|
عودة
إلى «أسطورة النفوذ الصهيوني»!
هشام الدجاني*
صحيفة الحياة اللندنية
6/3/2006
أعاد حدثان مهمان جريا أخيراً
إلى التداول أسطورة النفوذ الصهيوني الذي لا يقف عند حد، أولهما
الحكم على المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينغ بالسجن ثلاث سنوات أمام
إحدى المحاكم النمسوية بسبب إنكاره حجم أرقام الضحايا في جريمة
«الهولوكوست» في ألمانيا النازية، والحدث الثاني وقف رئيس بلدية لندن
كين ليفنغستون عن العمل أربعة أسابيع لتشبيهه صحافياً يهودياً بحارس
نازي.
في الحدث الأول لم يغفر للمؤرخ
الكبير تراجعه عن أقواله واعترافه بخطئه في تجنيبه الحكم بالسجن. لم
ينكر ايرفينغ «الهولوكوست» أو «المحرقة»، لكنه أنكر المبالغة في
تعداد اليهود الذين اضطُهدوا وعذبوا فيها.
وفي الحدث الثاني كانت جريمة
رئيس البلدية البريطانية أنه سأل صحافياً «يهودياً» انتهك خصوصيته
عما إذا كان مجرم حرب ألمانياً في أي وقت من الأوقات. وتعمدت بعض
وسائل إعلام بريطانية إبراز «يهودية» الصحافي المذكور مع أنه مواطن
بريطاني. ولم يشفع لرئيس البلدية أنه لم يقصد إهانة الطائفة
اليهودية.
"إسرائيل" تستمد قوتها من هذا
«النفوذ الصهيوني الأسطوري» الذي يهيمن على إرادة الإدارة الأميركية
والاتحاد الأوروبي وقراراتهما. هكذا ببساطة يريدوننا أن نصدق وتصدق
شعوبهما أن النفوذ الصهيوني قوة لا تُغلب!
لا يزال كثر من المفكرين العرب
وغير العرب يؤمنون بأسطورة النفوذ الصهيوني «الخرافي»، ومع أنهم لو
تأملوا جيداً في طبيعة العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في شكل خاص،
والعلاقات الأوروبية – الإسرائيلية عموماً لوجدوا أن «النفوذ
الصهيوني» يراد له أن يبدو أكبر بكثير مما هو في حقيقة الأمر. وفي
واقع الحال تجسد العلاقات الأميركية – الإسرائيلية ظاهرة فريدة من
نوعها، إذ ترتبط قوة عالمية كبرى بدولة صغيرة ارتباطاً لم يسبق له
مثيل في تاريخ العلاقات الدولية، وهي تتميز على الصعيد الاستراتيجي
بتوافق كامل في المصالح يتجسد في أسس عدة، أهمها تفوق عسكري إسرائيلي
دائم لا يحقق لإسرائيل الدفاع عن نفسها فقط، أو أن تهدد جيرانها، بل
الدفاع عن المصالح الأميركية في المنطقة، وتكريس حال الانقسام في
العالم العربي، وتهديد أمن الدول العربية (ضرب المفاعل النووي
العراقي، اجتياح لبنان، اجتياح الأجواء السورية، من وقت إلى آخر).
استلزمت مجموعة المصالح
الأميركية نوعاً من «العلاقة الخاصة»، وارتضت "إسرائيل" بنوع من
التبعية للولايات المتحدة – وليس العكس كما روج بعض الكتّاب – نظراً
إلى حاجتها الماسة إلى مساعداتها الاقتصادية والعسكرية ودعمها الدولي
في مقابل أن تقدم لها «خدمات متنوعة» ترتبط بصورة مباشرة أو غير
مباشرة بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. ويردد المسؤولون
الإسرائيليون دوماً القول: «إن "إسرائيل" ورقة استراتيجية في يد
الولايات المتحدة»، في حين يردد الأميركيون أن "إسرائيل" «حليف
استراتيجي».
