الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

 

الدولة اليهودية والعنصرية

د. عبد الوهاب المسيري

مفكر - مؤلف الموسوعة الصهيونية

صحيفة الاتحاد الإماراتية 14/6/2003

في خطابه أثناء قمة العقبة، أعاد شارون التأكيد على ما يمكن تسميته مبادئ الإجماع الصهيوني، وهي ثوابت الفكر الصهيوني النابعة من الشعار القديم أرض بلا شعب لشعبٍ بلا أرض، وهو شعار يترجم نفسه إلى عدة بنودٍ، من أهمها أن فلسطين هي إرتس يسرائيل، وأن اليهود يشكلون شعباً واحداً يرتبط ارتباطاً جوهرياً وأزلياً بهذه الأرض، وأن الفلسطينيين لا وجود لهم، وإن كان ثمة وجود فهو عرضي هامشي بالمقارنة بالوجود الصهيوني الدائم.

فقد استهل شارون خطابه بأنه يتحدث بصفته رئيس وزراء "إسرائيل"، ثم حدد معنى هذه العبارة بدقة بالغة قائلاً: إن "إسرائيل" هي الأرض التي كانت مهداً للشعب اليهودي، وهي عبارة تشبه عبارة مماثلة وردت في وثيقة ما يُسمى إعلان استقلال "إسرائيل"، حيث شددت هذه الوثيقة على أن السلطة والسيادة في "إسرائيل" هي للشعب اليهودي: إن هذا الحق هو الحق الطبيعي للشعب اليهودي لكي يكون سيد مصيره، شأنه شأن كل الأمم، في سيادة دولهم. وتواترت في الإعلان عبارات تؤكد هذه الفكرة كمقولات الشعب اليهودي.. في بلاده الخاصة به، الشعب اليهودي يبني وطنه القومي، الدولة اليهودية، حق الشعب اليهودي في تأسيس دولته، شعب يهودي سيِّد.

وإذا كان هذا هو الحال، فكيف ينظر هذا الإعلان إلى العرب، الذين يشكلون حالياً نحو 20 في المئة من السكان داخل الدولة الصهيونية (دون حساب سكان الضفة الغربية وقطاع غزة)؟ يقول الإعلان إن للعرب حق المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية، بحيث يتمتعون بجنسية كاملة ومتساوية وتمثيل عادل في كل مؤسسات "إسرائيل" الدائمة والمؤقتة. إلا أن ديباجة قانون العودة الإسرائيلي الذي أقر في عام 1950 تنص على أنه: يحق لكل يهودي الهجرة إلى البلاد، بينما تتمثل أهم مظالم الفلسطينيين في حرمانهم من الحق نفسه، فهم لا يستطيعون العودة إلى منازلهم في الأراضي التي أُقيمت عليها دولة "إسرائيل" والتي عاشوا فيها لأجيال عديدة. بل ويُحرم من هذا الحق حتى العرب الذين لم يغادروا هذه الأراضي قط، ولكنهم مكثوا أياماً قليلة عند أقاربهم في القرى المجاورة بانتظار انتهاء الحرب في عام 1948، فهؤلاء يُصنفون حالياً في "إسرائيل" باعتبارهم غائبين حاضرين، وهو وضع سيبقون فيه إلى الأبد، ونتيجةً لذلك تظل بيوتهم وأملاكهم في حيازة حارس أملاك الغائبين الذي يضع هذه الأملاك تحت تصرف اليهود.

وتتمتع المؤسسات الخاصة التي تخدم المصالح اليهودية حصراً بسلطة شبه حكومية في "إسرائيل"، وأبرز الأمثلة على ذلك هي الوكالة اليهودية والتي تطلق على نفسها وكالة المصالح اليهودية في أرض "إسرائيل"، ويُعرّف دورها باعتبارها منظمة خيرية تطوعية ومسؤولة عن الهجرة والتوطين والتنمية، وعن تنسيق وحدة الشعب اليهودي. ويصف مركز القدس للشؤون العامة الوكالة اليهودية بأنّها مؤسـسة تطوعيّة شبه عامّة (رسمية)، وتشارك الحكومة في صلاحيات ووظائف متداخلة غالباً.

