجل
آخر. مأمون أبو علي، تعرض لتنكيل مشابه على يد قوة من حرس الحدود قبل
شهرين على مسافة غير بعيدة من المكان الذي اعتقل فيه شوارة وربط
بحماره. أبو علي هو الآخر حسب شهادته ربطوه بالحمار، وضعوا صخرة على
ظهره. ربطوا يديه وحثوا الحمار على الركض غير أن الحمار، لحسن حظ أبو
علي لم يتحرك، فنجا أبو علي من الموت.
وتقول
«هآرتس». وليس أبلغ من قولها إن «حالات التنكيل بالفلسطينيين سواء
على أيدي جنود أم على أيدي مستوطنين. كفت عن أن تخلق عناوين في الصحف
أو تبعث على الصدمة كما أن التحقيق في الأحداث لا يبدو جدياً
والشكاوى لا تحظى بالمعالجة إلى أن تنشر القصة في وسائل الإعلام أو
تعالجها إحدى منظمات حقوق الإنسان العاملة في المناطق».
وتضيف
«هآرتس» أن اللامبالاة المتزايدة يمكن إرجاعها إلى إحساس بالرضا
المتواصل من خطوة فك الارتباط عن غزة والتي يشعر الإسرائيليون بعدها
بأن الاحتمال يوشك على الانتهاء. «غير أن الاحتلال في هذه الأثناء
يستمر بكامل عاره بكل مظاهر التنكيل التي رافقته على مدى السنين».
في بداية
الشهر كتبت عميرة هاس في الصحيفة ذاتها عن طاهر عودة ابن 14. أخرج من
المستشفى الذي أدخل فيه كمصاب بإطلاق النار. وفور ذلك تعرض لتنكيل
على مدى 24 ساعة في معتقل الشرطة العسكرية إلى أن افرج عنه إلى بيته.
هاتان القصتان من الشهر الماضي تنضمان إلى سلسلة طويلة من التقارير
في كل وسائل الإعلام عن اجتثاث المستوطنين لأشجار الفلسطينيين. الأمر
الذي يستمر دون عراقيل منذ أبريل. فقوات الجيش الإسرائيلي
والمستعمرون اليهود لا يستهدفون البشر بل والشجر.
وتضيف
«هآرتس» «مع أنه اجتثت هذا الأسبوع مائة شجرة أخرى. رغم رفع 15 شكوى
للشرطة. وبالإجمال يدور الحديث عن تخريب أملاك بحجم آلاف الأشجار في
شمالي الضفة. لم يتخذ أي عمل من جانب أجهزة فرض القانون للعثور على
المستوطنين ولم يعتقل أحد».
وتخلص
«هآرتس» قائلة إن «الفرقعة السياسية لم تغير شيئاً في موقف السلطات
من حقوق الإنسان للفلسطينيين. هذه اللامبالاة هي وصمة عار على جبين
المجتمع الإسرائيلي من الصعب فك الارتباط عنها».
وليسمح لي
القراء بأن أنقل حرفياً القصة الكاملة التي هي أشبه ما تكون برواية
من روايات الخيال.
«في صباح يوم
الأحد من الأسبوع الماضي خرج العامل محمود شوارة يركب بغلته من بيته
في قرية نعمان ليبحث عن عمل في القرية المجاورة، أم طوبا. في حوالي
التاسعة صباحاً أوقفته قوة من حرس الحدود توقف هنا في كل صباح العمال
الذين لا يملكون تصريح دخول إلى "إسرائيل". أمر أفراد حرس الحدود
شوارة أن يركب الجيب فرفض شوارة. لم يُرد ترك بغلته مُهملة، في
التاسعة والنصف صباحاً رآه أخوه للمرة الأخيرة وكان صحيحاً معافى.
في الرابعة
بعد الظهر رأى أحد سكان أم طوبا محمد حمدان. بغلة تُسرع نحو بيوت
القرية وهي تجر وراءها شيئاً ما. اعتقد حمدان من بعيد أنها تجُر خردة
حديدية. عندما اقتربت البغلة. رأى حمدان المذعور أن البغلة تجُر
إنساناً جريحاً مشوه الجسم. يقول إن البغلة جرت مسرعة في المنحدر
وبدت له مذعورة جداً. كفّ جماحها وعندها عرف ابن القرية المجاورة.
محمود شوارة الذي عرفه معرفة جيدة. كان شوارة مربوطا بحبل في يده
اليسرى إلى عنق البغلة. كان فاقد الوعي ولا يتنفس تقريباً. كانت
جمجمته ووجهه مهشمين في الجانب الأيسر والدم ينزف منهما وقد استطاع
أن يتلفظ ببعض مقاطع مقطوعة غير واضحة ثم غاب عن الوعي وكفّ عن
التنفس.
