الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

إسرائيل والمسألة النووية‏...‏ بين التخلي والإخلاء

كتب: أحمد إبراهيم محمود

صحيفة الأهرام 3/1/2004

 

هل يمكن أن تساعد التطورات التي طرأت على البرامج النووية الليبية والإيرانية‏،‏ وتدمير قدرات العراق بالكامل في مجال أسلحة الدمار الشامل في فترة سابقة‏،‏ على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل عموما‏ً،‏ ومن الأسلحة النووية الإسرائيلية خصوصا‏ً،‏ على نحو ما تطالب الدول العربية الآن‏..‏؟

 

الواقع‏،‏ أنه من غير المستبعد أن يكون المسئولون الأمريكيون قد ألمحوا بصورة طفيفة للغاية إلى مثل هذا الربط في الجهود الدبلوماسية التي بذلوها لاحتواء البرامج النووية لكل من العراق وإيران‏،‏ وأيضاً في محادثاتهم السرية المكثفة مع ليبيا خلال الشهور الماضية‏،‏ وذلك في إطار حشد الدعم والمساندة للسياسة الأمريكية في مجال منع الانتشار النووي‏.‏ وربما تستند الرؤية الأمريكية على أن امتلاك "إسرائيل" للسلاح النووي كان مبرراً عندما كانت هناك مساع من دول عديدة في المنطقة لامتلاك السلاح النووي‏.‏ وإذا تخلت الدول الأخرى ليس فقط عن قدراتها الفعلية‏،‏ ولكن أيضاً عن نياتها الخاصة في هذا الشأن‏،‏ فإن ذلك ربما يساعد على تهدئة المخاوف الأمنية الإسرائيلية‏،‏ وربما يوفر ذلك مناخاً من الثقة يتيح إقناع "إسرائيل" بفتح ملفها النووي‏.‏ بعد أن تكون مصادر التهديد النووي الفعلية والمحتملة قد تلاشت من المنطقة‏،‏ وأيضاً بعد استكمال عملية التسوية العربية - الإسرائيلية‏.‏

 

غير أن التحليل الواقعي لهذه المسألة يخلص إلى نتيجة مغايرة تماما‏ً.‏ فحتى يكون هناك ربط فعال وحقيقي بين تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية‏،‏ وتخلي كل من إيران وليبيا عن طموحاتهما بامتلاك السلاح النووي‏،‏ وبين قبول "إسرائيل" الانضمام لمعاهدة منع الانتشار النووي والتخلص مما لديها من ترسانة نووية هائلة‏،‏ فإن ذلك كان يحتاج منذ البداية إلى منهج سياسي وتفاوضي مغاير تماماً لما سارت فيه التطورات الفعلية في حالات العراق وإيران وليبيا‏،‏ بحيث تبدو المحصلة الإجمالية كما لو كانت تنازلاً مجانياً من هذه الدول عن برامجها النووية‏،‏ دون أدنى التزام من جانب "إسرائيل" بالتخلص من قدراتها النووية‏.‏

 

فمن غير الوارد في مثل هذه المسائل القول بأن توقيع إيران على البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار النووي‏،‏ وتخلى ليبيا طواعية عن برامجها المتواضعة في مجال أسلحة الدمار الشامل‏،‏ سوف يساعد على تضييق الخناق على "إسرائيل"‏،‏ ويزيد من الضغوط الدولية عليها للتخلي عن ترسانتها النووية الضخمة والانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي‏،‏ وإنما كان من الممكن تحقيق مثل هذا الربط في حالة وجود صفقة متكاملة ملزمة للولايات المتحدة و"إسرائيل" في آن واحد معاً‏،‏ تلتزم بموجبها الدول الأخرى بالتخلص من برامجها النووية‏،‏ كما تخضع "إسرائيل" أيضاً لنفس هذه الالتزامات‏،‏ في إطار التزامات متبادلة وجدول زمني محدد‏،‏ بحيث يتم التخلص من هذه القدرات بصورة متزامنة‏،‏ وفي ظل إشراف ورقابة دولية‏.‏

 

