"إسرائيل" دولة لليهود
حسن أبو طالب- كاتب مصري
صحيفة
الوطن السعودية 9/6/203
لو أن أحداً
من الزعماء العرب أو المسلمين طالب العالم بأن يعاملوا بلده كبلد
يقتصر على مسلمين فقط، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولنظر الغرب إلى تلك
الدعوة باعتبارها دليلاً على عنصرية عربية وإسلامية، وعلى أن هذا
القائد يعود إلى الوراء ويعيد تقاليد العصور الوسطى، وغير ذلك من
الأوصاف التي باتت من "كليشيهات" الاتهام وتشويه الصورة العربية
والإسلامية. لكن الوضع يختلف تماماً إذا ما جاءت الدعوة من زعيم
عنصري أصلا مثل شارون، فالكل صامت، ولم نلحظ أي رد فعل من أي نوع.
الدعوة
المعنية هنا تتعلق بتلك التصريحات والمحاولات التي سبقت قمة العقبة،
حيث ضغط الإسرائيليون على رئيس الحكومة الفلسطينية محمود عباس من أجل
أن يقبل أو يؤيد مقولة أن "إسرائيل دولة يهودية"، وليست كما هي الحال
الآن، دولة غالبيتها يهود بحكم الهجرة والغزو والاحتلال والاستيطان
بغير حق أو شرعية من أي نوع، وإلى جانبها قلة قومية فلسطينية.
ولعل الصمت
الدولي، الغربي تحديداً، نظر إلى الأمر من زاوية أنها مجرد ضغوط على
الفلسطينيين للحصول منهم على أكبر قدر ممكن من التنازلات مقابل وعود
غامضة بتطبيق بعض الالتزامات الواردة في خطة خريطة الطريق. لكن الأمر
الثابت أن هذا المسعى الليكودي لم يكن ينظر إلى مجرد تنازل فلسطيني،
أو لمجرد تعطيل أحد البنود الواردة في الخطة، أو استباق لاستحقاق
يفترض أنه مقبل في المرحلة الأخيرة، ويتعلق بالمفاوضات حول حق العودة
الفلسطيني، التي يعلن الإسرائيليون رفضهم له جملة وتفصيلاً.
إن كون
"إسرائيل" دولة يهودية يعني أن الأمر يتجاوز كثيراً مجرد حق العودة
بالنسبة للفلسطينيين الذين هُجِّروا غصباً منذ عام 1948م إلى بلاد
العالم المختلفة، إنه يعني أيضاً هؤلاء الفلسطينيين أصحاب الأرض
الأصليين الذين تمسكوا بأرضهم منذ النكبة حتى الآن، ويُعرَفون بأنهم
عرب "إسرائيل". فكون "إسرائيل" دولة تقتصر على أصحاب ديانة بعينها،
فهذا يعنى ضِمنا إمكانية التخلص ممن لا يدينون بهذا الدين، ويصبح
لإسرائيل " الحق" - كما يأملون - في طرد هؤلاء من أراضيهم.
الأمر إذا
ينهي حق العودة للفلسطينيين في الخارج، ويمهد لعمليات ترحيل جماعي،
أو "ترانسفير"، للفلسطينيين الذين هم مجبرون على العيش داخل كيان
عبري استعماري صهيوني، إلى خارج وطنهم الأصلي. إنها قمة العنصرية
والنزعة الاستعمارية التي تميز هذا الكيان منذ نشأته، حتى الآن، وفي
كل يوم يثبت عدم أهليته لأن يكون جزءاً من هذه المنطقة، أو حتى بلداً
طبيعياً يلتزم القانون والأعراف والمواثيق الدولية.
