قصة مقتل نوران وإيمان؟
بقلم: أحمد
منصور
صحيفة البيان
الإماراتية 7/2/2005
«لقد كانت
ابنتي محبوبة، ذهبت اليوم إلى المدرسة مبكرة عن موعدها المعتاد،
وقالت إنها تريد أن تلعب مع زميلاتها قبل بدء اليوم الدراسي»، كان
هذا ما صرحت به والدة الطفلة نوران إياد ديب التي لم تتجاوز العشر
سنوات حينما بلغها نبأ استشهادها برصاصة قاتلة في الرأس أطلقت من
دبابة إسرائيلية حينما كانت تلعب في فناء مدرستها في حي البرازيل في
مخيم رفح جنوب قطاع غزة في الحادي والثلاثين من يناير الماضي.
ووصف أحد
المدرسين ما حدث قائلاً: «كنا نؤدي التمارين في فناء المدرسة، عندما
سمعنا أصوات أعيرة نارية وسقطت تلميذتان على الأرض أصيبت إحداهما في
رأسها والأخرى في يدها».
حينما قرأت
الخبر القصير الذي يروي قصة مقتل نوران ديب عدت بذاكرتي إلى الخامس
من أكتوبر الماضي 2004، حيث اعتصر قلبي لقصة مقتل طفلة فلسطينية أخرى
هي إيمان الهمص التي كانت تقريباً في عمر نوران حيث وجدت إيمان نفسها
متأخرة بعض الشيء عن موعد مدرستها فاختارت طريقاً مختصراً يجعلها تصل
إلى مدرستها في حي تل السلطان في رفح جنوب غزة في موعدها، لكن الطفلة
التي كانت تحث الخطى نحو مدرستها تعرضت لواحدة من أبشع الجرائم
الإسرائيلية التي ارتكبت في حق أطفال فلسطين خلال الفترة الماضية.
والرواية
هنا جمعتها من عدة مصادر منها صحف إسرائيلية، وفي القصة التي أوردتها
صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية في 15 أكتوبر 2004 يقول أحد
الجنود الإسرائيليين من شهود العيان وممن قاموا بإطلاق الرصاص تجاه
الطفلة إيمان:
«أنا لا
أتذكر الساعة بالضبط، ما أذكره هو أن الوقت كان صباحاً، أحد المواقع
حدد شخصاً ما، ليس مخربة بالضبط، وعندها سمح لنا بإطلاق النار نحو
القادم، بعد ذلك شاهدتها تركض وتفر من المكان، كل الموقع استنفر
واعتقد أنها مخربة، وعندها رأيت طفلة في العاشرة أو الثانية عشرة من
عمرها.
وعلى الفور
أرسلت تقريراً من خلال جهاز الاتصال». وقال جندي آخر « أجل لقد قال
لنا أحد الجنود في جهاز الاتصال إنها طفلة لا تطلقوا عليها النار
ولنأخذها للتحقيق»، لكن قائد السرية كان له تصرف آخر - يكمل الجندي
الأول - « في هذه الأثناء أيقظوا كل الموقع.
وقام أحدهم
بإطلاق رصاصة واحدة عليها فسقطت، لكن قائد سريتنا خرج مع عدد من
الجنود، انقض عليها وأفرغ عدة رصاصات فيها، ثم عاد مرة أخرى وأطلق
زخة متلاحقة من الرصاص، قائد السرية نفذ على الفتاة عملية تحقق من
القتل بعد أن قتلتها الرصاصات التي أطلقت من الموقع».
وأكد أكثر من
جندي أن الطفلة حينما أطلقت الرصاصة الأولى تجاهها ألقت حقيبتها
ولاذت بالفرار إلا أنهم جميعاً لاحقوها بإطلاق الرصاص رغم ابتعادها
أكثر من ثلاثمائة متر عن الموقع، ثم قام قائد السرية بفعلته الشنيعة
حيث أفرغ في جسدها بعد مقتلها أكثر من عشرين رصاصة.
وكان يمكن
للحادث أن يمر مثل غيره، لكن الخلاف بين الجنود وقائد السرية الذي
كان درزياً يخدم في جيش الاحتلال فجر القضية، وطالب كثيرون بالتحقيق
مع قائد السرية لكن المفاجأة كانت في نتيجة التحقيق التي أعلنت مساء
الخامس عشر من أكتوبر حيث أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال
موشي يعلون أن نتائج التحقيق برأت ساحة الضابط من جريمة قتل الطفلة
وهي جريحة.
وقالت « إن
تصرفاته لم تخرج عن حدود أخلاقيات الجيش الإسرائيلي وتلائم
التعليمات» هذا التصريح الخطير والمعلن لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي
عن أخلاقيات الجيش الإسرائيلي يكشف عن قيمة الإنسان الفلسطيني وقيمة
الأطفال خصوصاً لدى الإسرائيليين، ويتيح طرقاً سهلة لقتل الأطفال
فضلاً عن الكبار في فلسطين دون مساءلة.
ويدعم رئيس
الأركان تصريح النائب العسكري العام في "إسرائيل" الذي أعلن أنه لن
يجري فحصاً في كل حادث يموت فيه إنسان أو مجموعة بشر من الفلسطينيين
مؤكدأ أن «هذه حرب وفى الحرب يقع ضحايا بين المدنيين» هكذا بكل بساطة
ينظر الإسرائيليون إلى الإنسان الفلسطيني البريء.
ولم تكن قصة
نوران وإيمان إلا قصتين من بين ستمائة قصة لستمائة طفل فلسطيني قتلوا
خلال سنوات انتفاضة الأقصى الأربع الأخيرة، وذلك وفق تقارير منظمات
حقوق الإنسان الفلسطينية، لكن الهلال الأحمر الفلسطيني قال إن عدد
الأطفال الذين قتلوا خلال الانتفاضة بلغ حوالي ثمانمائة وثلاثين
طفلاً، أصغرهم كانوا أكثر من ثلاثين طفلاً قتلوا على حواجز الاحتلال
أثناء عمليات الولادة.
الصحافي
الإسرائيلي جدعون ليفي تساءل في عدد 17 أكتوبر الماضي 2004 في صحيفة
«هآرتس» الإسرائيلية بعدما أورد بعض الإحصاءات عن مقتل الأطفال
الفلسطينيين على يد الجنود الإسرائيليين متسائلاً عن « من هو
الإرهابي» .
ونحن نطرح
السؤال نفسه الآن من خلال أكثر من ستمائة قصة لم تكتب بعد لأطفال
فلسطينيين قتلوا على يد قوات الاحتلال خلال أربع سنوات من عمر
الانتفاضة منهم أطفال قتلوا أثناء الولادة «من هو الإرهابي؟».
ـ إعلامي مصري
|