الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

يَصْطادوننا بعُيوننا

 

خيري منصور

صحيفة الخليج الإماراتية 19/5/2005

 

قبل أن تنشر "الجارديان" نبأ مثيراً للاشمئزاز عن ممارسات صهيونية داخل السجون، وتحويل الأطفال والعجائز إلى فئران تجارب، تداول الناس في إحدى قرى فلسطين حكاية عن مجنون القرية واسمه "زكير" قيل إنه بسبب جنونه، أو ربما بسبب فائض عقله لم يعترف بحدود الدولة العبرية، وتوكأ على عصاه ومضى مخترقاً الحدود الوهمية أو الورقية، باتجاه إحدى المستوطنات، ثم افتقدت القرية مجنونها شهراً على الأقل، قيل إنه مات، أو عشق مجنونة في قرية أخرى، وقليلون من قالوا إنه عاد إليه الرشد فاختار مكاناً آخر يبدأ فيه من الصفر، محرّراً من آراء الناس فيه..

 

لكن "زكير" عاد بعد شهر، نحيلاً، وقد فقد إحدى عينيه، وحين روى ما جرى له لم يصدق الناس، لكن طبيب القرية بفضول مزدوج، مهنيّ ووطني قرر فحصه، فوجد أنه فقد إحدى كليتيه إضافة إلى عينه، واتضح بعد ذلك أن قوات الاحتلال التي ألقت القبض عليه، تأكدت أنه لا يحمل حزاماً ناسفاً، وأنه مجنون، لكن عينيه سليمتان وكذلك كليته التي استؤصلت، فالمجنون، ليست كليتاه مجنونتين، وليس له قلب يخفق بخلاف قلوب الناس، كما أن له بنكرياساً سليماً أيضاً.

 

وحين قرأت ما نشر عن ثقب آذان الأطفال السجناء، لإجراء تجارب عليهم، كان "زكير" يطل بعينه المسروقة وعصاه ونحوله بين السطور، فمن سرق الأرض، وجرف التراب وحاول حذف الهوية، والاستيلاء على التراث، لم يجد رادعاً من أي نوع يحول دون سرقة كلى المجانين، واستئصال عيونهم، وإن كانت المفارقة المثيرة في هذه الحكاية هي أن العسكري اليهودي الذي زرعت له عين زكير بدلاً من عينه التي فقدها في الحرب أو في حادث سير، سيتم توظيفها لقنص واصطياد أشقاء زكير وأبناء عمومته وجيرانه، وكان من مبتكرات هذا الغزو النادر في التاريخ أن يصطاد الطفل بعين عمه المسروقة، وأن يسري الدم المشحون بالكراهية في كلية الضحية.

 

يضيف النبأ المثير للاشمئزاز، أن الأطباء الذين يمارسون هذه الجرائم، يقدمون خدمات مقابل أجور عالية لشركات أدوية، لكن ما لا يقوله النبأ، هو أن هاجس الانتقام يلعب دوراً في هذه الممارسات، لأن الضحية أو من يتحول رغماً عنه وعن آدميته المستباحة إلى فأر تجارب أبيض، هو فلسطيني وعربي، له مواصفات وتعريفات في الذهنية الصهيونية مستقاة من أشد المعاجم عنصرية.

 

فأي "أبوقراط" ذلك الذي أقسم باسمه هؤلاء الأطباء؟ وهل اندفعت هذه الاسبارطة المجنونة، إلى أقصى السادية بحيث تقتل الضحية وتسلخ جلدها وتقلع عينها وتثقب أذنيها؟

 

للوهلة الأولى قد لا تبدو هذه الممارسات شاذة أو استثنائية وفق منظومة السطو وأدبيات الاحتلال، لأن من يستمرئ رائحة الدم كسمكة القرش يتحول إلى عبد لغريزة التدمير، والتي قد لا تنجو منها الذات أيضاً.

 

وإذا كان مجنون إحدى القرى قد أصبح في ذاكرتنا الوطنية أمثولة لافتضاح عار الصهيونية، وآثامها، فإن ما يحدث للأطفال السجناء في فلسطين الآن، يعزز قناعتنا بأن الانحراف عندما يكتمل، يصبح طبيعة ثانية ومضادة للفطرة ولكل ما هو آدمي بالولادة.