تلك الخطوة
الخطيرة تعني عرب الداخل، الذين بدورهم عانوا كثيراً من السياسات
التمييزية التي طبقتها الحكومات الإسرائيلية كافة منذ قيام الكيان
العبري حتى الآن، وهي السياسات التي دفعت منذ عام 1997م، إلى جانب
عوامل أخرى، إلى بلورة عدة اتجاهات داخل التجمع الفلسطيني في
"إسرائيل"، يمكن بلورتهما في تيارين كبيرين، أولهما تيار الجبهة
الديمقراطية للسلام والمساواة، التي رفعت شعار المساواة بين "العرب"
واليهود داخل "إسرائيل"، ومارست هذه الجبهة المشكلة من أعضاء يهود
وعرب ضغوطها على الدولة للاهتمام بمشكلات السكان "العرب". والثاني
حركة "أبناء البلد" التي رفعت شعارات المطالبة بالحكم الذاتي
والاعتراف بالقلة "العربية" في "إسرائيل"، كقلة قومية لها حق إدارة
شؤونها بنفسها، وكان خطابها العام يعبر عن خط قومي عربي متشدد.
ويكاد هذان
التياران يمثلان الاتجاهين الرئيسين بين الفلسطينيين. والثابت أن
التطورات اللاحقة لا سيما منذ اتفاقات أوسلو عام 1993م حتى الآن،
ساهمت في حدة التفاعل بين أنصار هذين التيارين، لاسيما في ضوء ما ظهر
في حينها من احتمال قيام دولة فلسطينية مستقلة، قد ينظر لها دولة لكل
الفلسطينيين، بمن فيهم هؤلاء الموجودين داخل "إسرائيل". ومن هنا ظهر
تخوف بعضهم من أن تتطور الأوضاع إلى حد المطالبة بترحيلهم من أراضيهم
التي تشبثوا بها طوال تلك السنوات.
في هذا
الإطار تبدو دعوة عزمي بشارة عضو الكنيست الإسرائيلي صاحب شعار
"إسرائيل دولة لكل مواطنيها"، وكأنها محاولة استباقية لإجهاض أية
أفكار تدعو إلى التخلص من المجتمع الفلسطيني. وهو الشعار الذي دفع
مؤيديه إلى حفز الفلسطينيين على أن يكونوا أكثر مشاركة في الانتخابات
من أجل التأثير على نتائجها، ولإثبات أن المجتمع الفلسطيني يمكنه أن
يحصل على حقوقه في إطار القوانين المعمول بها. وهي دعوة أدت إلى بعض
النتائج، ولكنها ليس بالصورة التي يأملها أصحاب تلك الدعوة.
لكن المخاوف
لا يبدو أنها إلى زوال، لاسيما أن عملية أوسلو أدت بدورها إلى انهيار
ما كان يعرف بمعسكر اليسار الإسرائيلي، الذي كان متعاطفاً نسبياً مع
شعارات المساواة وتحسين أوضاع "القلة العربية". وهنا نجد باحثين
فلسطينيين وإسرائيليين يرون، أن التحولات التي شهدها المجتمع
الفلسطيني نفسه في الداخل، لاسيما من حيث زيادة نفوذ التيارات
الإسلامية منذ حوالي عقد ونصف، بات ينظر إليها إسرائيلياً كمبرر آخر
للنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم قنبلة موقوتة، يجب التعامل معها
مبكراً. ولذلك زادت مقولات التهجير الجماعي الإجباري والقسري بصورة
كبيرة، مقابل تدهور المطالب والمؤيدين لشعارات تحسين أوضاع هؤلاء،
ولا نقول منحهم حقوق القلة القومية المتعارف عليها.
اللافت للنظر
أن هذه المقولات الإسرائيلية بدأت همساً منذ الانتفاضة الفلسطينية
الأولى عام 1987م، وتعالت بعد انتفاضة الأقصى، ففي كلا الانتفاضتين
بدأت في البروز مشاعر التماسك القومي بين المجتمع الفلسطيني في
الداخل، وبين الفلسطينيين تحت الاحتلال، وهو الأمر الذي عَدَّه
اليمين الإسرائيلي دليلاً على أن "إسرائيل" لا تستطيع التعايش مع
هؤلاء.
لقد أصبح على
فلسطينيي الداخل النضال مزدوجاً، أولاً من أجل البقاء في أراضيهم، من
خلال مواجهة ضغوط اليمين الذي يرفض وجودهم، وثانياً من أجل مساعدة
إخوانهم لكي يحصلوا على حقهم في دولة فلسطينية، وفي الوقت نفسه لا
تكون مبرراً لطردهم. وهي بالقطع مهمة كبيرة تحتاج إلى مزيد من التوحد
والتماسك.
|