|
السلام المؤلم كما تراه الصهيونية النازية
وليد أبو بكر
صحيفة
الوطن القطرية 29/6/2003
تتصل إلى
أسماع القيادة الفلسطينية كل الوقت تحذيرات من قدرة شارون على
الخداع، من أجل أن يحقق الأهداف التي رسمها منذ بداية عمله العسكري
والسياسي من بعده، وهي أهداف لا تتغير رغم محاولته الخروج إلى العالم
بصيغة شارون جديد، يريد السلام ويعمل من أجله، وهو مستعد للإقدام على
تنازلات مؤلمة حتى يصل إليه.
التحذيرات،
وغالبها إسرائيلي، من جهات تؤمن بالسلام الحقيقي، لا بالخداع الذي
يحقق أهدافاً توصل إلى مزيد من الانهيار، وإلى مزيد من استمرار
الصراع، بكل ما يسفك من دماء، وما يخلف من ضحايا، تشير إلى أن شارون
لم يتغير، وإلى أنه يهمس في أذن اليمين الذي يؤيده، حين يبدي بعض
الغضب تجاه تصريحاته أو اتجاه إخلاء مواقع استيطانية خالية، بأن عليه
أن ينتظر نتائج ما يفعل، لا ما تنطق به شفتاه.
شارون، كما
يعرفه الجميع، هو صاحب فكرة احتلال التلال، حتى لا تعود هناك إمكانية
لتقسيم أرض "إسرائيل"، وحين يطالب أميركا الآن، ولو من باب ذر الرماد
في العيون العربية، بأن يخلي بعض هذه التلال، فإنه يتظاهر بأنه يفعل،
ويرسل إلى العالم صوراً لجنود يتعاركون مع المستوطنين في المواقع
التي لا يوجد فيها مستوطنون أصلاً، وبذلك يبدو أمام العالم، ويقول
أيضاً إنه قام بواجبه، وأن على الفلسطينيين أن يقوموا بواجبهم في
المقابل، والواجب المطلوب من الفلسطينيين شارونياً هو أن يساعدوه في
عمليات القتل التي لا يتوقف عنها، سواء كانت مخططة ومعلنة، أو كانت
نتيجة خطأ في العمل، يقع (بالصدفة مثلاً) في صدور مجموعة من كتائب
شهداء الأقصى، أو أن يقوموا بعمليات القتل نيابة عنه، وخلال ذلك أن
يجردوا المقاومة الفلسطينية بكامل وجودها مما يمكن أن يمنحها حقاً
بسيطاً في الدفاع عن النفس، ضد هجمات شارون التي لا تتوقف، والتي
يعلن بالكلام الصريح والفعل المستمر الصريح أنها لن تتوقف، ربما حتى
آخر قطرة من الدم الفلسطيني المباح، لأن هذا الدم سيظل يقاوم حتى آخر
قطرة، ولن يحقق لشارون حلمه في تحويل القتال إلى صراع بين القوى
الفلسطينية، كما يحاول أن يفعل منذ سنوات، وكما يحاول أن يركز فعله
منذ أصبح على قمة الحكم اليميني المتطرف في "إسرائيل".
شارون، كما
تقول الأصوات التي تهمس في الأذن الفلسطينية، أو تكتب ذلك علناً، لم
يفكر بإخلاء متسوطنة، واحدة، مهما كانت معزولة، لأنه لم يغير فكرته
التي تقول إن من حق كل إسرائيلي أن يكون حيث يريد، في أرض "إسرائيل"،
وهي الفكرة التي قادته لزيارة المسجد الأقصى وكانت الشرارة التي
أشعلت نار الانتفاضة منذ ما يقترب من الأعوام الثلاثة، حتى وإن قيل
إن الأرض الفلسطينية كانت ناضجة لمثل هذه الانتفاضة، بسبب الممارسات
الإسرائيلية التي تعوق أي تقدم في العملية السلمية، ولا تتيح
للفلسطيني أن ينظر إلى مستقبل سياسي ديمقراطي يتطلع إليه، خالياً من
كل فردية ومن كل فساد.
