الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

توثيق العنصرية الصهيونية عبر الصحافة الإسرائيلية

 

مصطفى قاعود

صحيفة الوطن القطرية 20/6/2005

 

العنصرية الصهيونية تخطت كل الحدود وتجاوزت كل الأعراف والمواثيق الدولية وحطمت كل الأرقام القياسية لسابقاتها من العنصريات التي شهدها التاريخ، وتفننت في ابتداع أشكال الجريمة وتعددت أوجه التزييف بهدف تبرير ما لا يمكن تبريره من القتل والاعتقال واختلاف أنواع التعذيب وهدم المنازل والتشريد، وإغلاق المدن والقرى والتجويع والاغتيالات بأبشع الصور في الأماكن المكتظة بالسكان المدنيين وذروة العنصرية تمثلت بقتل المئات من الأطفال بالرصاص الحي والقذائف الصاروخية وقتل الآلاف منهم عبر سياسة التجويع والعقاب الجماعي المعتمد على سياسة الإغلاق وتدمير البنى الوطنية للاقتصاد المحلي، وأخطر أشكال العنصرية وأكثرها إيغالاً في الجريمة وإرهاب الدولة المنظم وتكريس الاحتلال وسرقة الأراضي تمثلت بجدران الفصل العنصرية بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية المدمرة، وبما تعنيه من اعتقال جماعي للسكان خلف الجدران ومنعهم من الوصول إلى بساتينهم أو إلى مصادر المياه أو زيارة ذويهم خلف الجدران.

 

العنصرية الصهيونية ليست ضرباً من ضروب المبالغة الفلسطينية بل هي حقائق ووقائع موثقة بالأرقام تناولها العديد من الباحثين والمؤسسات والدراسات الإسرائيلية كشهادة لا يطالها الشكل (بني موريس على سبيل المثال) «كتاب الجريمة والعقاب» وكذلك المؤتمرات الدولية «مؤتمر دربان» والجمعية العمومية للأمم المتحدة والهيئات الإنسانية المنبثقة عنها عبر التقارير الدورية لمبعوثيها.

 

ولكن أن نطلع على العنصرية الصهيونية وبالأرقام من خلال الصحافة الإسرائيلية فهذا أمر يستحق التوقف والاهتمام والتوثيق، نشر في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بتاريخ 26/5/2005 تقرير بقلم روني كسرلز وفيكتور ابراثين وزير شؤون الاستخبارات في حكومة جنوب أفريقيا وفيكتوريا براتين الصحفية البريطانية، والتقرير يضعنا أمام مقارنة موثقة بالأرقام بين ممارسات الصهيونية العنصرية خلال السنوات الخمس الماضية وبين وضع الطوارئ في جنوب أفريقيا في فترة الابرتهايد منتصف الثمانينيات جاء في التقرير ما يلي:

 

«في شهر أكتوبر الأخير أطلقت النار على إيمان الهمص ابنة الثالثة عشرة وجرحها الجنود الإسرائيليون في رفح بالرغم من أنها عرفت كبنت وكانت تلبس الزي المدرسي، كانت إيمان واحدة من الـ 654 الولد الفلسطينيين الذين قتلوا في المناطق المحتلة منذ سبتمبر 2000 قسم منهم قتلوا في صفوفهم الدراسية وجرح 3500 ولد وأكثر من 300 يمكثون في سجون إسرائيلية».

 

يتابع التقرير عن جنوب أفريقيا كوجه مقارنة في وضع الطوارئ في جنوب أفريقيا وفي فترة الابرتهايد الذي أعلن عنه كرد على حملة مظاهرات واحتجاجات في البلاد كلها في منتصف سنوات الثمانين قتل 312 ولداً وجرح أكثر من 1000 واعتقل 2000 ولد تحت سن 16 في معتقلات بلا محاكمة، وأسر آلاف آخرون ومئات هربوا إلى الخلاء وترك ذلك الأمر طابعاً على جيل كامل لحياته كلها، كتب ديزموند توتو عن أحد الأولاد ويسمى جوني رآه في احتجاز عند الشرطة «أردت أن أبكي، كنت مليئاً غضباً ضد منهج يستطيع أن يحدث ذلك لولد كانت تكفي حالة جوني وحدها لملء كل إنسان نزيه بالاشمئزاز والغضب».