وتشير تقديرات بعثة الأمم المتحدة للهدنة إلى أن حوالي 80 في المئة من الأرض التي أصبحت جزءاً من الدولة الصهيونية كانت في الأصل أملاكاً للفلسطينيين وصادرتها منظمات يهودية كالوكالة اليهودية. وهكذا، فقد يكون الفلسطينيون مواطنين في "إسرائيل"، لكنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وهذا هو المعنى الدقيق لأن يكون المرء غير يهودي ويعيش في دولة تسمي نفسها يهودية. وهناك منحى آخر في "إسرائيل" يجعلها دولة فصل عنصري، وهو أنها تسعى للفصل بين العرب واليهود على المستوى الشخصي (الاجتماعي). فعلى سبيل المثال، لا يستطيع اليهود والعرب الزواج من بعضهم بعضاً بشكلٍ قانوني في "إسرائيل"، ولو تم ذلك الزواج خارج البلاد فإن القانون الإسرائيلي لا يعترف به.

وهذا الوضع يجعل من العسير على المرء أن يقف إما في صف الدولة اليهودية أو في صف المساواة التامة بين اليهود وغير اليهود داخل "إسرائيل"، ولكن من المفارقات أن يوظف القادة الصهاينة هذا المنطق كسلاحٍ ضد أولئك الذين يريدون المساواة والديمقراطية في "إسرائيل"، يهوداً كانوا أو غير ذلك. فإذا قلت إنك تريد أن تكون "إسرائيل" دولة ديمقراطية حقيقية حيث تتساوى حقوق اليهود وغير اليهود، فسيتهمك الصهاينة بأنك تريد إزالة دولة "إسرائيل"، لأن "إسرائيل" دولة يهودية وليست دولة كل من يعيش فيها من السكان. وقد جعل الصهاينة من دعم مبدأ وجود "إسرائيل" كـ(دولة يهودية) اختباراً نهائياً، بحيث يُصنف من يخفق فيه إما كمعاد للسامية أو كيهودي كاره لذاته. وهذا يضع كل شخص يؤمن بالمفهوم العالمي للمساواة في خندق الدفاع، ويخنق التعبير الحر عن وجهات النظر الداعية إلى التضامن والمساواة بين العرب واليهود.

وهكذا، تضع "إسرائيل" نفسها في وضعٍ يختلف عن كل الدول القائمة اليوم. فإذا كنت فرنسياً أو أميركياً أو صينياً أو نيجيرياً وقلت إنك تريد لأمتك أن تكون وحدةً واحدة حيث الجميع سواسية أمام القانون وأن الأمة مجتمعة تمثل أعلى سـلطة على أرضها، فلن يتهمك أحد بأنك تريد إزالة فرنسا أو الولايات المتحدة أو الصين، ولن تبرر أي من هذه الدول وجودها بأنه يستند إلى رضا كل سكانها. أما من يطرحون مطالب مماثلة فيما يتعلق بإسرائيل فيجدون أنفسهم متهمين بإنكار حق "إسرائيل" في الوجود.

إن الحديث عن حق الدولة اليهودية في الوجود لا يتطابق مع القيم العالمية الراسخة في المساواة والديمقراطية. ولا تختلف "إسرائيل" في هذا الصدد عن جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري. فقد كانت السلطات العنصرية في جنوب إفريقيا تتهم دعاة المساواة بين البيض والسود بأنهم يسعون إلى إزالة الدولة نفسها، وهو ما تفعله "إسرائيل" والدوائر الصهيونية والجهات الموالية لها في الغرب حالياً، حيث تتهم دعاة المساواة بين العرب واليهود بأنهم يريدون إزالة دولة "إسرائيل". وهذا التشابه في الأساليب والمنطلقات يدفع المرء إلى القول إن مصير الدولة الصهيونية العنصرية، باعتبارها جيباً استيطانياً إحلالياً، لن يختلف في نهاية المطاف عما آلت إليه الدولة العنصرية في جنوب إفريقيا.