الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

 

الأسير المحرر أنس شريتح شهيد مع وقف التنفيذ

 

يعود إلى الحياة بعد إصابته بعشر رصاصات اثنتان منهما ساكنتان في جسده

 

الخليل – تقرير خاص

بسمة جميلة وبريئة ارتسمت على وجه المعتقل المفرج عنه أنس مسلم شريتح ، عندما دخلنا إلى غرفته في بلدة يطا شرق الخليل ، ملامح طفولته وسكينته كانت قد سبقتها عاصفة محمومة ، أنس الذي ما برح القلم جيبه ، أصبح الآن لا يميز حرف الألف من الياء ، لقد أجبر الصهاينة ذاكرته على الرحيل ، ليجبروا جامعة النجاح حاضنة الاستشهاديين على النزوح من أعماقه وليحطموا عنفوان السرايا حتى لا تسكن مخيلته … أنس الذي كان من المتوقع له أن يتخرج منذ نصف عام من قسم الهندسة الكهربائية ، أصبح الآن وكأنه طفل صغير عاد إلى حياة جديدة ، حفرة كبيرة في الجزء الأيسر من أعلى الرأس ، رقع من اللحم التي كانت قد استأصلت من ساقيه باتت تسكن ذراعه الأيسر ، ثم يتسلل بنا العد هذا مكان رصاصة وتلك مكان شظية … وهناك مكان لإبرة الجراحين ، عشر رصاصات لا ندري ما حجمها ، كانت قد مزقت جسد العريس الذي لم يترجل بعد عن جواده ، رصاصة ما زالت في الرأس وشظية أخرى لا زالت في الجسد … هذا كل ما تبقى من أنس ، جسد مشلول بشكل طولي وفقدان للذاكرة بنسبة 95 % وفقدان للنطق ، ولكن رغم كل هذا ما زال بريق النصر يلمع في عينيه كوهج البنادق المشرعة إلى بوابات المجد ، وقد لاحظنا أنه كان يبتسم عندما كنا نتحدث عن ماضيه أو عن أي شيء قيل عنه وكأنه يبحث بين شفاه الزائرين عن معنى وجوده على هذه الدنيا بهذه الحالة …

ولد الشهيد الحي أنس مسلم شريتح من بلدة يطا التي تبعد حوالي 9 كم إلى الجنوب الشرقي لمدينة الخليل بتاريخ 5 / 7 / 1979 ، التحق بجامعة النجاح الوطنية في مدينة نابلس بعد أن تفوق في الدراسة الثانوية العامة وتخصص في الهندسة الكهربائية ، مما جعله هدفا" لقوات الاحتلال التي باتت تطارد كل المهندسين .

وكان من المفروض أن يتخرج أنس العام الماضي إلا أن الاعتقالات التي تعرض لها من السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال حالت دون ذلك .

ويقول الأستاذ مسلم شريتح والد أنس أن سلطات الاحتلال اعتقلت ابنه الأكبر أسامه قبل ثلاث سنوات ، وزجت به في سجن نفحة الصهيوني ، وما زال ينتظر المحاكمة ، أما أنس فقد اعتقل عام 1998 لدى سلطات الاحتلال ، وأمضى عاما" واحدا" من أصل ثلاث سنوات كانت سنتين منها مع وقف التنفيذ ، بتهمة العضوية في مجلس اتحاد الطلبة والانتماء لحركة الجهاد الإسلامي،  في شهر 12 / 200 اعتقل لدى السلطة الفلسطينية لمدة أربع شهور ، وخلال الاجتياح الصهيوني لمدينة نابلس قامت قوات الاحتلال بقصف السجن المركزي ، وهرب كافة المعتقلين المتواجدين في المعتقل بما فيهم أنس .

وأثناء اعتقاله في سجون السلطة طالب والده بالإفراج عنه، إلا أن الطيراوي قال له إن أنس محتجز بموجب أوامر عليا وأنه سوف يحافظ على حياته مثله مثل باقي كل المعتقلين.

وفي بداية اجتياح مدينة نابلس في شهر 4 / 2000 أصيب أنس برصاصة في الصدر، ولم يتم نقله إلى المشافي بل عولج ميدانيا" حرصا" على حياته.

وبعد هذه الحادثة أصبح أنس المطلوب رقم واحد في مدينة نابلس، إلا أنه اختفى منذ ذلك الحين .

وفي تاريخ 15 / 3 / 2003 تزوج أنس من فداء قعقور  خريجة جامعة النجاح أيضا" تخصص هندسة معمارية، وتقول السيدة فداء أن أنس استعمل اسما" مستعارا" واتخذنا منزلا" بالإيجار في جبل الشمالي في مدينة نابلس ، ولم يكن اسم أنس شريتح معروف لدى المواطنين في المنطقة ، وبعد مرور 42 يوما" على زواجنا حضر أنس الى البيت متأخرا" وكان متعبا" جدا" ، وتضيف أنها سمعت أصوات طائرات وتحركات غير طبيعية حول المنزل و  في الساعة الثانية من ليلة 22 / 4 / 2003 وطلبت من أنس أن يستفيق حتى يعرف أسباب تلك الحركة ، إلا أنه كان متعبا" ولم يستفيق ، وتضيف أنها سمعت في الساعة الثالثة صباحا" أصوات عالية تطالب الجيران أن يخرجوا من الحارة ، وقالوا لصاحب العمارة التي كانوا يسكنون فيها أنهم يريدون أنس شريتح ، ولكن أهل الحي لم يتعرفوا على الاسم لأنه كان يحمل اسما" مستعارا" .

