الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

أصوات يهودية، وغير يهودية، طالعة من جحيم جنين وعذابات مخيّمها

الكاتب: جورج طرابيشي

المصدر: صحيفة الحياة اللندنية: 15/12/2002

- هذا كتاب متعدد الأصوات.

صوت المحررتين الزميلتين نهله الشهال وهالة قضماني.

صوت مقدم الكتاب دانييل بنسعيد، وهو من أبرز المثقفين النقديين العاملين في الساحة الفرنسية.

صوت داعية السلام الإسرائيلي يوري أفنيري.

صوت أو بالأحرى أصوات شهود العيان الذين عاشوا، في الجانب الفلسطيني، وقائع (جريمة الدولة) التي ارتكبتها"إسرائيل" بحق مدينة جنين وسكان مخيمها في نيسان (أبريل) 2002.

صوت واحد من الجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في تنفيذ هذه الجريمة.

وأخيراً أصوات العديد من المراقبين الدوليين ومن مبعوثي المنظمات العالمية لحقوق الإنسان الذين عاشوا الجريمة بعد وقوعها وحاولوا أن ينقلوا عنها صورة مكتوبة قبل أن تمّحي البقية الباقية من آثارها تحت أنقاض المخيم كما الذاكرات.

أول ما يستوقف الأذن في جوقة الأصوات صوت (دانييل بنسعيد) الغاضب الذي كتب، من خلال مقدمة في أربع صفحات، بيان اتهام يكاد يكون الأقسى في نوعه ضد المسؤولين الإسرائيليين عن جريمة نيسان في جنين.

بنسعيد، المحصّن بحكم أصوله بالذات ضد الابتزاز بتهمة اللاسامية، لا يتردد في أن يسمي الجريمة من حيث أنها جريمة دولة، ومن حيث أنها حلقة في سلسلة جرائم الدولة التي اقترفتها "إسرائيل" في دير ياسين وطنطورة وصبرا وشاتيلا وغيرها من محطات درب آلام الفلسطينيين.

جريمة ما هي بفلتة ولا بهفوة من هفوات التاريخ. جريمة لها ما قبل ولها ما بعد. وحتى لو بدت وكأنها ضرب من جنون التاريخ، فإن للجنون، لا سيما عندما يكون تاريخياً، منطقه. ومنطق الآمر بتلك الجريمة - أي شارون وأقرانه من جنرالات الجيش الإسرائيلي -لا يخفي نفسه: انه المسؤول دون الفلسطينيين ودون حقهم الديموقراطي- الذي أقرت لهم به قرارات الأمم المتحدة التي بقيت حبراً على ورق - في أن يكون لهم وطن ودولة ذات سيادة. واستراتيجيتهم أيضاً لا تخفي نفسها: فهم يريدون، تحت مظلة 11 أيلول (سبتمبر)، أن يذيبوا الحقوق القومية المشروعة للشعب الفلسطيني في المياه العكرة لحرب ديانات وصدام حضارات. وهم يفضلون، ألف مرة، أن يواجهوا منظمات أصولية متطرفة دينياً على أن يواجهوا سلطة فلسطينية علمانية وتعددية. ومثلهم مثل الرئيس بوش، فإنهم يريدون لحربهم الاستيلائية ضد الفلسطينيين وأرضهم أن تكون جزءاً من تلك الحملة الصليبية الإمبريالية التي كان رئيس الولايات المتحدة قد أعلن عن ضرورة شنها ضد محور الشر غداة اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر).

ومن هنا فإن المهمة الأكثر إلحاحاً في هذه الحقبة التي يكرسها تحالف بوش - شارون هي رفض نزع الصفة السياسية عن النزاع ورفض تحويله إلى محض صراع ديني واثني. فالمطلوب تفكيك ردود الفعل الطائفية والقبلية، وإعادة نسج التضامنات والصداقات في ما وراء الحدود، وتحطيم نطاق العزلة المضروب على الفلسطينيين من خلال العمل المشترك الذي يؤديه، كل من جانبه وبالوسائل المتاحة له، الاحتياطيون الإسرائيليون الذين يرفضون الخدمة في الأراضي المحتلة، والمؤرخون الجدد الذين يعيدون بناء الحقيقة الموضوعية لعمليات التهجير والنزوح القسري التي رافقت قيام دولة "إسرائيل" عام 1948، والأصوات المعارضة التي تنكر على الحكومة الإسرائيلية الحق في تجنيد أحفاد ضحايا المحارق اليهودية المتعاقبة في التاريخ لخدمة سياستها القمعية التوسعية، والمناضلون في البعثات المدنية ومنظمات حقوق الإنسان الذين يصرون على أداء دورهم الأخلاقي كشهود على جريمة الدولة قبل أن تندثر آثارها. وبعبارة لا تخلو من إنشائية ومن ثورة وجدانية معاً يختم (دانييل بنسعيد) مقدمته بالقول: (ألا فلتشلّ يُمنانا وليلتصق لساننا بحلقنا إذا نسينا جنين).