 

حالة إيمان هي حالة كتلك بعد عشرين سنة في عام 2004 قضت المحكمة الدولية في لاهاي أن السور الذي بنته "إسرائيل" غير مشروع لكن "إسرائيل" تجاهلت على نحو مشابه كجنوبي أفريقيا القديمة عندما وقفت حيال تنديد دولي.

التقرير جاء في إطار تسويغ قرار رابطة المحاضرين في بريطانيا (AUT) لغرض قطيعة أكاديمية على جامعات إسرائيلية، ويوضح التقرير أن الرد السياسي على القرار أسقط المقارنة بين "إسرائيل" وجنوبي أفريقيا، وقد طرحت الدعوة إلى مقاطعة جامعات إسرائيلية فقط بسبب مشاركتها في طريقة الابرتهايد الإسرائيلية.

 

ويؤكد التقرير أن الجنود المشاركين في الجرائم مثل قتل إيمان الهمص هم محاضرون في الجامعة يخدمون في كل عام خدمة احتياطية في جيش الاحتلال ويواصلون في سائر أيام السنة توجه أعمال كالمعتاد، ولم تقم أي مؤسسة أكاديمية إسرائيلية بقطع علاقاتها مع المؤسسة العسكرية الأمنية احتجاجاً على الجرائم ولم تقم حتى بالتنديد تجاه الاعتداء على حقوق الإنسان الفلسطيني.

 

ومن أبرز أوجه العنصرية التي عرضها التقرير أن "إسرائيل" تحافظ على فصل عنصري في المناطق المحتلة بين اليهود والفلسطينيين «المسلمين والمسيحيين»، فاليهود يتمتعون بكل المزايا الاقتصادية الحسنة، وحتى بشوارع خاصة وسكن جيد وحقوق سياسية تامة، وأنه تحت حكم الابرتهايد لم يكن للسكان البيض قط شوارع تخصهم، ولم يكن قط حصار متصل ولم يفرض قط إغلاق فصل السود بعضهم عن بعض، أما الفلسطينيون فيعيشون تحت احتلال عسكري يقتل ويدمر بوحشية ويواصل سلب الأراضي لصالح الاستيطان والمستوطنين، بهدف الوصول إلى أكثرية عرقية دينية يهودية، سلبت "إسرائيل" الأقلية الفلسطينية المساواة في الصحة والتربية والسكن ولعشرات السنين، فقط لكونهم غير يهود وذلك بسبب جوهر تعريف «الدولة اليهودية»، زيادة على ذلك تواصل "إسرائيل" سلب اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا في حرب 1948 حقهم في العودة إلى أراضيهم وديارهم وفقاً للقرار الدولي 194.

 

تلكم هي "إسرائيل" التي تقدمها الإدارة الأميركية بوصفها حمامة سلام وواحة ديمقراطية في الشرق الأوسط، وما عرضناه لم يرد في الصحافة العربية بل في الصحافة الإسرائيلية، وهذه ليست المرة الأولى، لكن المقارنة جديرة بالتوقف، "إسرائيل" المندفعة نحو أحلامها التوسعية وفهمها الديمغرافي «اليهودية الدولة» لن تكف عن اعتبار كل فلسطيني هدفاً لعنصريتها كهلا كان أم طفلاً، وليس من المرجح أن تتراجع تلك العنصرية بفعل قرارات الشرعية الدولية ما لم ترق تلك القرارات إلى مستوى الفصل السابع الذي يقرن تنفيذ القرارات باستخدام القوة.