ومع أن هناك تعقيدات هائلة لا حصر لها كانت تحول دون وجود مثل هذه الصفقة‏،‏ فإن مثل هذه الصيغة كانت هي الوحيدة القادرة على فرض التزام على "إسرائيل" بالتخلي عن أسلحتها النووية‏،‏ وربما يجيء في مقدمة التعقيدات التي تحول دون تطبيق هذه الصيغة أن الدول الثلاث‏(‏ العراق وإيران وليبيا‏)‏ لم تكن معنية تماماً بربط التخلي عن قدراتها النووية بالمسألة النووية الإسرائيلية‏،‏ بقدر ما كانت ترتبط بسياقات سياسية واستراتيجية أخرى خاصة بكل دولة على حدة‏،‏ صحيح أن فكرة مثل هذا الربط موجودة بقوة في سياسات بعض الدول العربية‏،‏ وفي مقدمتها مصر‏،‏ وطرحت مرات عديدة في المفاوضات المتعددة الأطراف الخاصة بالأمن الإقليمي وضبط التسلح‏،‏ إلا أن هذا الربط كان يتطلب تنسيقاً عالياً بين جميع الدول العربية وإيران‏،‏ وبالذات الدول الثلاث المذكورة‏،‏ بالإضافة إلى الدول العربية الكبرى‏،‏ وبالذات مصر والسعودية وسوريا‏،‏ وهو ما لم يتحقق لاختلاف الظروف الخاصة بكل منها‏.‏

 

ففي حالة العراق‏،‏ كان تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية جزءاً من العقوبات التي فرضت على العراق عقب غزوه للكويت‏،‏ ومع أن الدول العربية كانت واعية لأهمية الربط بين تدمير هذه الأسلحة العراقية وبين ضرورة إزالة السلاح النووي الإسرائيلي‏،‏ فإن الأمر اقتصر على مجرد فقرة عامة ومبهمة في قرار مجلس الأمن رقم‏ 687‏ الصادر عام ‏1991‏ تنص على أن إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية يجب أن تكون جزءاً من إخلاء منطقة الشرق الأوسط ككل من أسلحة الدمار الشامل‏،‏ دون وجود أي التزامات محددة مفروضة على "إسرائيل" في هذا الصدد‏.‏

 

وبالمثل‏،‏ فإن حالتي إيران وليبيا لم يكن لهما ارتباط حقيقي بـ"إسرائيل"‏،‏ ففي حالة إيران‏،‏ كان قبول التوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار النووي والتخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم عائداً إلى رغبة إيران في تفادي الضغوط الأمريكية والأوروبية العنيفة عليها‏،‏ والحيلولة دون نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن‏،‏ بما كان يعنيه ذلك حتماً - حال حدوثه - من إمكانية فرض عقوبات سياسية واقتصادية على إيران‏،‏ بل وربما استهدافها عسكرياً من جانب الولايات المتحدة و"إسرائيل"‏.‏ وربما لم يكن ممكناً للسياسة الإيرانية في ظل هذه الظروف أن تربط موافقتها على المطالب الدولية بضرورة انضمام "إسرائيل" إلى معاهدة منع الانتشار النووي والتخلص من ترسانتها النووية‏.‏

 

أما في حالة ليبيا‏،‏ فإن تخليها الطوعي المفاجئ عن برامجها البدائية المتواضعة في مجال أسلحة الدمار الشامل ارتبط بالرغبة في الخروج من دائرة الاستهداف الأمريكي‏،‏ واحتواء أي جهود أمريكية للإطاحة بنظام الحكم الليبي‏،‏ جنباً إلى جنب مع العمل على بناء علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية وثيقة مع الولايات المتحدة‏،‏ ومع أن القيادة الليبية أشارت إلى أن هذه الخطوة من جانبها سوف تساعد على تضييق الخناق على "إسرائيل"‏.‏ وتكثيف الضغوط عليها للتخلص من ترسانتها النووية‏،‏ إلا أن الواضح أن ذلك لم يكن هدفها الرئيسي من وراء الخطوة المذكورة‏.‏

 

وفي الوقت نفسه‏،‏ فإن اختلاف مستوى التطور في البرامج النووية لكل دولة يلعب دوراً محورياً في تحديد مدى قدرة الدولة على المساومة والمقايضة‏.‏ فإذا كانت أي دولة من الدول الثلاث‏(‏ العراق‏/‏ إيران‏/‏ ليبيا‏)‏ قد نجحت بالفعل في امتلاك السلاح النووي‏،‏ فإن ذلك كان سوف يبدل عناصر المعادلة الاستراتيجية تماما‏ً،‏ إذا كان ذلك سوف يردع التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضدها‏،‏ الأمر الذي كان سيؤدي إلى إيجاد صيغة شديدة الفاعلية للمقايضة والمساومة‏،‏ إلا أن عدم نجاح أي من الدول الثلاث المذكورة في امتلاك السلاح النووي قد أضعف قدرتها على المساومة من الأصل في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية‏.‏