(يوري أفنيري)، الذي تستعيد ناشرتا (نيسان في جنين) نصاً كان نشره في صحيفتي (معاريف) الإسرائيلية و(الغارديان) البريطانية في 15 - 16 نيسان 2002، لا يكتفي بالتنديد بجريمة الدولة التي اقترفت في جنين، بل يصر على استحضار عاقبتها السياسية. وفي رأيه أن جريمة جنين أتت عكس المفعول الذي توخاه منها مقترفوها، أي شارون وأقرانه من جنرالات الجيش الإسرائيلي. ففي 1897، وغداة انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية، كتب ثيودور هرتزل في يومياته: (لقد أسست، في بال، دولة اليهود). وهنا يضيف يوري أفنيري قائلاً: (في هذا الأسبوع يستطيع أرييل شارون أن يكتب في يومياته: (لقد أسست، في جنين، دولة الفلسطينيين).

وبديهي أن ذلك لم يكن مقصده. فالنية التي عقد عليها العزم هي تدمير الأمة الفلسطينية، مع مؤسساتها وقيادتها، مرة واحدة والى الأبد، بحيث لا يبقى منها سوى أنقاض وحطامات بشرية يمكن التخلص منها لاحقاً في أي مكان. ولكن النتيجة جاءت في الواقع العملي مغايرة للغاية المتوخاة. فالأمة الفلسطينية - وأفنيري يصر على هذا التعبير - بدلاً من أن تخضع وتحني ظهرها وهي تواجه الآلة العسكرية لجيش هو الأقوى في المنطقة والأحدث تجهيزاً في العالم، عادت تنتصب وترفع هامتها بأقوى من أي وقت مضى على رغم غرقها في بحر من الآلام والدماء والجثث. وكان ضابط إسرائيلي شبّه المقاومة التي قوبلت بها دبابات الجيش الإسرائيلي ومدرعاته في مخيم اللاجئين الصغير في جنين من قبل مجموعة محدودة من المقاومين الفلسطينيين بأنها (مسعدة فلسطينية)، ومسعدة هي اسم ذلك الحصن الصغير القريب من البحر الميت الذي انحفر في الذاكرة العبرية بوصفه آخر معقل للمقاومة اليهودية البطولية في مواجهة الزحف الروماني الساحق في الثلث الأخير من القرن الأول للميلاد.

وأفنيري، الذي كان يكتب في حينه (على الحامي)، لا يتردد في أن يتنبأ بأن معركة جنين لن تحتل مكانها في الذاكرة الفلسطينية بوصفها مجزرة (صبرا وشاتيلا ثانية)، بل بوصفها معركة بطولية خالدة، مسعدة أو حتى ستالينغراد ثانية. والحال أن المعارك البطولية، والأساطير التي تنسج من حولها، هي التي تصنع الأمم في تقدير أفنيري. ذلك كان شأن"إسرائيل" مع مسعدة، وكذلك سيكون شأن الفلسطينيين مع جنين التي لا مناص من أن تتحول إلى ملحمة تصنع الوجدان القومي للأمة الفلسطينية الجديدة.

إن (الروبوت) العسكري الإسرائيلي، الذي يتعقل كل شيء بمفردات النار والخسائر البشرية، لا يستطيع أن يفهم الكيفية التي تشتغل بها هذه الطاقة الأسطورية. ولكن عبقرياً عسكرياً مثل نابليون كان سبق له أن قال إن الاعتبارات المعنوية هي التي تقرر ثلاثة أرباع مصائر الحرب، في حين لا يقرر ميزان القوى العسكري سوى ربعها الأخير.

