|
التعتيم النووي الإسرائيلي والخطر القادم
أ. د. مصطفى رجب
صحيفة الشرق القطرية 21/3/2006
في وقت ما تعالت أصوات بعض
المثقفين بأنه كان من الأفضل لو أن أسرار الذرة ظلت مغلقة لأنه من
المستحيل الآن إنهاء العصر الذري حتى ولو كانت هناك رغبة في ذلك.
فبعد إلقاء قنبلة هيروشيما
الشهيرة وجدت في المستشفيات حالات لأناس قاسوا من جروح قاتلة حينما
ألقيت القنبلة، ولكنهم يموتون بعد ذلك من آثار أخرى غير هذه الجروح
وكانت صحتهم تتدهور بصورة مروعة لأسباب غير واضحة ثم فقدوا الشهية
وسقط شعرهم، وبدأت بقع زرقاء تظهر على أجسادهم، ثم يبدأ النزيف يتدفق
من آذانهم ومن أنوفهم وأفواههم.
وكان الأطباء في بداية الأمر
يعتقدون أنها علامة من علامات الضعف العام لذلك قاموا بحقن مرضاهم
بفيتامين "أ"، ولكن النتائج كانت مخيفة: إذ بدأت المنطقة التي ثقبت
بإبرة الحقن تتحلل، وفي كل حالة كان مصير كل ضحية هو الموت.
ويمثل هذا العرض مدخلاً مناسباً
لنناقش قضية الأسلحة النووية والصراع النووي في منطقة الشرق الأوسط.
التعتيم
الإسرائيلي
في الدراسة التي قام بها "مناحم
بريش" بعنوان «الخيار النووي الإسرائيلي» التي نشرت عام 2001 عن طريق
شركة "كرتا" (الشركة الإسرائيلية للخرائط والنشر بالقدس) تحدث فيها
عن سياسة التعتيم الإسرائيلية فقال:
"تكمن القوة الخاصة لسياسة
التعتيم النووي الإسرائيلي في مرونتها وفى اعتماد مبدأ (وجوب حماية
وجود "إسرائيل") كهدف مطلق مادام وجودها يتعرض للخطر. ولقد وقعت
"إسرائيل" على معاهدة تجميد القدرة النووية حيث إنها اعتبرت ذلك خطوة
عالمية تمهيدية في الطريق إلى إبعاد خطر الدمار الشامل كأمر حيوي
لشعوب المنطقة. ولأن المصلحة القومية العليا لإسرائيل - التي لا
تفوقها مصلحة - هي إخلاء المنطقة تماماً من الأسلحة النووية ومن
أسلحة الدمار الشامل فإنه ليس من حق "إسرائيل" أن تعمل ضد الاتجاه
العالمي الهادف إلى الحد من تطوير أسلحة نووية. ولا يمكننا أن نتجاهل
الرأي الذي أبداه عضو الكنيست "إفرايم سينييه" (هاآرتس 13/8/1998م)
عندما قال: إن التعتيم النووي مازال يشكل أقوى رموز الردع، وأي تدخل
أجنبي أو رقابة معناه التجرد من الردع الوحيد الذي نمتلكه الآن".
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن -
وفقاً لكلام عضو الكنيست "إفرايم سينييه" هو: هل تخلت البلاد العربية
عن سياسة الردع أو حتى المقاومة عندما خضعت للرقابة الدولية؟
وسؤال آخر: هل تؤدي سياسة
التعتيم إلى تفاهم بين "إسرائيل" وجيرانها (أو حتى بين "إسرائيل"
وبعض جيرانها) وإلى علاقات سلام؟
وسؤال آخر: هل تمنع سياسة
التعتيم أي مواجهة أو حرب في المستقبل؟
وللإجابة على تلك الأسئلة يجب
أولاً أن نحلل هذا الكلام السابق ونوضح بعض النقاط التي لم تأخذها
السياسة الإسرائيلية في الحسبان.
أولاً: هناك تجاهل كبيرة تضمنته
سياسة التعتيم النووي الإسرائيلية للاهتمام العالمي أو وجهة النظر
العالمية التي مفادها وقف التطور النووي والحد منه.