شارون عندما
قرر إخلاء بعض المواقع الاستيطانية «غير الشرعية» لم يفكر بأن ينقل
مستوطنة معروفة، ولكنه اختار أماكن ينظر إليها المستوطنون كنوع من
اللعب مع الأحداث، أو التلاعب بها، حتى يبتعد التفكير عن الاستيطان
الحقيقي إلى ما يمكن أن يسمى «لعب أطفال»، ومع ذلك فإن الذين نقلوا
من موقع استيطاني وحيد، لم تتم إعادتهم إلى داخل الخط الأخضر، كبادرة
تشير إلى الوضع غير الشرعي للاستيطان، حسب كل قرارات الأمم المتحدة،
وحسب خريطة الطريق التي يزعم شارون أنه يقبل بها، وإنما نقلهم إلى
مستوطنة يصر على الاحتفاظ بها، ويصر على ضمها إلى الأرض الإسرائيلية،
رغم أنها تقع في عمق الأرض الفلسطينية «المختلف عليها»، كما اختار أن
يسمي الأراضي الفلسطينية التي تحتلها "إسرائيل" منذ عام 1967.
هذا الاختيار
يعني تماماً أن فكرة الضم ثابتة في ذهن شارون، وفي تخطيطه لكل خطوة
يقدم عليها، وهي فكرة يتم تنفيذها يوما بعد يوم، من خلال ضم الأراضي
وطرد الفلسطينيين الذين يعيشون فوقها، ومن خلال توسيع الحدود بحيث
تدخل الكثير من الأراضي الفلسطينية داخل السور الذي يبنيه، والذي
تفترض الشرعية أن يكون عند حدود الخط الأخضر لا يتجاوزها، إذا كان لا
بد منه وإذا كانت هناك جدوى من بنائه، تفوق جدوى بناء الأسوار
والجدران العالية في حماية الدول، عبر التاريخ كله.
شارون، كما
يقول العارفون بالأمور في "إسرائيل" وخارجها وضع في ذهنه حجم التوسع
الذي يعمل على ضمه إلى "إسرائيل" من الضفة الغربية وهو يساوي نصف
الضفة الغربية تماماً، أو النصف الأفضل منها، لأن كل ما سيقوم بضمه
هو الجزء الأكثر خصباً، المجاور للخط الأخضر، وهو إلى جانب ذلك، ما
يجاور التجمعات الاستيطانية، التي اختارت أجمل الأماكن وأكثرها خصباً
أيضاً، وهو في سبيل تحقيق ما يريد، يقوم بتعطيل أية خطوة جادة في
سبيل تنفيذ خريطة الطريق، بحجج جاهزة تبدأ من ضرورة قيام حرب أهلية
بين الفلسطينيين باسم مكافحة الإرهاب، ولا تنتهي عند ضرورة وقف
التحريض الذي يعود إليه اليمين الإسرائيلي واليسار حين يكون في الحكم
مرة بعد أخرى، باعتباره المطلب الذي لا يمكن إنجازه لأنه يكاد يتدخل
في ما أنزله رب العالمين في كتابه العزيز.
هذه الحجج
كما يقول العارفون بالأمور، من الإسرائيليين وغيرهم، مقبولة حتى الآن
من قبل الإدارة الأميركية ومن قبل كل المؤثرين في رسم السياسة
الأميركية في المنطقة، من المحافظين الجدد الذين يحتلون البيت الأبيض
الآن، إلى المسيحية التي تقف إلى جوارهم تماماً، إلى الآيباك،
المنظمة اليهودية الأكثر تأثيراً في السياسة الأميركية، والأكثر سطوة
على السياسيين التي تراقب سلوكهم عن بعد، وتحكم على مستقبلهم
السياسي، وربما الاقتصادي والاجتماعي، باسم الصهيونية و"إسرائيل".
وهذه الحجج
كما يقول العارفون ببواطن العلاقات الأميركية الإسرائيلية، ستكون
مقبولة بالقوة، مع مطلع السنة الانتخابية القادمة في الولايات
المتحدة، لأن عودة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى البيت الأبيض، تحتاج
إلى دعم المال اليهودي، والصوت اليهودي، بعد فضائح الكذب التي
ارتكبها من أجل أن يبرر غزوه غير الشرعي للعراق، وربما بعد الحجم
الكبير من التورط الذي سيكون فيه داخل العراق تحديداً، عندما يحل ذلك
الموعد.
شارون ليس
خائفاً من خريطة الطريق، ولا من الرئيس الأميركي ذاته، لأنه لا
يستطيع أن يتصوره جاداً في هذا المجال، حتى وإن كان يرغب في إرضاء
العرب المقربين من أميركا، الذين فاض الكيل بشعوبهم بسبب صمت الأنظمة
التي تحكمها على كل جرائم الحرب التي يرتكبها شارون، لأن ما يحكم
جديته بالفعل لن يكون عمل الخير لصالح أنظمة لا تقدم في موضوع
مستقبله ولا تؤخر، وهو يستطيع أن ينفخ عليها لتطير، وإنما رغبته في
العودة إلى البيت الأبيض، منتخباً بوضوح هذه المرة، لا متهما بسرقة
النتائج، أو سرقة المنصب الرئاسي ذاته.
