اغتصاب فلسطين...جريمة صهيونية مبيتة
أيمن أحمد شعبان
صحيفة
البعث السورية 14/5/2003
التزييف
والخداع والارتكاز إلى الإرهاب والقتل والإبادة والطرد، أسس قام
عليها الكيان الصهيوني الذي زرع قسراً في الأرض العربية، وعلى حساب
عرب فلسطين الذين لا يزالون يتعرضون، ومنذ عقود، للتهجير والإبادة
والعدوان.
قد لا نكون
مبالغين إذا قلنا: إن صعود التطرف في أوروبا في ثلاثينيات القرن
العشرين هو الذي أنقذ المشروع الصهيوني وشجع الهجرة اليهودية إلى
فلسطين بشكل كبير، ففي عام 1927 - 1928، اشتد ساعد الحزب الوطني -
الاشتراكي بزعامة هتلر، وأصبح من المرشحين لاستلام السلطة في
ألمانيا.
ولا شك في أن
نزعة الحزب المتطرفة كانت ظاهرة للعيان، لكن الصهاينة الغربيين
بالغوا في ذلك وأخذوا يدعون يهود ألمانيا للفرار بأسرع ما يمكن، ولكن
إلى أين؟ فلسطين في مفارقة عجيبة حقاً، حتى وصل عددهم في العام نفسه
إلى فلسطين 61854 لاجئاً يهودياً.
لندع جانباً
الآن هذا التلاقي العجيب بين العدوين اللدودين: النازية والصهيونية
اللذين عملا معاً لهدف مشترك، ولنكتف بذكر الأرقام: في الفترة
الواقعة بين عامي 1629 - 1936، دخل فلسطين 188000 يهودي ومنذ استلام
هتلر الحكم، وصل إلى فلسطين بين عامي 1933 - 1939 أكثر من 212000
يهودي، وخلاصة القول: إن انتصار النازية في ألمانيا هو الذي جنب
المشروع الصهيوني الفشل المحتم.
في فلسطين
نفسها بدأت الصدامات بين العرب واليهود تزداد حدة، وبخاصة بعد خيبة
أمل العرب إثر وعد بلفور الذي أعطى اليهود (!!) حق إقامة ما يسمى
وطناً لهم في فلسطين واعتبر العرب أقلية رغم كونهم الأغلبية الساحقة
وأصحاب الأرض الحقيقيين.
وبين عامي
1939 و1945، استطاعت المنظمات الإرهابية اليهودية الحصول على الكثير
من العتاد الحربي، مستغلة تعبئة القوات البريطانية وانتشارها على
الجبهات المختلفة ضد ألمانيا (كمعركة الأطلسي والعلمين وأوروبا)،
وتمكنت الهاغانا بصورة خاصة من أن تصبح جيشاً حقيقياً قوياً، جيد
التسلح والتدريب.. ومن الجدير بالذكر هنا أن قادة الإرهابيين
المتطرفين من أمثال: ايغال آلون قائد البالماخ ومناحيم بيغن قائد
الأرغون أصبحوا زعماء "إسرائيل" فيما بعد.
ولم يكن
الإرهاب الصهيوني يستهدف العرب فقط بل طال حتى سلطة الانتداب، ويقدر
عدد الذين دخلوا فلسطين سراً بحوالي 62500 شخص خلال الحرب العالمية
الثانية، وعندما حاولت السلطات البريطانية فرض النظام وتطبيق القانون
بصفتها دولة منتدبة، حولت الدعاية الصهيونية الأحداث الصغيرة وغير
المشروعة إلى اسطورات بطولية.. وهكذا عندما لم يسمح لـ 4200 يهودي
بالنزول إلى مرفأ حيفا، تحول هذا الموضوع إلى فيلم سينمائي قدمته
هوليود للعالم وكأنه صورة حية عن ضحايا مساكين يحرمون من حق العودة
إلى بلدهم، وليسوا كغزاة معتدين يحاولون سرقة أراضي الآخرين وطردهم
منها.
واعتباراً من
عام 1942، أصبحت الدعاية الصهيونية تصور الأمر وكأن يهود أوروبا قد
يتعرضون للموت خلال وقت قصير، لذلك ارتفعت بعض الأصوات في كل من
بريطانيا والولايات المتحدة ، حيث النفوذ الصهيوني في أوجه، تطالب
باستقبال الفارين من معسكرات الاعتقال النازية، ولكن أصحاب النفوذ من
الصهاينة لم يحركوا ساكناً في هذا الاتجاه لأنهم كانوا يسيرون وفق
خطتهم المرسومة، والتي تهدف إلى تحويل ما يمكن تحويله إلى فلسطين دون
سواها.
في حزيران
1944، ثبت نوع التواطؤ الضمني بين النازية والصهيونية فرضه الهدف
المشترك دون اتفاق بطبيعة الحال، وبانتظار الانقلاب على العرب أخذت
العصابات الإرهابية من (الأرغون) بقيادة مناحيم بيغن تهاجم القوات
البريطانية بواسطة أعمال الإزعاج والتخريب والاغتيال محاولة انتزاع
قناع الحماية والوصاية والاستيلاء على فلسطين بالعنف.