مع هذا لا تزال هذه «العلاقة
الخاصة» بفرادتها موضع جدل في جوهرها. فهناك من يصفها بأنها «علاقة
فريدة أو متميزة». ومثل هذا الوصف على صحته لا يفيد كثيراً في تحليل
هذه العلاقة. وهناك من يصفها بأنها علاقات هيمنة من قبل جماعات الضغط
الصهيونية في أوساط صناعة القرار الأميركي. ويشتط بعضهم في هذا
الاتجاه فيقول إن "إسرائيل" هي التي ترسم سياسة الولايات المتحدة
الخارجية في المنطقة! ويسلك فريق ثالث مسلكاً وسطاً في شرح فلسفة
«العلاقة الخاصة» بين البلدين فيرى أن "إسرائيل" مهمة بالنسبة إلى
الولايات المتحدة بحيث لا تستطيع الاستغناء عنها، كما أن حبل السرّة
الأميركي حيوي جداً لإسرائيل بحيث لا تستطيع أن تقطعه. ومع أن
التحليل الأخير قد يبدو الأقرب إلى الواقعية إلا أن طبيعة العلاقات
بين البلدين والتي توصف بحق أنها «فريدة» و«خاصة» و«متميزة» أعقد
وأكثر تشابكاً من أن توصف بكلمات قليلة.
أين موقع هذه العلاقات إذاً بين
هذه التصنيفات والتحليلات، والتي كثيراً ما تراوح بين التهويل
والتقليل؟!
قبل الإجابة عن السؤال ثمة دراسة
أميركية رسمية ترى أن «"إسرائيل" مؤسسة عسكرية متطورة ومتقدمة، وقدرة
أمنية جيدة، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي، ما يسهم في تحقيق الأهداف
الأميركية في المنطقة. وهي ذخر وسند استراتيجي لأميركا». ويرى بعض
الاستراتيجيين الأميركيين أن "إسرائيل" بسجلها الحافل بالانتصارات
العسكرية، وجيشها المدرب. والمسلح جيداً حليف قوي، كما تقدم
استخباراتها مصدراً موثوقاً فيه للمعلومات.
وليام كوانت، المحلل السياسي
الأميركي المعروف، كان من الكتّاب القلائل الذين وصفوا طبيعة
العلاقات الأميركية – الإسرائيلية بموضوعيـة بعيـداً من أي مبالغة أو
تهويل. يقول كوانت: «من الواضح تماماً أن الولايات المتحدة لا تنفق
بلايين الدولارات على مساعدة "إسرائيل" عسكرياً واقتصادياً لمجرد
الشعور بالتزام أخلاقي، أو بسبب ضغط اثنين في المئة من سكانها (يهود
أميركا). لا بد أن هناك شيئاً أكثر واقعية في الرهان، وهو أن
"إسرائيل" يجب أن تكون مصدر نفع لأميركا، وبناء على هذا تعتبر الحليف
الوحيد الذي تعتمد عليه في المنطقة».
استوعب حكام "إسرائيل" هذا الدور
تماماً، وتحدث عن ذلك السياسي الإسرائيلي المخضرم شمعون بيريز بوضوح:
«تحقق الولايات المتحدة مزايا عدة من دعمها الواسع لإسرائيل، وهذا ما
يخدم هيبتها ومصالحها». ويتوجه بيريز بخطابه إلى الإدارة الأميركية
قائلاً: «هل تريدون "إسرائيل" منضبطة مع تورط قوات أميركية مباشرة في
عمليات في الشرق الأوسط، أم تريدون "إسرائيل" مستقلة، حتى وإن بدت
أحياناً غير منضبطة. لا بد من منحنا حرية العمل لأنكم لا تستطيعون
الإقرار ببعض الأشياء، وهي في عمق قلوبكم، وتعرفون أنه يتوجب علينا
نحن القيام بها».
يمكن أن نستخلص إذاً أن هناك
آلية لتحريك مقولة النفوذ الصهيوني «الهائل» بين حين وآخر لتكريس
أسطورة مبالغ فيها إلى حد بعيد من أجل إرهاب كثير من الكتّاب
والمفكرين وحتى المسؤولين في أوروبا وأميركا، بل والعالم. وهذا ما
تنبه إليه المفكر الأميركي اليهودي نعوم تشومسكي، كما تنبه إليه
المفكر العربي المرحوم إدوار سعيد، وقلة قليلة من المفكرين العرب
والأوروبيين. وكان نصيب من تجرأ منهم كإيرفينغ وليفنغستون، التعرض
للعقوبة والتوبيخ حتى يكون عبرة لغيره.
* كاتب سوري
|