 

وتجدر الإشارة هنا أيضاً إلى أن الانضمام أو عدم الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي يلعب دوراً هاماً في تحديد الموقف الدولي من البرامج النووية لكل من "إسرائيل" والدول الثلاث المذكورة‏.‏ فالانضمام إلى المعاهدة أصبح قيداً على الدول الأعضاء‏،‏ ومبرراً لفرض العقوبات عليها‏،‏ إذا حادت ولو بمسافة محدودة للغاية عن بنود المعاهدة‏،‏ بينما لا تعامل الدول غير الأعضاء بالمثل في حالة امتلاكها للسلاح النووي استناداً إلى أنها لم تلتزم من الأصل بأي شيء‏،‏ وبالتالي فهي لم تنتهك أي شيء‏.‏

 

ونظراً لأن كلاً من العراق وإيران أعضاء في معاهدة منع الانتشار النووي‏،‏ فإن الحجة الرئيسية وراء الموقف الدولي العنيف تجاه برامجهما النووية تمثلت في اتهامهما بانتهاك المعاهدة‏،‏ بينما لم تتهم "إسرائيل" بمثل هذا الاتهام لأنها ليست عضواً في المعاهدة أصلا‏ً.‏

 

صحيح أن المواقف الأمريكية والدولية من قضايا الانتشار النووي تتحدد في إطار شبكة العلاقات والمصالح التي بربطها مع الأطراف المعنية‏،‏ أكثر مما تتأثر بقواعد القانون الدولي أو نصوص المعاهدات الدولية ذات الصلة‏،‏ مما يجعلها تتغاضى عن الترسانة النووية الإسرائيلية الهائلة‏،‏ وتتجاهل البرامج النووية لكل من الهند وباكستان‏،‏ في حين أنها تتعنت بشدة في مواجهة العراق وإيران‏،‏ وتضغط على ليبيا‏،‏ إلا أن ذلك كله لا ينفي أنه كان من المفترض أنه سوف يكون هناك مجال للحركة أمام الدول العربية وإيران‏،‏ إذا نجحت في توحيد مواقفها من هذه المسألة‏،‏ وتبنت موقفاً جماعياً وصمدت في مواجهة الضغوط الأمريكية وبادلت هذه الضغوط بضغوط مضادة بما في ذلك العمل على حشد وتكتيل الضغوط الدولية على "إسرائيل"‏،‏ وبالذات من جانب روسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي‏.‏

 

ومن ثم فإن هذه الصعوبات والتعقيدات ربما تجعل من الصيغ المطروحة للاستفادة من التطورات النووية المتعلقة بالعراق وإيران وليبيا للضغط على "إسرائيل‏"،‏ صيغاً قليلة الفاعلية‏،‏ وضعيفة من حيث الناتج النهائي المتوقع لمثل هذه الضغوط‏،‏ إلا أن هذا لا يعني أن تتخلى الدول العربية عن جهودها الدبلوماسية للضغط في المسألة النووية الإسرائيلية‏.‏ فهناك حجة قوية جديدة لهذه الضغوط تقوم على أن "إسرائيل" لم تعد فقط الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط‏،‏ وإنما لم تعد هناك أي دولة أخرى في المنطقة تحاول امتلاك السلاح النووي‏،‏ ولم يعد هناك قط ما يبرر الانتظار لحين استكمال عملية التسوية العربية - الإسرائيلية من أجل فتح ملف الترسانة النووية الإسرائيلية‏.‏

 

ولكن الفكرة الرئيسية التي نطرحها هنا تتمثل في ضرورة عدم الاكتفاء بمثل هذه الجهود الدبلوماسية‏،‏ وإنما الاعتماد على طائفة واسعة من البدائل والخيارات السياسية والدبلوماسية‏،‏ بما في ذلك التفكير في خيارات أكثر راديكالية في التعامل المصري والعربي مع المسألة النووية الإسرائيلية‏.‏

 

