|
على عتبة الحديث عن «معازل الفلسطينيين»!
مرزوق الحلبي
صحيفة الحياة
اللندنية 14/8/2005
النُخب
الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها سائرة في خيار اللا تسوية مع الشعب
الفلسطيني. ويبدو أنها حسمت أمرها في هذه المرحلة على الأقل أن تدير
الصراع لا أن تحلّه، أن تتدبر أمرها معه لا أن تضع له حداً. والرائي
إلى الصراع في حركته التاريخية قد يقول إن هذه النُخب وصلت الآن إلى
نصف الطريق. هذا في مستوى العلاقة مع المسألة الفلسطينية في حدود
حزيران 1967.
وفي موازاة
الذهاب في هذا الخيار فإنها تسعى جاهدة إلى نسخه في ما يتعلق
بالمسالة اليهودية داخل «الخط الأخضر» وبالتحديد بالنسبة للمواطنين
العرب كأقلية وطن. فعملية الدسترة الجارية في "إسرائيل" بمشاركة
يهودية واسعة وبمحاولة عربية لافتة للتأثير إنما تفضي في مضامينها
وطروحاتها إلى إدارة الصراع بين الدولة ومواطنيها العرب وليس تفكيك
محاور التوتر فيه. والنُخب اليهودية تسعى إلى ذلك من خلال استثمار
مبنى القوّة القائم إلى أبعد الحدود كأن تبذل جهداً خاصاً في انتزاع
شرعية الدولة اليهودية من نشطاء عرب محليين وتكريس مفهوم الدولة
اليهودية الديموقراطية.
إذن، المجتمع
اليهودي المعبّر عن إرادته بدولة ومؤسسات ونُخب ومشاريع يراهن في
الراهن على إدارة المسألة الفلسطينية بمساحاتها لا على التسوية مع
أصحابها. أما خطّة الانسحاب من قطاع غزّة فينبغي ألاّ تتحوّل إلى
الستار الذي يحجب هذه الحقيقة ولا إلى «فتحة أمل» يشارك في الرهان
عليها عرب من لحمنا ودمنا. وهناك من يريدون قراءتها على غرار ما
قرأوا اتفاقيات أوسلو وما أعقبها. ينسحبون من غزة فتتدحرج كرة الثلج
حتى الانسحاب من الشبر الأخير للأرض العربية. قراءة ساذجة تنبني على
أمنية لكن ليس على تبصّر. مثل هذا الرهان سيؤدي، كما هي الإشارات
والوقائع على الأرض، إلى نظام أبرتهايد مُعلن تماماً منصوص عليه
صراحة في القانون وفي الإجراءات السلطوية وفي الخطاب السياسي. وأريد
أن ألفت الانتباه بشكل خاص إلى الزخم الذي يشهده خطاب الديموغرافيا
في "إسرائيل" وليس بمفهوم «كراهية الغرباء» كما في أوروبا، وإنما
بمفهوم تبرير التطهير العرقي الحاصل والذي قد يحصل. فإذا نظرنا في
عمق الباطون المستخدم لإنجاز مشروع جدار التمييز العنصري في الضفة
الغربية المحتلة لأيقنّا أن الأمر في جوهره تطبيق لخيار «الحبس
الجغرافي» أو «العزل المكاني» للفلسطيني. يُحددون له مكان وجوده
ويضبطونه حتى المتر الأخير. يُقررون له متى يخرج من مكانه المرسوم
بجدار يقطع الجغرافية بين «أمام» و«خلف»، بين «قبل» و«بعد»! إلى أي
مدى يستطيع أن يصل بعد خروجه، ولأيّ غرض، وكم من الوقت يستغرق
الخروج! وهذا بالضبط ما فعله نظام جنوب أفريقيا في عزّه مع الأفارقة
في معازلهم. أقصاهم في مواقع جغرافية محددة وفي معازل وأحياء. أو إنه
أقصاهم من مواقع ومساقط الرأس وحيّز التاريخ وأرض الآباء والأجداد.
ولا يختلف الحاصل الآن في مناطق إقامة الجدار عما كان هناك. الخطّة
ذاتها والهدف ذاته والجريمة ذاتها.
