"إسرائيل" وتجارة الألم
بقلم:
د.عبد العليم محمد
صحيفة
الأهرام 27/12/2003
تفخر
"إسرائيل" بالحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في عام 1999، والذي
يقضي بمنع جهاز الأمن العام في "إسرائيل"، من استخدام عدة وسائل
للتحقيق، مع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، في الانتفاضة الأولى
والانتفاضة الحالية، والذين اعتقلوا أو احتجزوا أو سجنوا عن طريق
سلطات الاحتلال.
من بين هذه
الوسائل منع نقل من يتم التحقيق معهم من مكان لآخر، أو إجبارهم على
الركوع في وضع "القرفصاء" أو منعهم من النوم، بإجلاسهم على كرسي
صغير في وضع يسمى "الشبح" وما دون الأساليب التي تستهدف تحطيم
معنويات من يحقق معهم وإذلالهم وإهانتهم.
بيد أن هذا
الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا، ترك ثغرة- كانت تبدو صغيرة
حينئذ- ألا وهي استثناء من يطلق عليهم، أو من أطلق هذا الحكم
عليهم "قنابل موقوتة"، حيث أن الاتفاقية الدولية لمناهضة وحظر
التعذيب شددت على الحظر المطلق للتعذيب والتنكيل بالمعتقلين، ووصفته
أنه جريمة ضد الإنسانية، واستثناء أية فئة من هذا الحظر يتناقض
بطبيعته مع القانون الدولي.
ومن ناحية
ثانية فإن تلك الثغرة التي كانت تبدو صغيرة، تكفل بتوسيعها المستشار
القانوني للحكومة ورؤساء أجهزة الأمن العام الإسرائيلية، وأصبح عدد
الذين ينطبق ذلك التوصيف الغامض عليهم أي "قنبلة موقوتة" كبيراً،
وبعد مضي ما يقرب أعوام الأربعة، على صدور حكم المحكمة العليا
الإسرائيلية، فإن ثمة عدداً كبيراً من الشكاوى في الأشهر الأربعة
لعام 2003 يذكر فيها أصحابها تعرضهم لأنواع مختلفة من الإيذاء
البدني والنفسي، والعنف المادي واللفظي الماس بالكرامة الإنسانية.
الدعاية
الإسرائيلية تجعل من المحكمة العليا "الحارس الأكبر لحقوق الإنسان"
غير أن واقع الممارسات الإسرائيلية ينطق بحكم آخر تماماً، يضع
"إسرائيل" في خرق وانتهاك واضحين لبنود القانون الدولي الخاصة بحظر
ممارسة التعذيب.
بالإضافة إلى
ذلك يضع تقرير منظمة العفو الدولية الخاص بتجارة أدوات التعذيب
"إسرائيل" في مكانة متقدمة، بين الدول التي تصنع وتنتج وتصدر أجهزة
التعذيب وأدواته، خاصة تلك التقنيات الحديثة التي طورها "تجار
الألم" كما ورد بالتقرير مع دول أخرى كالبرازيل وأسبانيا وغيرها من
الدول.
إذا ما كانت
"إسرائيل" دولة ديموقراطية حقاً لا قولاً، أو شكلاً، فإن الجلاء عن
الأراضي الفلسطينية المحتلة هو السبيل، ليس فحسب لإنهاء هذه
الممارسات التي تناقض القانون الدولي، وإنما أيضا لإنقاذ
الديموقراطية الإسرائيلية المزعومة من نفسها، ذلك أن الضحايا في
البداية فلسطينيون، ولكن الإسرائيليين بدورهم لن يستطيعوا الفرار من
هذه الحلقة الشريرة التي نسجوا خيوطها بإحكام.
|