فك حمدان يد
شوارة من البغلة، وأضجعه على الأرض وضغط صدره ليعيد تنفسه. بعد ذلك
استدعى جار سيارة إسعاف من عيادة صندوق المرضى مئوحيدت في القرية
الموجودة داخل حدود المنطقة البلدية للقدس. أُخذ شوارة إلى مستشفى
هداسا عين كارم وعولج هناك في غرفة الطوارئ في قسم جراحة الأعصاب. في
نهاية الأسبوع. بعد خمسة أيام من فقدان الوعي. مات شوارة متأثراً
بجراحه إنه عامل في الثالثة والأربعين، وأب لتسعة أولاد. خرج ليبحث
عن عمل في القرية المجاورة.
كيف قُتل
شوارة؟ هل نكل به أفراد حرس الحدود الذين أوقفوه وربطوه إلى بهيمته.
ثم أخافوها وأطلقوها، ومات من جراء الضربات التي تلقاها رأسه
بالصخور. زمن جري البغلة بسرعة؟ هل ضربوه ثم بعد ذلك فقط ربطوه وهو
فاقد الوعي إلى بهيمته؟ أم أن رواية قسم التحقيق مع أفراد الشرطة في
وزارة العدل والتي تقول إنه لقي حادثة ركوب هي الصحيحة: ربط شوارة
نفسه إلى البغلة. وسقط عنها وضرب رأسه الأرض؟
تحدثوا في
قرية نعمان إلينا في هذا الأسبوع بأن عادة ربط الماكثين غير
القانونيين إلى بهائمهم على يد أفراد شرطة حرس الحدود معروفة هنا.
سنأتي هنا بشهادة عامل فلسطيني آخر ربطه أفراد شرطة حرس الحدود إلى
حماره في المحيط نفسه قبل أسابيع معدودة. وعندما كان مستلقياً على
الأرض. ووجهه إلى الأرض. وقد وضعوا على ظهره حجراً من الطوب. ويداه
مقيدتان من الخلف. بين نعمان إلى أم طوبا وهما قريتان هادئتان عند
مرتفعات وادي الزيتون الرائع الجمال شرقي بيت لحم. تُعد تلك منطقة
جرّ.
مقاربة
الفظاعة: وجه الميت مُهشم. جثة شوارة. على بلاط بيته. مغطاة بعلم
فلسطين وبلحاف من مستشفى شعاري تصيدق (بالرغم من أنه مات في هداسا).
لا يوجد للبيت «بناء غير قانوني». سقف. لئلا تهدمه "إسرائيل". يغطيه
ساتر أزرق يحميه من المطر مثل سقف.
ساعة ما بعد
الظهيرة. قبل بضع دقائق من خروج الجنازة. في يوم الأحد من هذا
الأسبوع. يأتي أحدهم بعلم حماس ويضعه على جثة الميت. فوق علم فلسطين
ولحاف شعاري تصيدق. نساء العائلة يولولن. وتوشك الابنة البِكر كوثر.
ابنة الرابعة والعشرين أن يُغمى عليها. قبل أن يُخرجوا الجثة من
الغرفة يغطون وجه الميت. على غير المعتاد. لئلا تظهر جراحاته. يقف
حاكم بيت لحم. صلاح التعمري. في الخارج مع جميع رجال المنطقة.
الجنازة منضبطة وصعبة صيحة متطرفة واحدة فقط: «يا يهودي. يا خنزير.
سندوسك بنعالنا».
أصبحوا على
قناعة في القرية أن أفراد حرس الحدود هم الذين قتلوا شوارة. فها هنا
يعرفون جيداً آثار أيديهم: يتربص أفراد حرس الحدود هنا في كل يوم
للماكثين غير القانونيين. ويُنكلون بهم. ولكن أيضاً عندما تأتي فجأة
سيارة جيب لحرس الحدود. في أوج الجنازة. تنظر بتحدٍ وتغيب عن
الأنظار. يجري الحفاظ على ضبط النفس هكذا هم أناس الجبال. يُقلون من
الكلام. يخافون جداً: نعمان موجودة على طريق الممر المخترق إلى القدس
بين بيت لحم والعاصمة شرقي جبل أبو غنيم. في المكان الذي لم يُستكمل
فيه جدار الفصل بعد. يصل حرس الحدود في كل يوم وهنا يخافون الكلام
جداً. لهذا أيضاً يصعب أن نفترض أن عائلة شوارة قد قدمت شكوى إلى قسم
التحقيق الشرطي فالخوف كبير جداً أصلاً.
|