الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة إلى صفحة القسم الرئيسة

 

الحياة خلف الجدار

 

بقلم: رجب البنا

 

صحيفة الأهرام 29/8/2004

 

ليس في العالم كله حائط يفصل بين بلدين بعد سقوط حائط برلين سوى الحائط الذي أقامه شارون على الأراضي الفلسطينية‏.‏

وليس هناك شعب في العالم يعيش في معازل أقرب إلى السجون‏،‏ بعد انتهاء سياسة العزل العنصري في جنوب إفريقيا سوي شعب فلسطين‏.‏

 

وفي التقرير الأخير للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إن التمييز العنصري الذي تمارسه "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة اسوأ مما كان في جنوب إفريقيا قبل سقوط نظام الفصل العنصري‏.‏

وليس في العالم شعب محروم من التنقل داخل أرضه إلا الشعب الفلسطيني‏.‏

وفي تقرير من الأراضي الفلسطينية كتبه (جيمس بنيت) في نيويورك تايمز إن الحياة على الجانب الفلسطيني أصبحت جحيماً‏،‏ وبدأت مؤسسات الدولة تنهار‏،‏ وتدهورت الأحوال المعيشية وأصبحت أغلبية الفلسطينيين يعتمدون على معونات الأمم المتحدة‏،‏ وعلى سبيل المثال فإن مدينة جنين قسمها الجيش الإسرائيلي إلى ما يشبه الجزر المنعزلة‏،‏ وفقدت الصلة بالسلطة الفلسطينية تقريبا‏ً،‏ وقال عمدة المدينة إن جنين تحولت من مدينة إلى قرية صغيرة دمرت "إسرائيل" كل شكل من أشكال السلطة فيها‏،‏ ولذلك انتشرت فيها الفوضى‏.‏

 

ووفقا للتقارير الإسرائيلية فقد قتل الجيش الإسرائيلي ‏3200‏ فلسطيني حتى الآن‏،‏ وقتل الفلسطينيون ألف إسرائيلي‏.‏

وقد تلاشي الاستثمار تماماً‏،‏ فلم يعد هناك استثمار عربي أو أجنبي أو حتى فلسطيني‏،‏ ويبدو أن سياسة "إسرائيل" هي القضاء على الشعب والسلطة والحلم تدريجيا‏ً،‏ وبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن عدم رضاها عن الاستمرار في بناء السور فإن شارون يعلن استمراره في البناء ورفض قرار محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة‏،‏ وبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن تمسكها بتنفيذ خريطة الطريق يعلن شارون أن خريطة الطريق ماتت‏،‏ ويطرح لعبة جديدة هي خطة الانسحاب من غزة سوف تستنفد سنوات أخرى ولن تحقق شيئا‏ً.‏

 

ويقول الصحفي الأمريكي (جيمس بنيت) إن مدينة جنين فقدت مركزها المتميز ومقومات حياتها ولكنها مازالت صامدة‏،‏ ولم يمت الحلم الفلسطيني في جنين‏،‏ وفي غيرها‏،‏ ومازال هناك شعب يقاوم ويناضل من أجل البقاء حيا‏،‏ ويواجه مشاكل تفوق إمكاناته ابتداء من توفير الغذاء والدواء والسكن إلى إنارة الشوارع وإزالة المخلفات والقمامة‏..‏ والضغوط العسكرية والاقتصادية والنفسية التي تمارسها "إسرائيل" يومياً ولدت روح المقاومة والرفض حتى في الأطفال‏،‏ وتزايد في نفوس الفلسطينيين عموماً الشعور بالظلم والاضطهاد والاحساس بأن العالم قد تخلى عنهم‏،‏ ومن الطبيعي أن يكون هذا الشعور هو المولد للعنف والرغبة في الانتقام إلى حد تفجير الذات‏.‏

 

أما على الجانب الإسرائيلي من الجدار الفاصل فإن جيمس بنيت يقول في تقرير آخر: إن شارون يعتبر نفسه ويعتبره كثير من الإسرائيليين المؤسس الثاني لدولة "إسرائيل" بعد بن جوريون المؤسس الأول‏،‏ لأنه هو الذي قضى على احتمالات قيام دولة فلسطينية‏،‏ وربط "إسرائيل" بالولايات المتحدة بأكثر من أي وقت مضى‏،‏ ووسع مساحة "إسرائيل" بضم أراض فلسطينية جديدة بالقوة‏،‏ وانشأ آلاف المساكن في المستعمرات‏،‏ وشجع آلاف اليهود على الهجرة إلى "إسرائيل"‏..‏ وهو لا يؤمن بالسلام‏،‏ فهو رجل حرب‏،‏ وحتى حين تحدث عن معاهدة السلام التي تربط بين "إسرائيل" ودولتين عربيتين‏،‏ وهل يمكن أن يكون ذلك نموذجاً يمكن أن يتكرر أجاب بأن هذه الاتفاقات بين القادة فقط وليست بين الشعوب‏.‏

يقول الصحفي الامريكي إن شارون قام بتطوير ثقافة قتال يهودية جديدة‏،‏ وأنهى عصر الدياسبورا والخوف والجيتو والاحساس بالدونية ليحل محله عصر القوة العسكرية والنهم الخيالي للاستيلاء على مزيد من الأرض‏،‏ وعزز لدى الإسرائيليين الشعور بالتفوق والاستعلاء‏.‏

 

على الجانب الإسرائيلي من الجدار الفاصل يقف شارون ليعلن أنه سيفعل ما يريد أن يفعله وسوف تؤيده أمريكا‏،‏ ويصرح بأنه لن يتفاوض على الأرض أو السلام بحجة أنه لا يجد شريكاً فلسطينياً للتفاوض معه‏،‏ وهو لا يخفي هدفه النهائي إذا استمرت الضغوط الدولية‏:‏ اتفاقية مؤقتة تكون فرصة لإسرائيل لترتيب أوضاعها ثم يستأنف القتل واغتصاب أراض جديدة‏..‏ استراتيجيته أن يصل بالفلسطينيين والعرب إلى حالة اليأس من الحصول على أي شيء كي يقبلوا في النهاية بما يعطيه لهم بعد اقناعهم بأنهم إن لم يفعلوا سيندمون على هذه الفرصة ويكرر النكتة السخيفة بأن العرب شعب الفرص الضائعة‏..‏ والحقيقة أن العرب لم تضع منهم أي فرصة لأنه لم تكن أمامهم فرصة‏.‏