نشير إلى
«الجدار» كتمثيل لفعل العزل العنصري كاستراتيجية معروفة في التاريخ
والسياسة البشعين للإنسانية. وباعتقادنا أن قطاع غزة بعد الانسحاب،
إذا ما أُنجز، سيكون منطقة عزل أخرى للفلسطينيين لن تكون الأخيرة كما
سنبيّن لاحقاً. النُخب اليهودية مستعدّة للذهاب في الاتجاه ذاته عبر
استراتيجيات أخرى مثل التشريع. ومن هنا قانون المواطنة والتجنيس الذي
أُقرّ في الكنيست الإسرائيلي مؤخراً ووجد له ألف ليبرالي يهودي يدافع
عنه! لكن هناك، أيضاً، التعديلات على قانون الانتخاب للكنيست التي
تنطوي على احتمال بأن يُستبعد من الترشيح وخوض الانتخابات وبسهولة
المرشح العربي الأصيل. وإضافة إلى الاستراتيجيات السلطوية هناك
المسلكيات اليومية في الحيّز العام وحيثما التماس بين العربي وبين
الأكثرية اليهودية. ونتذكّر على سبيل المثال موجة إقصاء العرب من ورش
العمل في أعقاب المواجهة في تشرين الأول (أكتوبر) 2000 وطرد مقاولين
عرب من مواقع أعمالهم. ونذكر، أيضاً، مقاطعة شركات الخدمات العامة
(خدمات الاتصالات وتوزيع السلع والمواد الغذائية) للقرية والمدينة
العربيتين، ومقاطعة الأكثرية اليهودية لمتاجر العرب ومخابزهم
وأسواقهم. لكن هناك أيضاً عزلاً جغرافياً بتحديد أحياء للعرب في اللد
والرملة مثلاً أو بإبقاء غالبية المساحات السكانية خارجة عن منالية
العرب. بل يمكننا أن نرى إلى سياسات التخطيط والتنظيم على إنها
الاستراتيجية الأساس لإنتاج معازل للعرب تتضح معالمها الآن في المثلث
حيث ينتظر الطيبة والطيرة وأم الفحم مصيراً مشابهاً للذين شرق الجدار
لأن المفهوم الإسرائيلي للوجود العربي هنا كوجود ينطوي على تهديد
وخطر سيفضيان بالضرورة إلى عزل المثلث باعتباره منطقة بينية واصلة
بين مَن هم شرق الجدار من فلسطينيين وبين مَن هم غربه من يهود!
يمكننا أن
نرى الحاجز الترابي العازل بين كيساريا القائمة على أراضي قيساريا
على الساحل جنوب حيفا وبين جسر الزرقاء. أما غرسه بأشجار الزينة أو
الظل لا يمكنه أن يمحو الظلّ العنصري الذي يتركه في النفس كلما مررنا
جنوباً أو شمالاً. كما إن هناك الجدار من الباطون الحيّ غير المزيّن
بين مستوطنة نير تسفي بجوار الرملة وبين الحي العربي المجاور. كما إن
سكّة الحديد هناك تشكل الفاصل بين مواقع سكن العرب وبين الحيّز
اليهودي!
ما يقلقني في
الجدار العازل هو إمكانية أن يتحوّل في يوم ما إلى أشبه بالجدران
التي تبنى لتجفيف البحر في هولندا. يبنى الجدار وسط البحر متّصلا
باليابسة في طرفيه ثم يتم سحب المياه من المنطقة المغلقة إلى ما وراء
الجدار ويتمّ بعدها تجفيف الأرض واستخدامها لأغراض البناء أو غيره.
وربما يأتي يوم يرتسم فيه مشهد يرمى خلاله الفلسطيني القاطن غرب
الجدار في المعزل الواقع شرقه. كما إننا يمكن أن نرى الجدار في وجهته
نحو الشرق حاجزاً يقصد به صدّ أفواج اللاجئين العائدين في زمن آت
يتحسّب له بناة الجدار ومنظروه.
إضافة إلى كل
هذا وذاك فإن الخطاب السياسي الإسرائيلي في جزء كبير منه يتحدّث عن
إقصاء العربي وترحيله وتطهير «الجغرافية الإسرائيلية» منه، وهو الهدف
الذي لم يتيسّر للصهيونيين الأوائل. ولهذا الخطاب أكاديميات ونظريات
ومصطلحات ورموز تروّجه وتستميت في الإتيان بمسوّغات له. فكأنهم،
ريثما يستطيعون ترحيلنا بالفعل في إطار تطهير عرقي آخر، يفعلون
بالكلام وليس فحسب. فهم أحكموا إسقاط الشرعية السياسية المواطنية عنا
بعد تشرين الأول 2000 واستثمر الإعلام العبري كل مساحة ومورد في
إبقائنا على «منطقة الحرام» مشبوهين مطالبين بإثبات جدارتنا بأن نكون
هنا. فإذ بنا مغيّبون فعلاً عن الحيّز السياسي الفاعل وعن التأثير
وعن مواقع صنع السياسات. الهامش الذي نتحدث عنه كموقع خصصته لنا
النخب الإسرائيلية هو موقع العزل عن الفضاء الذي نعيش فيه، هو هذا
الحيّز الذي يسمح لنا التحرك فيه يحسبون خروجنا منه وجهة الخروج مع
الاستعداد الكلّي للانقضاض علينا كلما خرجنا بغير إذن أو على هوانا
نحن (لننظر محاكمة بشارة والإجراءات ضد الشيخ صلاح)! ونتوقّع أن تسير
الأمور في هذا الاتجاه ولكن بوتيرة أسرع لنجد أنفسنا أمام واقع جديد
يعتاد فيه العالم على الحديث عن «معازل الفلسطينيين» وعن «نظام
الأبرتهايد في إسرائيل»! لكننا لا نتوقّع أن يكون الردّ الدولي على
نسق ما كان حيال جنوب أفريقيا في حينه لأن العالم تغيّر منذ ذلك
الحين كثيراً على نحو أننا لم نعد نعرف معالمه!.
كاتب فلسطيني.
|