ولا يغير شيئاً في هذه المعادلة الحديث - الذي بات سهلاً بعد 11 أيلول - عن الإرهاب. فالهدف المعلن للحرب التي شنها شارون هو (تدمير البنية التحتية الإرهابية). والحال أن هذه البنية التحتية موجودة، لا في مباني مخيم جنين، بل في قلوب الملايين من الفلسطينيين وعشرت الملايين من العرب الذين تتفجر قلوبهم سخطاً.

وكلما سقط المزيد من القتلى في صفوف المقاومين والانتحاريين، تزايد أكثر فأكثر عدد المقاومين والانتحاريين المستعدين للحلول محلهم. فعندما يسقط، في أعقاب كل دبابة إسرائيلية تمر، عشرات من الجرحى في الطرقات، وتبقى تنزف دماؤهم ببطء حتى الموت لأن رشاشات هذه الدبابة تطلق نيرانها على كل سيارة إسعاف تجازف بالاقتراب، فإن من شأن ذلك أن يخلق حقداً رهيباً.

وعندما يدفن جنود (تساحال) سراً عشرات من جثث الرجال والنساء والأطفال في مقابر جماعية، فإن من شأن ذلك أن يخلق حقداً رهيباً.

وعندما تهدم الدبابات البيوت، وتقوض الأعمدة الكهربائية، وتكسر أنابيب المياه، وتقلع الأشجار، وتخلّف وراءها آلاف الأشخاص بلا مأوى، وترغم الأطفال على الشرب من رومات الشوارع، فإن من شأن ذلك أن يخلق حقداً رهيباً. والطفل الفلسطيني الذي يعاين ذلك بأم عينيه سيغدو انتحاري الغد.

ولهذا فإن شارون وقائد أركانه هما - وليس أحد سواهما - اللذان يخلقان البنية التحتية للإرهاب. وهما اللذان يخلقان أيضاً أسس أمة فلسطينية وأسس دولة فلسطينية. وعلى رغم الثمن الغالي الذي يدفعه الفلسطينيون، فإنهم يدركون أن مقاوميهم في جنين - وغير جنين - هم الأبطال الكبار، لا الجنود الإسرائيليون المحتمون داخل مدرعاتهم. وهذا الشعور بالبطولة هو ما يخلق الأمم وكبرياء الأمم.

ولهذا - يختم أفنيري - فإن مغامرة شارون الجديدة، مثلها مثل مغامراته القديمة، لن تعود بأي خير على "إسرائيل" وأمنها. فبعد جنين ستتزايد في الداخل عمليات الانتحاريين، وستتعاظم في الخارج عزلة "إسرائيل".

وقبل أن نختم بدورنا، ثمة شهادة أخيرة نتوقف عندها هي (الشهادة على العكس) التي يقدمها الجندي الإسرائيلي (موشي نسيم)، الملقب بـ(الدب الكردي). فهذا الجندي الاحتياط، البالغ من العمر 40 سنة، أوكلت إليه مهمة قيادة أحد البولدوزرات العملاقة لفتح (شريان) داخل المخيم. خمس وسبعون ساعة قضاها فوق البولدوزر، وهو يهدم ويجرف ويقتلع ويردم، من دون أن يكون معه من زوادة أخرى سوى الويسكي، ومن دون أن يعرف قلبه لا الخوف ولا الشفقة، ومن دون أن يحصي عدد المنازل التي هدمها، فإن الأسف الوحيد الذي يبديه هو أنه لم يتمكن من هدم جميع مساكن المخيم وردمها على من فيها من ساكنيها. مرة واحدة فقط ساورت قلبه الرحمة، لا على من ماتوا من رجال ونساء وأطفال تحت أنقاض منازلهم، بل على عش عصافير اضطر إلى هدمه وهو يشق ممراً. وبالحرف الواحد قال:

(إنني متأكد أن هناك أحياء قد دفنوا تحت الأنقاض. ولقد كان قلبي يمتلئ بهجة مع كل منزل يتقوّض، لأنني كنت أعلم أنهم لا يهابون الموت، لكنهم يحزنون حتى الموت لهدم منازلهم. فعندما نهدم منزلاً فكأننا دفنا أربعين أو خمسين منهم من الأجيال القادمة. بلى، لست آسفاً على شيء، سوى على أنني لم أدكّ المخيم عن بكرة أبيه).