شارون يعتبر
ما حدث من غزو للعراق نصراً شخصياً له، وهو ينظر إلى نفسه الآن كحارس
حقيقي على المصالح الأميركية، رغم أنف أصحابها ولا يتردد في الحديث
عن التشابه أو الشراكة أو وحدة الآراء، مع سيدة العالم في هذا الزمن،
باعتباره نداً لها، وليس هناك منطق في أن يدفع الشريك ثمن النصر الذي
تحقق، والذي لا يعد نصراً حقيقياً على أي مستوى في العالم، حتى بين
الذين افتعلوا الحرب واقدموا عليها، إلا فيما يتعلق بإسرائيل التي
تخلصت من تهديد حقيقي كان يقع إلى جوارها، وسبق لها أن ذاقت مراراته.
شارون سوف
يرفض أن يدفع أي ثمن للحرب على العراق، حتى وإن اضطر إلى تحدي
الإدارة الأميركية التي يقول العارفون بالأمور أنها في هذا الموضوع،
وكما يعرف شارون جيداً، لا تستحق أن تدارى، لأنها لا تستطيع أن تفعل
شيئاً ضد رغبته، ليس لأنها لا تستطيع بالفعل، وإنما لأن ذلك لا يؤثر
في موقعها في المنطقة، كما تعتقد، وإن كان يؤثر في مستقبلها، كما
تعتقد أيضاً،
سياسة شارون
واضحة في ذهنه، وواضحة لدى الإدارة الأميركية التي تفشل في أن تجعله
يتزحزح عنها قيد أنملة، وهي تراه ينفذها حرفياً كل يوم، بالقتل الذي
لا يتوقف، ولا يدان أيضاً، وبضم الأراضي الذي لا يهدأ، ولا يدان
أيضاً أو يوضع له حد، والذي سيستمر، حسب خطة شارون، حتى يتم
الاستيلاء على ما يرى أنه يجب الاستيلاء عليه، من أجل وضع الحدود شبه
الدائمة لإسرائيل، ربما في انتظار فرصة أخرى لتوسيع هذه الحدود، كما
يجري في العادة.
شارون ليس
لديه أي مانع في أن يطلق اسم فلسطين على ما تبقى من الضفة الغربية،
بعد خصم المستوطنات والتوسعات الخاصة بالجدار الأمني والطرق
الالتفافية، وبعد إحاطة كل تجمع فلسطيني بسور لا يختلف عن السور الذي
يحيط بقطاع غزة، والذي يحول كل بقعة على ما يتبقى من الضفة الغربية
إلى سجن كبير، أو إلى معسكر اعتقال، لا يختلف كثيراً عما يزعم اليهود
أنهم تعرضوا له دون غيرهم من الشعوب، على يد النازية.
فلسطين شارون
التي يتحدث عنها باعتبارها الدولة التي يقبل وجودها إلى جانب
"إسرائيل"، ليست أرضاً متصلة ولا هي تصلح أن تكون دولة، ولا هي مؤهلة
كي يعيش داخلها البشر، وربما كان الهدف من اعترافه بمثل هذه الدولة
هو أن تكون مصيدة لسكانها من الفلسطينيين بحيث لا يفكرون بتحرير
أرضهم بعد ذلك، بقدر ما يفكرون بالهروب منها، وإخلائها لشارون وحلم
أرض "إسرائيل" الكاملة.
سلوك شارون
الذي ينسجم مع طبيعته التي لا تتغير، هو الذي يطلق عليه الآن، حتى
بين اليهود أنفسهم، اسم النازية الصهيونية، وهي التي تحكم "إسرائيل"
الآن، وتحظى بالقبول من كل القوى التي تمتلك الأسهم في صنع القرار
الأميركي الذي يفرض على العالم بالقوة.
ما يواجهه
المواطن الفلسطيني، والمفاوض الفلسطيني، في تعامله مع حكومة شارون،
هو ليس الاحتلال وحده، ولكنه يتعلق بفكرة الاقتلاع، التي لم تغادر
ذهن شارون، ولا هي غادرت سلوكه.
|