الهولوكوست الاقتصادي
د. خالد عبد الله
صحيفة
الاتحاد الإماراتية 22/12/2003
الهولوكوست
مصطلح يجمع في ثناياه معنى واحداً، التصفية العرقية لشعب يعتبر عبئاً
على مقاصد النظام القائم به. كان ذلك ديدن النظام النازي، وكان ذلك
سياسة المهاجرين الأوروبيين إلى العالم الجديد، وكان ذلك ممارسة
محاكم التفتيش.
فالهولوكوست
هو الغاية وليس الوسيلة، حتى وإن حاولت الحركة الصهيونية أن تجعل
منهما شيئاً واحداً ابتغاء التفرد في صورة الضحية. والأصل في الوسائل
التغير لأنها تقترن بالتطور الحضاري، والمناسبة السياسية، والطاقة
التنفيذية. وهي لا تعني بالضرورة الإبادة الفعلية الشاملة، بل التخلص
من المشكلة. فالنازية، لم يكن لديها اعتراض إن رحل اليهود إلى حيث لا
تريد أن تصل، ومحاكم التفتيش أعطت الفرصة للتحول أو الرحيل. ولم
تتلكأ "إسرائيل" لحظة واحدة في ملاحقة مرماها في التخلص من
الفلسطينيين.
كانت المذابح
المتعددة أحد مخارجها لدفعهم بعيداً عن مراكز تثبيت وجودها. ثم حاولت
بسياسات مختلفة في مرحلة ثانية أن تبعدهم عن أراض جديدة تغتصبها. لم
تستطع أن تكرر وسيلة المذابح على نطاق واسع ليس تعففاً وإنما إكراه،
فالعالم تغير، والرأي العام العالمي ضدها، وقدراتها على ذلك محدودة.
وكانت تتوهم أن تراكم إجراءاتها التعسفية سيفضي إلى إذعان الناس لما
تريد. وظنت المؤسسة "الإسرائيلية" أن شارون سيزرع الإحباط في الشعب
الفلسطيني، فإذا باليأس ينبت في أحضانها. ولم يبق لدى المؤسسة
"الإسرائيلية" إلا الإعلان عن بربريتها. فقد كانت تتصور أنها
بإجراءاتها وخطواتها عبر السنين ستصل إلى أغراضها دون محاكمة
أخلاقية، فإذا بها تكتشف أن المحكمة الأخلاقية العالمية قد أصدرت
حكمها قبل أن تصل إلى مقاصدها.
فما أعلنه
شارون من خطة ثلاثية الأبعاد، الفصل الأمني والسياسي والاقتصادي، ليس
إلا تهديداً بالتجويع حتى الموت أو الانصياع، والثلاثة في حقيقة
الأمر ليست إلا سياسة تجويع، فالجدار ليس إلا منعاً للناس من الوصول
إلى مزارعهم وحقولهم تماماً، كما أن الفصل الاقتصادي منع لهم من فرص
العمل، ويبدو أن شارون يريد أن يحقق من خلال التجويع الإذعان أو
الترحيل الاقتصادي الطوعي. وغاب عنه أمران، أن التجويع لم يتوقف
لحظة، فكل إجراءات "إسرائيل" على مدى العقود الماضية تجويع متواصل.
ثم أين يجد الناس العمل والبطالة متفشية؟ ويبدو أن شارون قد حصل على
الموافقة الأمريكية لأنها أيضاً مستعجلة على تحقيق الإذعان
الفلسطيني. فكل إذعان عربي، كما أن كل هزيمة عربية تصويت في
الانتخابات القادمة لمصلحة بوش. وإذا كان إضراراً بمصلحتنا في المدى
البعيد التصويت لصالح بوش، فمن العار أن نترك شارون يمارس هولوكوسته
الاقتصادي على شعب عربي يريد أن يمنع هزيمة عربية أخرى.
|