الفاشيـة الإسرائيليـة إلى أيــن؟
عبد الباري طاهر –كاتب يمني
صحيفة
الراية القطرية 11/11/2003
في آخر زيارة
لشارون إلى موسكو صرخ شارون في وجه مضيفه بوتن مخاطباً: ("إسرائيل"
دولة صغيرة، وصغيرة جداً، ولكنها الدولة الوحيدة في العالم التي
تمتلك الحق والقوة في الدفاع عن نفسها).
كان ذلكم
رداً على مطالبة الروس بتدويل القضية الفلسطينية، ما الذي اغضب
شارون؟ ثم ألم يسأل شارون نفسه لماذا "إسرائيل" هي وحدها في العالم
التي تمتلك الحق والقوة لحماية نفسها؟ وما هو هذا الحق؟ أهو الهي أم
بشري؟.. من أعطي لإسرائيل القوة التي تتحدي بها العالم؟
قبل محاولات
الإجابة على السؤال الفاغر فاه كأبواب الجحيم لا بد من الإشارة إلى
استطلاع أوروبي للرأي أجرته المفوضية الأوروبية كشف أن أغلبية مواطني
الاتحاد الأوروبي يعتبرون الدولة اليهودية أشد خطراً يهدد السلام
العالمي أكثر من أميركا وإيران والعراق وكوريا. وتحتل الولايات
المتحدة الأميركية المرتبة الثانية في التقرير المنوه به. ثم تأتي
الدول المعتبرة خطراً على السلام مثل كوريا وإيران.
رفض شارون
مشروع خطة الطريق الذي تقدمت به روسيا لمجلس الأمن لانتزاع قرار يكون
له قوة النفاذ يقتضي تدويل الصراع ووجود قوات مراقبة دولية. وهو ما
لا تسمح به "إسرائيل" وأميركا، لقد تزامن الغضب الشاروني من هذا
المشروع مع غضب "إسرائيل" أكثر سخونة وهياجاً من نتائج استطلاع الرأي
الأوروبي المنوه به. ومصدر الغضب واحد هو اكتشاف الطبيعة الفاشية
لنظام كان الأوروبيون إلى الأمس القريب يدعمونه بكل القوة المادية
والمعنوية باعتباره واحة الديمقراطية والحمل الوديع في مواجهة
الوحشية العربية والبربرية. فالحق الذي صدع به شارون لا يعني فقط
الوعد الإلهي لإبراهيم ويعقوب بتمليك الأرض حسب العهد القديم. وإنما
يعني وهذا هو الأهم عنده كعلماني عتل هو شرعية الاحتلال وقانون الغاب
القوة . فقوة "إسرائيل" الباطشة هي من يعطي لها حق استمرار احتلال
الأرض الفلسطينية. والعدوان المستمر على جوارها.
ولعل هذا
الاعتقاد الشاروني بقوة "إسرائيل" وتفردها في العالم هو نفسه لغز أبي
الهول الذي يفسر التبدل الدراماتيكي في الرأي العام الأوروبي، والذي
يجيء متأخراً لما يقرب من ثلث قرن من الزمان بعد أن تحولت "إسرائيل"
إلى قوة احتلال تحتل أرضاً فلسطينية وأرضاً من مصر وسوريا والأردن
وفيما بعد لبنان.
كانت قوة
"إسرائيل" إلى ما قبل حرب يونيو 67. أنها دولة عصرية وحضارية
ديمقراطية حمامة السلام في غابة تمثل البربرية والتوحش. الانتفاضة
الفلسطينية الأولى 87، والثانية واتفاقات السلام منذ أوسلو ومدريد
93، والقمع الوحشي لآلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية لأطفال فلسطين.
وتهديم المدن وتجريف التربة، وقلع الأشجار المثمرة، واغتيال القيادات
الفلسطينية، وإقامة جدار الفصل العنصري، وبناء المستوطنات، وسن
تشريعات فصل عنصري حقيقي، وإدارة الظهر لكل قرارات الأمم المتحدة
ومجلس الأمن والخروج عليها بدعم مطلق من الإدارة الأميركية والإهانات
المتكررة للزعامات الأوروبية، والابتزاز المستمر للأوروبيين
بالهولوكست، ودعاوى معاداة السامية والاستقواء في مواجهة الجميع
بالتأييد الأميركي اللامحدود.
لقد حرصت
"إسرائيل" منذ ما بعد حرب 67 على الاستناد بالمطلق للإدارة الأميركية
ورفض أي مشاركة لأوروبا في سلام الشرق الأوسط حسب المصطلح السائد.