وبعد (ميثاق
الأطلسي) لعام 1941 بين تشرشل وروزفلت، ثم دخول الولايات المتحدة
الحرب اثر حادثة بيرل هاربر، تركز الضغط الصهيوني على الولايات
المتحدة لكي تتخذ القرارات الهامة المتعلقة بالمستقبل وفي الفترة
الواقعة بين 6 - 11 أيار 1942 عقد مؤتمر(بيلتمور) وهو اسم لفندق
نيويوركي كبير تجمع فيه 600 مندوب صهيوني.
وفي عام 1945
طالبت المنظمة الصهيونية العالمية بإلغاء الانتداب البريطاني في
فلسطين وبإقامة دولة يهودية إلا أن لجنة التحقيق الأنكلو - أمريكية
زارت الديار المقدسة في شهر تشرين الثاني من عام 1945 واقترحت إبقاء
الانتداب وذلك في تقريرها الذي رفعته في الأول من أيار 1946. عندئذ
وإزاء هذا الوضع المتفجر أرادت بريطانيا التهرب من اتخاذ القرار
الصعب فأحالت المشكلة إلى منظمة الأمم المتحدة في شهر أيار من عام
1947.
هنا شكلت
لجنة خاصة كلفت بدراسة المسألة الفلسطينية ورفعت تقريرها في 31 آب
1947 تقترح فيه على المنظمة الدولية تبني مخطط لتقسيم فلسطين يعطي
معظم الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة لليهود وانتقلت اللعبة إلى
الأمم المتحدة وكواليسها حيث الضغط الصهيوني لا يقاوم.
أثناء الحديث
عن ذكرياته نوه الرئيس ترومان بضغوط اللوبي الصهيوني على البيت
الأبيض والتي لم تتوقف حتى بعد ضمان التصويت لصالح التقسيم: (فقد ظل
الأفراد والجماعات اليهود يترددون علي طالبين مني التدخل ضد العرب
وإرسال جنود أمريكيين مع الإيعاز للحكومة البريطانية بعدم دعم العرب
وبعمل هذا أو ذاك الخ...).
وهكذا أصبحت
الورقة الأمريكية هي الأساس الذي يعتمد عليه الصهاينة لكسب التصويت
لصالحهم، ومن الجدير بالذكر أن مكتب الإحصائيات الأمريكي قد ذكر أن
عدد السكان اليهود في أمريكا قد ارتفع من 230000 في عام 1877 إلى
4500000 في عام 1926 أضف إلى ذلك أن روزفلت المعروف بولائه الشديد
للأوساط الصهيونية كان قد ترك بصماته في البلاد نتيجة إعادة انتخابه
المتكرر في عام 1936 و 1940 قبل وفاته بقليل وهكذا تم تشكيل (لجنة
فلسطين الأمريكية) من قبل أشخاص مؤيدين للصهيونية ولم تكتف الولايات
المتحدة الأمريكية بالتصويت لصالح التقسيم بل فرضت على كافة الدول
الدائرة في فلكها أن تحذو حذوها أيضاً.
أخيراً جاء
اليوم المشهود والمنتظر، كان لابد من توفر 32 صوتاً لصالح التقسيم
وقد تأمن فعلاً 33 صوتاً وهكذا صدر قرار منظمة الأمم المتحدة في 29
تشرين الثاني من عام 1947 قاضياً بالتقسيم.
بهذا انتهى
الانتداب البريطاني وأصبح الكيان الصهيوني قائماً على 55% من أفضل
الأراضي، إلا أن اليهود لم يكونوا يشكلون فعلاً حتى في هذه الأرض سوى
نسبة ضئيلة مقارنة بالسكان العرب لذلك لم يكتفوا بهذا بل أرادوا ألا
يكون عندهم سوى أقل عدد ممكن من العرب، ومن هنا ظهرت فكرة (دير
ياسين).
لذلك أطلقت
أول كرة اختبار ليلة 4 كانون الثاني سنة 1948 في مدينة القدس نفسها
حيث قام إرهابيون يهود بتفجير فندق سمير أميس الذي سقط فيه 22 قتيلاً
من بينهم القنصل الإسباني العام أما بالنسبة لما حدث في دير ياسين
يوم 9 نيسان 1948 فإننا نكتفي بالتعليق الذي ورد في مجلة (تايم)
النيويوركية لأنه واضح ومختصر: «ظهر فجأة في قرية دير ياسين العربية
إرهابيون يهود من جماعة شتيرن والأرغون حيث قاموا بذبح كل من صادفوه
هناك وقد اكتشفت فيما بعد 250 جثة عربية معظمها من النساء والأطفال
كانت قد ألقيت في أعماق الآبار».. وقد كان الغرض من هذه المذبحة
الرهيبة دب الرعب والهلع في نفوس السكان العرب ليتركوا أراضيهم
ومنازلهم.