وتضيف الزوجة أن القوات الصهيونية كانت تغطي المنطقة ابتداءا" من المقاطعة حتى مسجد النمر ، وقد رافقت القوات الصهيونية طائرتان مروحيتان  وأخرى كانت ترصد المنطقة بشكل دقيق عبر أشعة الليزر وكميرات تصوير ، ثم بدء جنود الاحتلال بالنداء عبر مكبرات الصوت تطالب أنس بالاستسلام ، ولكن أنس رفض ذلك ودخلوا في مفاوضات لأكثر من ساعة ، وسألوه من يتواجد معك في المنزل ، فقال زوجتي ، فقال له الكابتن هل تريد أن تخرج أم أن تموت معك ، عند ذلك خيرني أنس بين أن أبقى أو أخرج ، فطالبت الجنود أن يفتحوا الباب بعد أن طلب أنس مني الخروج ، وعند وصولي للباب أكشفت أنهم فجروا سكاكر الباب ولم استطع فتحه ، وقام أحد المواطنين بكسر الباب حتى خرجت ، وفي هذه الأثناء قام أنس بالتسلل عبر باب خارجي من الجهة الثانية ، إلا أن رشاشات الجنود كانت مصوبة باتجاه هذا المدخل ، وقاموا بإطلاق النار بشكل مكثف عليه ، وأصيب بعشر رصاصات ثم ألقى بنفسه على الجدار ثم سقط على الأرض .ولما أحاط به الجنود كانت يده مرفوعة ، وعندما ردها بشكل عشوائي إلى صدره ، قام الجنود بالهرب من المكان ظنا" منهم أنه يحمل حزاما" متفجرا" ، ولم يستطيعوا الوصول إليه ، وطلبوا من صاحب العمارة وهو الدكتور وليد خنفر محاضر في جامعة النجاح ، والذي أخذ ينادي على أنس بأعلى صوته وعرفه على نفسه ، ولكن أنس كان في غيبوبة وقام خنفر بتفتيش أنس والتأكيد للجنود أنه لا يحمل حزاما ناسفا  .

وتقول فداء أن جنود الاحتلال اعتقلوها ، وقاموا بتخريب المنزل وأثاثه بشكل كامل ، ثم احتجزوا أنس ونقلوه إلى مستشفى تل هشومير ، بعد أن نزف كمية كبيرة من الدماء والتي شوهدت على الجدار والدرج  المكون من 90 درجة ، وتقول أن جنود الاحتلال قاموا بالتحقيق معها ميدانيا" ثم أخلوا سبيلها في الساعة العاشرة ، وبعد ذلك حضر إليها الضابط المسئول عن العملية ، وسألها عدة أسئلة ، وعرفت منه أن أنس في غيبوبة تامة ، وقالت بأن الضابط استفزها عندما قال لها أن أنس سوف يموت ، فردت عليه عند الله أفضل من معيتكم ، وأخبرها الضابط أن أنس يعالج في مستشفى صهيوني ، وقال هذا ما ينقص دولة إسرائيل أن تعالج مخربين على حد قوله .

وبعد أن أمضى أنس 15 يوما" في مستشفى تل هشومير ، تم نقله إلى مستشفى الرملة حيث ظروف اعتقالية سيئة وصعبة وعدم وجود علاج كاف ، وقد تم نقله للمستشفى المذكور أملا" في شفائه من أجل الحصول على بعض المعلومات .

وفي تقرير نهائي عن حالة أنس قال والده أنه الآن مصاب بشكل نصفي طولي وفقدان ذاكرة بنسبة 95 % ، ولا يستطيع النطق كما أنه لا يستطيع أن يتذكر أي شيء حدث معه ، ويقول والده أن سلطات الاحتلال أفرجت عنه لأنه لا أمل في تحسن ذاكرته ، وإنما يمكن أن يتحسن جسميا" .

وتقول زوجته إنها وصلت إلى مرحلة اللاشعورعندما هاجم جنود الاحتلال المنزل وأنها في قمة الحدث أحبت أن يستشهد أفضل من العذاب والاعتقال ، إلا أنها سعيدة و فخورة به ولا تصدق نفسها أن أنس عاد إليها حيا" يبتسم لها ببراءة ولطف وكأنه لم راها إلا تلك اللحظة بالرغم من مرحلة  الجراحات العميقة والألم والخوف التي تصاحب حالة انس .

ويقول والده أن الصور الطبقية التي أخذت لأنس أثبتت أنه يعاني من وجود رصاصة وشظية في الرأس لم يستطيع الأطباء إخراجها، وبقيت مغلفة في الرأس .

وقال أبو أسامة ان  نقصا" حادا" طرأ على وزنه حيث كان وزنه لحظة إصابته 86 كيلو ، وصل الآن 68 ، وحالته الصحية في تراجع كبير ، وقد قامت مستشفى الرملة بوصف ثلاث أنواع من الدواء لا تتوفر في الصيدليات المحلية مما يؤثر سلبيا" على علاجه .

ووجه شريتح شكره البالغ إلى مؤسسة أطباء بلا حدود من أجل حقوق الإنسان ، ووجه شكره الخاص إلى أحلام حداد ولنا وميخالي في المؤسسة المذكورة ، بالإضافة إلى الأخ صلاح حاج يحيى لما بذلوه من جهود جبارة في الضغط على الحكومة الصهيونية للإفراج عن أنس ، وفي نهاية حديثه ، وجه شكر خاص إلى السيد مصطفى البرغوثي وكافة العاملين في الإغاثة الطبية على جهودهم الخيرة لإنقاذ أنس من براثن الأسر .

‏الاثنين‏، 21‏ تموز‏، 2003