ثانياً: إن "إسرائيل" تبتعد
كثيراً بفضل تلك السياسة عن الأجواء العالمية وعن التكتلات التي تقوم
من حولها وكأنها تعيش في حجرة مغلقة.!!
ثالثاً: أن التطورات التي يمر
بها العالم العربي من حول "إسرائيل" والتأثيرات القادمة من خارج
المنطقة تتراكم وتنطوي على كثير من العداء والكراهية والتشكيك
لإسرائيل وسياسة التعتيم النووي. ولذا أضاف مناحم بريش في دراسته
السابقة :
"نحن لم نفعل إلا القليل في عصر
يجب أن يكون للحوار فيه -كوسيلة للتفاهم والتسويات بين الدول-
الأولوية على ما عداه من الموضوعات المطروحة على جدول أعمال الدول".
والحقيقة أنه ليس هناك توقف في
سباق التسلح الذي لم يكن وليد اللحظة والذي يتزايد بسبب التقدم
الملحوظ الذي تحقق في مجال التسليح الدقيق ومدى سرعة الطائرات وتنوع
طرازات الصواريخ بعيدة المدى التي تحمل رؤوساًً نووية وغيرها من
التقنيات الحديثة التي صاحبت سباق التسلح المسعور ليس في منطقة الشرق
الأوسط فقط بل في مناطق كثيرة في العالم وليس أدل على ذلك من التجربة
الباكستانية - الهندية.
- هل يمكن مراقبة الدول النووية
بما فيها "إسرائيل"؟
في عام 1958 كتب الدكتور "إدوارد
بتلر" الذي كان يعتبر حجة في لجنة الطاقة الذرية آنذاك، يقول:
"إذا أرادت إحدى الدول أن تقوم
بإجراء تجارب نووية في سرية تامة فإن المراقبة سوف تصبح صعبة وغير
مؤكدة.. لاشك أن الأمر سوف يتطلب الكثير من المال والجهد لإخفاء
التفجيرات الذرية".
والحقيقة أن كلام هذا الرجل
ينطوي على شيء من الغموض فضلاً عن أن هذا الكلام كان منذ أكثر من
أربعين سنة لأنه في ظل العصر الحالي الذي نعيشه نستطيع أن نقول إنه
لا يمكن تضليل الإشراف الدولي والمراقبة الدولية فقد تم كشف النقاب
في الفترة الأخيرة عن النشاط النووي لعدة دول. ومن وجهة النظر
العلمية يمكن تنفيذ الرقابة الدولية والإشراف الدولي بطرق عدة منها:
1- أن التجارب النووية تنشر
غباراً ذرياً ذا نشاط إشعاعي تحمله تيارات الهواء حول الكرة الأرضية
ومن الممكن الكشف عنه حينما يتسرب بطريقة ما.
2- تستطيع الأجهزة الحديثة أن
تكتشف الهزات الطبيعية نتيجة الانفجار النووي (مثل الزلازل).
3- ينتقل التيار الحراري الهائل
الناتج عن التجارب النووية عبر الأجواء العليا لذلك يمكن الكشف عنه
بواسطة (بارومتر) حساس.
والأبسط والأسرع من ذلك كله أنه
إذا استطاعت عقول البشر أن تتجه إلى تأييد نظام التفتيش وانطوى
النظام العالمي على شيء من العدل ومعاملة كل الدول بميزان واحد وعدم
استخدام موازين مختلفة فإن نزع السلاح النووي أو على الأقل الحد منه
سيكون أمراً قابلاً للتحقيق في المستقبل. لذا قال أحد السياسيين:
"إننا إذا وثق بعضنا في بعض، فلن تكون هناك أية حاجة لاجتماع لجان
التفتيش أو مجلس الأمن" لذا فإنه يجب على البشرية جميعاً أن تعمل على
إزالة عدم الثقة وخلق ثقة حقيقية لإنهاء عصر الحروب والتنافس من أجل
السلاح، وعندها قد يؤدي التفتيش بالفعل إلى إنهاء الصراع المحموم
للتسلح النووي.
|