بعد حادثتي
فندق سمير أميس ودير ياسين تدفق الإرهابيون اليهود يجوبون شوارع
القدس وغيرها من المدن الكبرى في المنطقة التي أهدتهم إياها المنظمة
الدولية وهم يحملون مكبرات الصوت يحذرون بواستطها السكان العرب:
«اهربوا بسرعة فطريق أريحا مازالت مفتوحة أمامكم، اهربوا إذا كنتم
تريدون الحياة»، وقد روى البريطاني (أرتور كوستلر) الذي كان في
فلسطين آنذاك كيف تم إخلاء مدن حيفا ويافا وطبريا من سكانها العرب
بعد مجزرة دير ياسين.
وفي 14 أيار
من عام 1948 أعلن دافيد بن غوريون من تل أبيب ولادة "إسرائيل" التي
قامت على الظلم والعنف ونشرت الإرهاب في المنطقة كلها وأصبحت عاملاً
دائماً من عوامل عدم الاستقرار الدولي.
في اليوم
نفسه كانت القوات البريطانية تبحر مغادرة فلسطين بعدما أشرفت على زرع
"إسرائيل" ويشار إلى أنه في عام 1946 كان اليهود لا يملكون سوى أقل
من 8% من الأرض بينما أصبحوا يسيطرون في عام 1948 على 55% من أكثر
الأراضي الفلسطينية خصوبة.
بعد عام 1948
ازداد حجم "إسرائيل" بمقدار الثلث حيث استولت القوات الإسرائيلية
علاوة على ما كان مخصصاً لها في مخطط التقسيم لعام 1947 على كل من
الجليل الغربي وغربي القدس ويافا وعكا واللد والرملة بالإضافة إلى
مئات القرى العربية، وهكذا أصبحت مساحة الأراضي الواقعة تحت السيطرة
الإسرائيلية 20850 كم2 من مجموع مساحة فلسطين البالغة 26323 كم2 أي
أن (الدولة اليهودية) قد اتسعت من 14500 كم2 (وفق مخطط التقسيم لعام
1947) إلى 20850 كم2 (وفق اتفاقيات الهدنة سنة 1949) أما (الدولة
العربية) المقترحة على الفلسطينيين فقد تقلصت من 11800 كم2 إلى 5400
كم2 فقط.
وبتعبير آخر
أصبح الـ 30% من اليهود يملكون 80% من فلسطين بينما حشر الـ 70% من
العرب في 21% من الأرض الفلسطينية.
لم يبق من
الـ 700000 عربي الذين كانوا يعيشون داخل القسم الإسرائيلي المحدد من
الأمم المتحدة بعد عمليات الإرهاب والتنكيل سوى 120000 سنة 1949،
نتيجة كل هذا تشكلت موجات من اللاجئين الذين أصبحوا فيما بعد مشكلة
مازالت تزداد حدة وخطورة حتى يومنا هذا.
إزاء كل هذا
الظلم والغبن الفادح ارتفع صوت منصف ينادي بالحق والعدل والمنطق هو
صوت الوسيط الدولي الجنرال (برنادوت) سويدي الجنسية والذي كتب في
تقرير رفعه إلى الأمين العام للأمم المتحدة بتاريخ 16 أيلول من عام
1948 يقول فيه: «لا يمكن لأية تسوية أن تكون عادلة ومرضية إذا لم
يمنح اللاجئون العرب حق العودة إلى البلد الذي طردوا منه وسيكون من
الظلم الفادح رفض عودة هؤلاء الضحايا الأبرياء إلى ديارهم بينما
يتدفق المهاجرون اليهود على فلسطين مهددين بالحلول بصورة دائمة محل
اللاجئين العرب الذين يعيشون في هذه الأراضي منذ قرون».
وفي 16 أيلول
1948 تم توقيع (تقرير برنادوت) وفي اليوم التالي اغتيل الوسيط الدولي
(برنادوت) في مدينة القدس على يد إرهابي يهودي كما قتل مساعده العقيد
الفرنسي (سيرو) على أثر هذه الجريمة النكراء وما أحدثته من استنكار
شديد في العالم كله.
بعد ارتكاب
هذه الجريمة بثلاثة أيام وصلت رسالة إلى إحدى وكالات الأنباء
الفرنسية تعلن مسؤولية هازيت موليديت عن العملية وهذه المنظمة
الإرهابية فرع من عصابة (شتيرن) المنبثقة من عصابة (الأرغون) التي
كان يرأسها مناحيم بيغن.
في 11 كانون
الأول عام 1948 تبنت الجمعية العمومية للأمم المتحدة القرار/194/الذي
يطالب (بعودة من يرغب من اللاجئين إلى أراضيهم على أن يحصل من يمنعون
من ذلك على تعويض عادل من أملاكهم التي فقدوها)، إلا أن شيئاً من هذا
لم يحدث بل عمد المتطرفون اليهود بتشجيع من سلطاتهم إلى نسف المنازل
المهجورة للحيلولة دون عودة أحد من أصحابها وهو أسلوب سنجده يطبق من
جديد بعد عام 1967 في الأراضي العربية المحتلة.
وهكذا أصبحت
حرب الطرد والإرهاب واغتصاب الأرض حرب استقلال مزعومة (!!) حسب
المنطق القائل: «كلما كانت الكذبة أكبر سهل ابتلاعها أكثر...».
|