ويأتي في مقدمة هذه البدائل أن الفرصة لم تفت بالنسبة لإيران وليبيا‏،‏ وأيضاً للكثير من الدول العربية الأخرى‏،‏ لتأكيد أن مواقفها بشأن منع الانتشار النووي تظل عرضة للمراجعة إذا لم تلتزم "إسرائيل" بالتخلي عن ترسانتها النووية‏،‏ وتنضم إلى معاهدة منع الانتشار النووي‏،‏ ومازال هناك مجال للتنسيق والتعاون بين الدول العربية وإيران‏،‏ وربما يساعد التحسن الأخير الذي طرأ على العلاقات المصرية - الإيرانية علي دفع هذا التنسيق‏.‏ ومن الممكن عدم الاقتصار في مثل هذا التنسيق على الأطر الثنائية‏،‏ وإنما العمل على إنشاء آليات إقليمية للتعامل مع مثل هذه القضايا‏،‏ مثل إنشاء منتدى أمني إقليمي يضم الدول العربية وإيران وتركيا‏،‏ وربما أثيوبيا‏،‏ ولكن بدون مشاركة "إسرائيل" للتعامل مع القضايا الأمنية الإقليمية البارزة‏،‏ وفي مقدمتها قضية الانتشار النووي الإقليمي في الشرق الأوسط‏.‏

 

والبديل الأكثر فاعلية ربما يتمثل في أن مسألة التسلح النووي الإسرائيلي تعتبر فرصة مثالية لمراجعة معاهدة منع الانتشار النووي ككل‏.‏ فهذه المعاهدة فشلت في تحقيق كافة الأهداف الرئيسية لها‏،‏ سواء على صعيد إخلاء العالم من السلاح النووي‏،‏ أو جعل العالم أكثر أمنا‏ً،‏ وكرست المعاهدة حالة غريبة من احتكار التسلح النووي للدول الخمس الكبرى‏،‏ ومنحتها استثناء غريباً وغير مقبول من جانب أغلبية دول العالم الأخرى‏.‏ ولم تحقق المعاهدة أي فوائد للدول الأعضاء غير النووية‏،‏ لا على صعيد نقل التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية‏،‏ ولا على صعيد توفير الضمانات والحماية للدول غير النووية‏،‏ وفي الوقت الذي تنشط فيه الولايات المتحدة لمنع الدول الأخرى من امتلاك السلاح النووي‏،‏ فإنها تعمل في المقابل على تطوير ترسانتها النووية وإنتاج رؤوس نووية تكتيكية خاصة بالأعماق‏،‏ وإمكانية العودة إلى إجراء التجارب النووية‏.‏

 

ومن ثم فإن من الممكن التهديد بالانسحاب الرمزي من معاهدة منع الانتشار النووي‏،‏ وهو موقف من الممكن ألا يقتصر فقط على الدول العربية‏،‏ ولكنه يخص أيضاً مجموعة واسعة للغاية من دول العالم ومنظمات المجتمع المدني العالمي‏،‏ ممن يرفضون بشدة الاختلالات الهائلة التي يعاني منها التعامل الدولي مع قضايا الانتشار النووي‏.‏

 

ونقصد هنا بالانسحاب الرمزي التأكيد على أن الانسحاب من المعاهدة لا يعني اعتزام الدول المنسحبة العمل على امتلاك السلاح النووي‏،‏ بقدر ما يهدف فقط إلى الاحتجاج على التحيز الدولي غير المقبول في التعامل مع قضايا الانتشار النووي‏،‏ وتجاهل الترسانة النووية الإسرائيلية التي تمثل تهديداً ليس فقط للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط‏،‏ ولكنها تمثل تهديداً للأمن الدولي ككل‏.‏ ومن الممكن الدعوة إلى حملة دولية نشيطة لمناهضة التسلح النووي‏،‏ على غرار الحملة الدولية لمناهضة الألغام الأرضية المضادة للأفراد‏،‏ والتي تعتبر واحدة من أنجح الجهود الدولية في مجال ضبط التسلح‏،‏ والتي تضافرت فيها جهود بعض الحكومات المعنية ومنظمات المجتمع المدني العالمي‏،‏ ونجحت هذه الجهود التعاونية في صياغة معاهدة قوية للغاية في مجال حظر الألغام‏،‏ بدلاً من الجهود الحكومية العقيمة واللانهائية التي كانت تجري في إطار مؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح‏،‏ ومع أن قضايا الانتشار النووي تعتبر أعقد بكثير من قضايا الألغام الأرضية‏،‏ فإن المتصور أن الاقتداء بالمنهج الذي سارت عليه حملة مكافحة الألغام سوف يقدم درساً بالغ الأهمية للدول العربية لتكثيف الضغوط على "إسرائيل" للتخلي عن برنامجها النووي‏،‏ في إطار مجهود دولي جماعي يتعامل مع قضايا الانتشار النووي ككل على الساحة الدولية‏.‏