لا شك أن
للتبدلات الكونية دخلاً كبيراً في تبدل المزاج في أوروبا. كما أن
المشاهد المرعبة لحروب الإبادة في فلسطين لها دخل كبير في هذا
التبدل، وحقاً فإن فاشية اليمين الإسرائيلي الديني والقومي وثلاثي
الحرب: شارون وموفاز ويعلون لهم دخل كبير في هذا التحول المذهل.
إن تحدي
شارون للأمم المتحدة ومجلس الأمن وتماهي السياسات العدوانية لأميركا
و"إسرائيل" خصوصاً بعد الـ 11 من سبتمبر واحتلال العراق. قد أظهرت
الدولة اليهودية كقوة احتلال عسكري يمتلك أسلحة نووية وأسلحة دمار
شامل تهدد جوارها. وتحتل الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع. كما
تحتل الجولان السورية وتعتدي على لبنان وسوريا وتمثل آخر دولة
للاحتلال الاستيطاني في العالم، كما تمثل آخر دولة للفصل العنصري.
والحق أن
جبروت "إسرائيل" وطغيانها وتمردها على الشرعية الدولية، وتهديدها
لجوارها ليس مرده إلى قوتها، وإنما يرد أولاً وأخيراً إلى استنادها
للإدارة الأميركية التي اتخذت في ظل إدارة بوش واليمينيين الجدد في
البيت الأبيض صورة التماهي حد الامتزاج، فأميركا لا تقوم في العراق
إلا بما تفعله "إسرائيل" في فلسطين.
ما أرعب
الإسرائيليين أن هذا التبدل يحدث في معقل صناعة الدولة اليهودية.
خصوصاً بريطانيا وفرنسا، ودفعت ألمانيا بعد الحرب الكونية الثانية
عشرات المليارات كتعويضات لإسرائيل عما فعله النازي، يأتي التحول في
المزاج الأوروبي متناغماً مع تحولات في المجتمعين الإسرائيلي
والفلسطيني، فالحركة تعود ببطء إلى معسكر السلام الإسرائيلي. وتتصاعد
الانتقادات في "إسرائيل" ضد حرب إبادة شارون، ويصل التململ إلى حزب
شينوي يسار صهيوني ثاني أكبر حزب في ائتلاف الحكم. وينتقد رئيس
الأركان سياسات شارون ويصل الاحتجاج والرفض إلى ضباط في القوة الجوية
يرفضون قصف المدنيين الفلسطينيين وهو ما لم يحدث في كل تاريخ الدولة
اليهودية.
كما يستجيب
عبد العزيز الرنتيسي من أبرز قادة حماس إلى دعوات عدم استهداف
المدنيين. وهو تحول صائب ومهم ويسحب من اليمين الفاشي الإسرائيلي أحد
أهم أسلحة ما تبقى من تعاطف دولي وإنساني.
لا ينبغي أن
نبالغ في قراءة تبدل المزاج الأوروبي، فما تزال "إسرائيل" قادرة على
التأثير في مراكز صنع القرار الأوروبي. وما تزال السياسات الأوروبية
الاستعمارية متضامنة بهذا القدر أو ذاك مع الدولة اليهودية. وإن كانت
أقرب لليسار الصهيوني منها لليمين الديني والقومي الذي يقوده شارون.
وبنفس القدر لا ينبغي الاستهانة بهذا المزاج الذي قد يتحول إلى رأي
عام عالمي. ولا بد أن يصل إلى المجتمع الأميركي الذي هو الآخر قد بدأ
في انتقاد سياسات بوش الابن التي لا تختلف عن سياسات شارون. ورغم أن
التعاطف كبير مع الدولة اليهودية في أميركا إلا أن الربط بين الحرب
الأميركية في العراق والحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين أمر وارد.
يبقي الغائب
هو الفعل العربي الرسمي والشعبي فهذا الغائب الأكبر هو كعب أخيل في
هذه التحولات الكونية. فالنظام العربي برمته مشغول بنفسه وحماية
بقائه وأزليته، والمزاج الشعبي العربي غائم ومحبط، فلم ينجح النظام
العربي في شيء كما نجح في تدويخ الأمة، وتشويه مزاجها، وسلب إرادتها،
وترويضها على قبول كل شيء وأي شيء، ولكل دولة عربية مصيبتها الخاصة
بها.
ويبقي الرهان
الأكبر هو صمود الشعبين المكافحين العراقي والفلسطيني في قهر
الاحتلال.
|